الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
حذف الخبر مع " لا " النافية:
ومن المواضع التي كثر فيها حذف الخبر " لا النافية للجنس " مثل قوله
تعالى: (قَالُوا لَا ضَيْرَ) أي علينا.
وقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ) : أي لهم.
فالمحذوف في هذا كله الخبر إلا في آية اليائسات من الحيض فقد صح كون
المحذوف الخبر وحده. أو هو مع مبتدئه.
وهناك موضع آخر يصح فيه تقدير المحذوف - خبراً. أو مبتدءاً -
وهو الواقع بعد " الفاء " الواقعة في جواب شرط.
ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) .
وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ) .
وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) .
ومثله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) .
ففيما عدا الأخير جاز التقدير أن يكون هكذا:
فالواجب: عدِةٌ من أيام أخر.
أو: فعِدة من أيام أخر واجب صيامها. وهكذا البواقي
وفي الأخير يقدر: فأمري، أو شأني صبر جميل، أو: صبر جميل أمثل.
وأنت ترى أن تكثير المعنى مع الإيجاز مصاحب لهذه الأساليب مع خلوها من
الإجحاف والجور على المعنى.
* *
4 -
حذف الموصوف وحذف الصفة:
جاء حذف الموصوف في الكلام الفصيح كثيراً وهو أكثر من حذف الصفة لأنه أقوى منها، وجاء ذلك في القرآن الكريم على صور متعددة.
منها قوله تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (5) .
وقوله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ.
وقوله تعالى: (فَليَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً) .
وقوله تعالى: (وَذَلِكَ ديِنُ القَيِّمَةِ) .
وقوله تعالى: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) .
هذه مواضع خذِف فيها الموصوف.
لأن التقدير في الأولى: حور قاصرات الطرف. .
وفي الثانية: دروعاً سابغات.
وفي الثالثة: ضحكاً قليلاً وبكاء كثيراً.
وفي الرابعة: المِلة القيمة.
وفي الخامسة: الحياة الآخرة.
وأرى أن السر البلاغي في حذف هذه الموصوفات - مما ذكرناه وما لم نذكره
وهو كثير - هو توفير العناية بالصفة لأنها المطلوبة.
فقصر الطرف هو دليل العفة المطلوبة في كل امرأة.
والظاهر في الثانية الاهتمام بجودة الصننعة لأن المطلوب أن تكون الدرع
سابغة لا مجرد درع، فأقيمت هذه الصفة التي هي محل العناية من كل درع
مقام الموصوف.
كذلك فإن القِلة من الضحك. والكثرة من البكاء هما المطلوب إثباتهما دون
مجرد الضحك أو مجرد البكاء.
و " القَيِّمة " وصف حاز كل فضيلة فليس المراد كلمة " مِلة " لأن هذه تُطلق
على كثير من العقائد الضالة وغيرها.
إنما المطلوب الوصف " القَيِّمة " وهو ما يفصل بين ما هو حق وما هو باطل. فهو بالعناية أولى.
وكثيراً ما اجتزئ بالآخرة - وهي صفة - عن الحياة وهي موصوف في التعبير
القرآني كما في قوله تعالى: (وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى) ، وإذا
كثر اتصاف الشيء بصفة واشتهر بها صلحت لأن تقوم مقامه.
وهذا الوصف " الآخرة " هو الفاصل بين الحياتين: الأولى والآخرة.
لأنهما جميعاً يشتركان في مطلق حياة.
فكان لهذا الوصف الذي لا اشتراك فيه فضيلة ليست لغيره.
لذلك نرى القرآن يُفرق بينهما حتى فيما هما مشتركتان فيه
من لفظ " الحياة "
إذ يقول: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) .
فزاد في بِنية الكلمة زيادة تفيد المبالغة في إثبات المعنى.
فكاد يسلب عن الحياة الأولى معنى الحياة.
ويفيد - في نفس الوقت - أن الحياة الحقيقية إنما هى الآخرة.
وهكذا تجد في كل موضع حُذِف فيه الموصوف وأقيمت الصفة مقامه لم يكن
الحذف اعتباطاً - كما يقال - ولا قسراً.
وإنما هو لسر يبدو فيه توفير العناية بالصفة لأمر يقتضي ذلك.
أما حذف الصفة فدون حذف الموصوف.
لأنها عرض لا تدل على نفسها إلا بذكرها، فمن حذف الصفة في القرآن قوله تعالى:(يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) . أي صالحة. "
وقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. أي أتت عليه.
وقوله تعالى: (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي الواضح.
وقوله تعالى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) .
أى السابقة. . . وأسباب الحذف فيها واضحةَ.
فحذف صفة السفينة: " صالحة " فيه مبالغة في تصوير طمع الملك
واستيلائه على كل سفينة حتى ولو كانت غير صالحة.
فغير الصالح داخل فى مأخوذ الملك، هكذا يخيل الحذف.
ولو ذكر الوصف لزال هذا التخييل.
وهذا التوجيه أراه أكثر قيمة مما ذكر الدكتور أحمد أحمد بدوي إذ يقول:
" وقد أوحى إلينا هذا الحذف بأن الملك ينظر إلى السفينة العيبة كأنها قد فقدت حقيقتهاً.
لأن هذا التوجيه غير مبين لسبب الحذف، والمعنى الذي ذكره مفهوم من
(فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) وليس من الحذف.
والحذف في وصف الريح أفاد أن قوة الريح تمكنها من تدمير كل شيء سواء
أتت عليه أو لم تأت عليه فتأثيرها ممتد إلى كل شيء.
ولو ذكِرَت الصفة لزال هذا التخييل.
وهكذا يمكن فهم الحذف في كل موضع على أساس يخدم المعنى ولا يضره.
* *
5 -
حذف المتضايفين:
يحذف المضاف كثيراً كضرب من التوسع في اللغة.
وإيراد المعنى في قليل من اللفظ لأن المضاف إذا حُذفِ سهل تصوره.
قال الأعشى:
ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ ليْلةَ أرْمَدا. . . وَيِتَّ كَمَا بَاتَ السلِيمُ مُسَهَّدأ
فحذف في البيت مضافان: مضاف إلى " ليلة "، ومضاف إلى " أرمد "
والمعنى: اغتماض ليلة رجل أرمد.
وقال الكلحبة اليربوعى:
فَأدْرَكَ إرقْالُ العَرادةِ ظِلعَهَا. . . وَقَدْ جَعَلتْنِي مِنْ خُزَيْمَةَ أصْبعَا
والتقدير: ذا مسافة أصبع. فحذف من الكلام مضافان متجاوران.
وهذا في كلامهم لا حصر له. - وكذلك جاء حذف المضاف في القرآن الكريم.
ومنه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) .
و (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) ،
و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ، و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ،
و (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) ،
و (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) ،
و (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) .
هذه نصوص من القرآن الكريم حُذِفَ فيها المضاف ودليل الحذف واحد فى
الجميع هو عدم صحة تعلق الحكم المستفاد من السياق بالمذكور في اللفظ.