الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
من أسرار التقديم في القرآن الكريم
التقديم - بعامة - سمة أسلوبية لها عظيم الأثر في روعة الأسلوب وإبرازه
فى صورة حكيمة من الوفاء بالمعاني ومطابقتها لمقتضى الحال، سواء أكانت
هذه الحال ملاحظاً فيها جانب المخاطبين، أو جانب المخاطب.
وهو من أقدر الفنون على كشف خبايا النفوس وسبر غورها.
ويطوع المعاني للاعتبارات المناسبة التي يراها البليغ حرية بالكلام.
وقد أولاه علماء البلاغة عناية فائقة باعتباره أحد أصول علم المعاني الذي به
تعرف أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال.
أو هو - كما يقول السكاكي: " تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة
وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى
تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره ".
ودراستنا للتقديم في القرآن الكريم نمارسها - بعد - من خلال دراسة أربعة
مناهج وضعها العلماء وهم يعالجون هذا الفن " التقديم " وهذه المناهج الأربعة
هي:
الأول: منهج البلاغيين ابتداءً من عبد القاهر الجرجاني، حتى الخطيب
القزويني.
الثاني: منهج شمس الدين بن الصائغ الحنفي.
الثالث: منهج ضياء الدين بن الأثير.
الرابع: منهج المفسرين متمثلاً في العلامة أبى السعود. والإمام الزمخشري.
أولاً - منهج البلاغيين
الذي ينظر في منهج علماء البلاغة يجد طريقتهم في التقديم تعتمد على
العناصر الآتية:
(أ) حقيقة التقديم.
(ب) أغراض التقديم.
(ب) أقسام التقديم وموضوعاته.
والعنصران الثاني والثالث هما المسيطران على منهجهم.
فأغراض التقديم هي الدواعى والأسباب التي ترجح تقديم المقدم على تأخيره. وهذه الأغراض عندهم نوعان:
أغراض عامة كالاهتمام بالمقدَّم. وأغراض خاصة كإرادة التخصيص.
أما أنواع التقديم أو أقسامه. فإنها عندهم نوعان كذلك:
(أ) تقديم على نية التأخير، كتقديم الخبر على المبتداً، وتقديم المفعول
على الفاعل أو الفعل.
(ب) تقديم لا على نية التأخير كتقديم المبتدأ على الخبر وتقديم الفعل على
الفاعل.
وقد عارض الزمخشري - كما نقل عنه صاحب المطول - على اعتبار هذا
النوع من التقديم فقال: " إنما يقال مقدم ومؤخر للمزال لا للقار في مكانه "
ورد هذا الاعتراض بأن المراد بتقديمه الإتيان به مقدماً.
وهذا التقسيم نص عليه عبد القاهر في الدلائل وتابعه البلاغيون من
بعده.
والحق أن الزمخشري له دليل قوى فيما تمسك به. وإن كان يؤخذ عليه
ما أجاب به البلاغيون، لأنه اعتبار دقيق ما كان ليفوت الزمخشري وهو من
أبرز ذوَّاقي الأساليب.
أما موضوعات التقديم. فهى لا تخرج - عندهم - عن الأحوال الآتية:
1 -
تقديم المسند إليه، وهو - هنا - خصوص المبتدأ.
أما نظيره " الفاعل " فليس له نصيب في هذا البحث، لأنه لو قُدم على فعله لأصبح مبتدأ وزال عنه معنى الفاعلية وتحولت إلى ضميره.
ويصبح التركيب - حينئذ - أصيلاً لا تقديم ولا تأخير فيه.
2 -
تقديم المسند، وهو - هنا - خصوص الخبر غير الفعلي.
لأن الخبر الفعلي لو قُدم لصار المبتدأ فاعلاً، ولحصلنا على نمط من التركيب مغاير تماماً لما حُوَل عنه.
فمثل: الصدق ينفع، لو قدمنا فيه الخبر - وهو فعلي - لأصبح
التركيب: ينفع الصدق. ولما بان - إذن - أن في الكلام تقديماً.
3 -
تقديم المتعلقات على عواملها، أو تقديم بعضها على بعض، كالمفعول
به على الفعل وكالظرف والجار والمجرور، وكالحال والتمييز، وكتقديم التوابع بعضها على بعض. عند هذا الحد تقف بحوث البلاغيين في التقديم، وقد كشفوا عن أسراره فيها وتباينت وجهات نظرهم في بعض الفروع.
ونوجز فيما يأتي خلاصة منهجهم في الموضوعات الثلاثة الآتية:
أولاً - أسرار تقديم المسند إليه:
يُقدم المسند إليه لأغراض مختلفة، وكان الأقدمون - قبل عبد القاهر
الجرجاني - يرجعون تقديم المسند إليه إلى غرض واحد عام، هو الاهتمام
والعناية. ويفسرون بذلك كل تقديم وقد أشار إلى ذلك سيبويه.
ولم يرتض عبد القاهر هذا التفسير العام، لأن الاهتمام والعناية من الظواهر التي تحتاج إلى تعليل وكشف عن دواعيهما.
وبهذا فتح عبد القاهر المجال أمام النظر بهذا التنبيه، وقد تلمس هو نفسه
فى كتابه " الدلائل " أسبابًا أعمق، وأسراراً أدق.
وقد أسفرت البحوث بعده عن الأسرار الآتية التي يقدم من أجلها المقدم - المسند إليه - هنا.
