الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه اثنتا عشرة آية جاء الجن والإنس، أو الجِنةِ والناس، مجموعين فيهما
فى سياق واحد.
مقدماً فيه الجن على الإنس، والجِنة على الناس. . وهذا يهدر ما ذهب إليه
ابن الصائغ من أساسه.
وهناك مواضع قُدِّم فيها الإنس على الجن وهي:
(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) .
(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) .
(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) .
(وكَذَلكَ جَعَلنَا لِكُل نَبِى عَدُوا" شَيَاطينَ الإنسِ والجِن) .
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)
(وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) .
وهذه ست آيات أورد القرآن فيها الإنس والجن أو الجان مجموعين في سياق
واحد مُقدَّماً فيه الإنس على الجن، وعلى الجان.
* *
*
عرض ونقد وتحليل:
وبمقارنه يسيرة بين الطائفتين يتضح أن ورود الجن مقدَّماً على الإنس فى
القرآن الكريم أكثر كثرة نسبتها 2 - 1، أو 12 - 6
فكيف ساغ لابن الصائغ أن يزعم أن الإنس يأتي مقدَّماً على الجن في القرآن
الحكيم في كل موضع اجتمعا فيه؟!!
وكيف جاز للسيوطي أن يتابعه على هذا. وهو العالِم المحرر المدقق، دون
أن يشير إلى وجه الخطأ فيه؟.
وحتى في المواضع التي قُدم فيها الإنس على الجن لا يستقيم قول ابن الصائغ
أن التقديم فيها لتشريف المقدَّم.
وإلا فأى تشريف يعود على الإنس في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) .
إن تحرير القول في هذه المواضع أن يدار الأمر فيها من حيث التقديم والتأخير
على غير هذا الوجه الذي ذهب إليه ابن الصائغ.
ونحن نُخرِّج مثالين منها من كل طائفة مثال على خلاف ما ذكره هو من تفسير لكون ذلك مقياساً لما بقي من أمثله:
المثال الأول: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) .
فى هذه الآية قُدم الإنس على الجن. . لماذا؟
ليس للتشريف قطعاً - كما يرى ابن الصائغ - لأن المقام ليس مقام تشريف
وهذا ظاهر.
إذن فما هو الوجه اللائق لتفسير هذا التقديم؟
والذي أراه - وأرجو أن يكون سديداً - أن سر التقديم هنا: لأن عداوة
الإنس للرسل ظاهر أمرها. وعنادهم لهم لا يحتاج إلى دليل.
تحدث عن ذلك القرآن مبيِّناً الصراع الطويل بين قُوَى الهداية والخير متمثلة في الرسل، وقُوَى الضلال والشر متمثلة الناس المخالفين لدعوة الرسل.
فبنو إسرائيل - مثلاً - وهم من الإنس تمردوا على الرسل وقتلوهم.
ولم تقتل الجن رسولاً أو نبياً.
هذا الظهور في عداوة الإنس للرسل جعلهم أصلاء في هذا المقام جديرين
بالتقديم فيه.
أما عداوة الجن للرسل فهى مساع وحيل متخفية، يدركها العقل ولا تدركها
الحواس، فهى - بهذا الاعتبار - تأتي في المرحلة الثانية بعد عداوة الإنس
للرسل والتمرد عليهم وقتلهم.
فالتقديم - إذن - ليس للتشريف. بل لأن المقدَّم أكبر شأناً من حيث اتصاله
بالحقيقة التي سيق من أجلها الكلام.
الموضع الثاني: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)
وفي هذا الموضع قُدمت الجنة على الناس. لأن المقام يقتضي ذلك. المقام هنا
وسوسة خفية. وإغراء متسَتر، والجن - حيث يروننا ولا نراهم - أقدر على هذه الوسوسة، وهي بهم أليق. إغراء خفى. ومغر أشد خفاء. على هذا النهج الذي خرجنا عليه المثالين يجب أن نفهم التقديم والتأخير في هذه المواضع وما أشبهها. لا على ما ذهب إليه ابن الصائغ لأنه يحجر على التذوق الحر، والبحث الجاد في توجيه الظواهر الفنية.
وهو أمر ليس بمقبول.
أما تقديم السمع على العلم. فذلك - فيما أرى - من باب تقديم السبب على السبب لأن السمع سبب من أسباب العلم، أو من تقديم الخاص على العام.
وأما تقديم السمع على القُرب في الموضع المذكور فهو لا يبعد أن يكون من
قبيل الترتيب الطبيعي بين الأشياء، لأن مَن يُدعى فيستجيب يقرب من الداعي الذي دعاه.
ويرى ابن الصائغ أن تقديم " هارون " على موسى، وموسى أشرف من
هارون، إنما هو مخالف للأصل.
وعزاه إلى مراعاة الفواصل.
وقد رددنا على هذه الشُّبهة من قبل في مبحث الفواصل.
*