الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) .
وقوله: (يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) .
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) .
وقوله: (وَمَا أمْوَالُكُمْ وَلَا أوْلَادكُم بِالتِى تُقَربكُمْ عِندَنَا زُلْفَى) .
وكثير غير هذه المواضع قُدمت فيها الأموال على الأولاد في القرآن الكريم. .
ولعل السر في تقديم الأموال على الأولاد: أن الإنسان يملك أموالاً قبل أن
يكون له أولاد. وأن المال أكثر نفعاً للرجل من ولده. وأكثر شغلاً له. وهذا النوع ليس له نصيب ذو قيمة عند البلاغيين، وإنما عنى به المفسرون وكان أبرز خصائص منهجهم في التقديم.
وقدمنا فيما سبق نبذة من أقوالهم فيه معتمدين أساساً على ما كتبه
العلامة أبو السعود في تفسيره، وجار الله الزمخشري فى كشافه.
* *
*
نوع ثالث من التقديم:
ونحن الآن بصدد نوع ثالث من التقديم مختلف تماماً عن النوعين السابقين
لأنك إذا نظرت إلى العبارة مجردة لم يظهر لك فيها تقديم أو تأخير إنما ترى كل كلمة وقعت موقعها في الجملة التي هي فيها.
وإذا قارنتَ هذه العبارة بموضع آخر اتحد معها في أصل المعنى ظهر لك أن
الكلمة قُدِّمت في موضع، وأخِّرت في آخر.
مثال ذلك قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) .
وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) .
فلو أنك نظرتَ إلى آية البقرة المذكورة وحدها لم يظهر لك شيء من أمر
التقديم والتأخير فيها.
لكنك حين تقارنها بآية الأعراف المتفقة معها في أصل المعنى المختلفة معها
فى النظم بان لك أمر التقديم والتأخير واضحاً.
فدخول الباب سُجداً مُقدم في البقرة، والقول بالحِطة مؤخر.
وقد عكس ذلك فى الأعراف فجاء القول بالحِطة مقدماً ودخول الباب سُجداً مؤخراً إ!
وقد أحصيتُ من هذا النوع واحداً وعشرين موضعاً في القرآن الكريم. فرحتُ أبتغي توجيهاً لها عند المفسرين فلم أجد إلا عبارات مقتضبة في مواضع قليلة جداً لم تشف غليل باحث.
وبدهي أن البلاغيين لم يعالجوا هذا النوع لا من قريب، ولا من بعيد.
إلا في موضع واحد أو اثنين وسنشير إلى هذا كله فى
موطنه.
والحق يقال إن الإمام الزركشي قد سرد هذه الآيات في باب التشابه وحلل
القول في مواضع نادرة منها، وحتى ما كتبه هو لم يحل المشكلة.
وسأنبه عليه فى موضعه كذلك.
أمام هذه الاعتبارات اضطررتُ إلى استئناف البحث في هذه المواضع جميعاً.
معتمداً في توجيه السر فيها على ما يأتي:
1 -
شروح المفسرين وما قاله بعضهم من عبارات مقتضبة لم تشف غليلاً.
2 -
ما كتبه الزركشي في البرهان عن بعض المواضع منها.
3 -
وهو المعتمد الأهم. هو القرآن نفسه أوازن وأستنتج وأقف في كل
موضع أدرسه على ما اشتمل عليه من دقائق اللفظ والمعنى، وقرائن الأحوال
واختلاف المقامات والسابق واللاحق نزولاً.
وكان لهذا فضل توجيهى في كل المواضع التي تناولتها بالدراسة هنا.
وبعد الفراغ من توجيهاتها كلها واستفراغ كل جهدى في دراستها بعد هذا
كله عثرتُ على كتاب " درة التنزيل وغرة التأويل: في بيان الآيات
المتشابهات في كتاب الله العزيز ". للشيغ الإمام أبى عبد الله محمد بن
عبد الله الخطيب الإسكافي المتوفى سنة 421 هـ، رواية الإمام إبراهيم بن علي ابن محمد المعروف بابن أبى الفرج.
وفي هذا الكتاب حديث عن أكثر هذه المواضع تناوله المؤلف في شيء من
الإفاضة والتوسع.
وعلى التو قمتُ بمراجعة فاحصة لما كتبته في توجيهها مقارناً بما جاء فى
كتاب الخطيب الإسكافي. وللحق أقول: إننى لم أغيِّر كثيراً فيما انتهيتُ إليه
من نتائج بعد اطلاعى على هذا الكتاب، وسوف أشير إلى رأيه ملخصاً فيما
يأتي عند توجيه كل موضع إن شاء الله.
ونحدد - قبلاً - هذه الآيات:
* إشارة سريعة لنصوص التقديم غير الاصطلاحي:
الموضع الأول: هو آية البقرة: 58 مع آية الأعراف: 161، والثاني: آية
البقرة: 62 مع آية الحج: 17، والثالث: آية البقرة: 120 مع آية الأنعام: 71، والرابع: آية البقرة: 143 مع آية الحج: 78، والخامس: آية البقرة: 173 مع آية المائدة: 3 والأنعام: 145 والنحل: 115، والسادس: آية البقرة: 264 مع آية إبراهيم: 18، والسابع: آية آل عمران: 156 مع آية الأنفال: 10، والثامن: آية النساء: 135 مع آية المائدة: 8، والتاسع: آية الأنعام: 102 مع آية غافر: 62، والعاشر: آية الأنعام: 151 مع آية الإسراء: 31، والحادى عشر: آية النمل: 14 مع آية فاطر: 12، والثاني عشر: آية الإسراء: 89 مع آية الكهف: 54، والثالث عشر:
آية المؤمنون: 83 مع آية النمل: 68، والرابع عشر: آية الآسراء: 96 مع آية العنكبوت: 52، والخامس عشر: آية القصص: 20 مع آية يس: 20، والسادس عشر: آية آل عمران: 40 مع آية مريم: 8،
والسابع عشر: آية البقرة: 129 مع آية الجمعة: 2، والثامن عشر: آية البقرة: 35 مع آية البقرة: 58، والتاسع عشر: آية البقرة: 23 1 مع آية البقرة: 48،
والموضع العشرون: آيات: الأنعام: 32 ومحمد: 36 والحديد: 20 مع آيتي الأعراف: 51 والعنكبوت: 64
هذه عشرون موضعاً اتحد فيها أصل المعنى أو كله واختلفت صور النظم من
حيث التقديم والتأخير وغيرهما، وقبل أن نخوض في التفصيل أرجو أن أوافق
على تلك التسمية التي أثبتها في العنوان وهي: " التقديم غير الاصطلاحي "
أو " اختلاف النظم في العبارات ذات المعنى الواحد ".
* الموضع الأول " دخول الباب والقول بالحِطة ":
(وَادْخُلواْ البَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حطة) .
(وَقُولُواْ حِطةٌ وَادْخُلُواْ البَابَ سُجَّداً) .
علل الزمخشري في كشافه. وأبو السعود في إرشاده التقديم
والتأخير في هذا الموضع بعدم التناقض. وحجتهما أن المأمور به هو الجمع بين
الأمرين: القول بالحطة، والدخول ساجدين من غير اعتبار الترتيب بينهما.
وسواء قدموا الحِطة أَو أخَّروها لْهم جامعون في الإيجاد بينهما.
أما الخطيب الإسكافي فقد أرجع التقديم والتأخير إلى أن القرآن إنما حكى
المعنى دون اللفظ. وما دام الأمر كذلك فلا غرابة.