1 -
التقديم للعناية والاهتمام: أشار الخطيب إلى شرح كونه أهم، كما
يقول صاحب المطول. وقبله السكاكي. والطريقة فيه أنه يُقدم لكون ذكره
إما لأنه الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، فإذا وُجدَ مقتض لتقديم المسند
أهمل تقديم المسند إليه، كما إذا أريد قصر المسند إليه على المسند،
أو التشويق إلى المسند إليه وذلك يقتضي تأخيره إذا كان في المسند ما يثير هذا
التشويق. أو غير ذلك من الأسباب.
لأن التقديم للأصالة ضعيف يراعى إذا لم يعارض بسبب آخر أقوى منه.
2 -
وإما ليتمكن الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ - كذلك - تشويقاً
إليه إما لغرابة صلته إن كان موصولاً، كقول أبى العلاء:
وَالَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ. . . حَيوانٌ مُسْتَحدَث مِنْ جَمَادٍ
فإن الحيرة في جانب المسند إليه تشويق إلى معرفة مَن وقعت عليه، وتعلقت
به وهو المسند. وهذا يُمكَن الخبر في الذهن حيث قد هُيِئَ له، وأثير الشعور
نحوه.
وإما لغرابة صفته إن كان موصوفاً. كالتصرف في المثال السابق: الشيء
الجالب للحيرة حيوان مستحدث من جماد.
وإما لكونه ضمير شأن أو قصة. كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) .
وقوله: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) . لأن ضمير الشأن والقصة - بما
فيهما من الإبهام - يشوقان السامع إلى البيان الذي يتكفل به المسند وذلك من دواعي التمكنِ.
3، 4 - وإما لتعجيل المسرة أو المساءة كقولك: سعيد في دارك.
والسفاح فى دار صديقك.
5 -
وإما لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر، فهو إلى الذكر أقرب.
وذلك الإيهام إما لكونه مطلوباً في نفسه كقول الجائع العطشان:
الرَغيف والماء أجمل ما تحت السماء، وإما لكونه مستلذاً استلذاذاً حسياً كقول جميل:
بُثَيْنَةُ مَا فِيهَا إذا ما تُبُصِّرَتْ. . . مَعَابٌ وَلَا فِيهَا إذا نُسبَتْ أشَبُ
أى هي الوسيمة الأصيلة فالتقديم لما ذكرناه.
6، 7 - وإما للمبادرة إلى إظهار تعظيمه أو تحقيره إذا كان اللفظ مشعِراً
بهما - إما بذاته - وقد مثلوا لهما بأمثلة مصنوعة.
وفي القرآن ما يغنيهم عن هذه الصناعة.
كقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) .
واللفظ - هنا - مشعر بالعظمة بذاته، وأما بالإضافة فمثل قوله تعالى:
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) .
هذا في التعظيم.
أما في التحقير فيمكن الاستشهاد عليه بقوله تعالى:
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) .
واللفظ - هناَ - مشعر بالتَحقير بذاته.
وأما بالإضافة فمثل قوله تعالى: (إن كَيْدَ الشيْطانِ كَانَ ضَعِيفاً) .
وقد نَصن السكاكي على موضعنِ آخرين، أحدهما:
8 -
أن يكون كونه متصفاً بالخبر هو المطلوب لا نفس الخبر. كما إذا قيل:
كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب.
وقد عَدَّ بعض المحدَثين هذا الموضع تحت ضابط: طرافة حصول المسند من
المسند إليه لأن الزاهد من شأنه التقوى والورع، فكونه شارباً طروباً مخالف
لا ينبغي.
وثانيهما:
9 -
أن يكون متضمناً لاستفهام مثل: أيهم منطلق؟
لأن أدوات الاستفهام لها الصدارة.
10، 11 - التقديم لإفادة التخصيص أو التقوى. وفي ذلك مذهبان،
أحدهما لعبد القاهر الجرجاني، والثاني لأبى يعقوب يوسف السكاكي.
أولاً - مذهب عبد القاهر:
وهو يتلخص في الاعتبارات الآتية:
1 -
إذا تقدم المسند إليه على خبره الفعلي، وقد ولى حرف النفي، فإنه
يفيد قصر نفى الخبر عليه وجهاً واحداً، سواء أكان المسند إليه معرفاً أو منكراً، مُظهَراً أو مُضمَراً.
2 -
أما إذا كان المسند إليه غير والٍ لحرف النفي، وكان خبره أيضاً فعلياً،
ولم يكن المسند إليه نكرة سواء أكان الخبر مثبتاً أو منفياً.
فإنه يأتي - أحياناً - للتخصيص إن كان للمخاطب حكم على خلاف حكمك.
ويفيد التقوى - فحسب - إن لم يكن له ذلك الحكم المخالف لا تقول.
والمرجع في ذلك للمقامات وقرائن الأحوال.
3 -
فإن كان نكرة، والحال أن خبره فعلي مثبت أو منفى، ولم يل المسند
إليه حرف النفي فإنه يفيد التخصيص قطعاً. إلا أنه يتنوع إلى نوعين:
(أ) تخصيص الجنس.
(ب) تخصيص الواحد من الجنس (العدد) .
وتوضيح ذلك بالأمثلة:
ما أنا قلت - هذا ما محمد قال هذا - ما رجل قال هذا. . في هذه الأمثلة
الثلاثة قُدم المسند إليه الذي خبره فعلي والياً - أي المسند إليه - حرف النفي، وهو معرف في المثالين الأولين مضمر في أحدهما، ومظهر في الثاني، ونكرة
فى الثالث.
وقد مثَّل عبد القاهر لهذا النوع بقول المتنبي:
وَمَا أنَا أسْقَمْتُ جِسْمِى بِهِ. . . وَمَا أنَا أضْرَمْتُ فِى القَلبِ نَاراً