المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[حكم الشفعة وأسبابها] - البناية شرح الهداية - جـ ١١

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الولاء

- ‌[تعريف الولاء وأنواعه]

- ‌«الولاء لمن أعتق»

- ‌[ولاء العبد المعتق]

- ‌[ولاء المكاتب]

- ‌[تزوج من العجم بمعتقة من العرب فولدت له أولادا لمن ولاؤهم]

- ‌ تزوج بمعتقة قوم ثم أسلم النبطي ووالى رجلا ثم ولدت أولادا

- ‌ولاء العتاقة تعصيب

- ‌فصل في ولاء الموالاة

- ‌كتاب الإكراه

- ‌[تعريف الإكراه وما يثبت به حكمه]

- ‌ أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة

- ‌[أثر الإكراه في الضمان]

- ‌[حكم الإكراه الواقع في حقوق الله]

- ‌[الإكراه على الكفر أو سب الرسول]

- ‌[الإكراه على إتلاف مال]

- ‌[الإكراه على القتل]

- ‌ إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير

- ‌[الإكراه على التوكيل بالطلاق]

- ‌[الإكراه على الزنا]

- ‌[من أكره على الردة هل تبين منه امرأته]

- ‌كتاب الحجر

- ‌[تعريف الحجر والأسباب الموجبة له]

- ‌[العقود التي يجريها الصبي والمجنون]

- ‌[حكم ما يتلفه الصبي والمجنون]

- ‌باب الحجر للفساد

- ‌[تعريف الحجر للفساد أو السفه]

- ‌[حكم القاضي بالحجر فرفع الحجر قاض آخر]

- ‌[تصرفات المحجور عليه]

- ‌[الزكاة في مال السفيه]

- ‌[أراد السفيه أن يحج حجة الإسلام]

- ‌[مرض السفيه وأوصى بوصايا في القرب]

- ‌فصل في حد البلوغ

- ‌[علامات بلوغ الغلام والجارية]

- ‌باب الحجر بسبب الدين

- ‌[بيع المفلس ماله لقضاء الدين المستحق عليه]

- ‌[حكم المال الذي استفاده المفلس بعد الحجر]

- ‌[مرض المحجور عليه في الحبس]

- ‌[بيع وتصرف وسفر المحجور عليه لدين]

- ‌[أفلس الرجل وعنده متاع لرجل بعينه]

- ‌كتاب المأذون

- ‌[تعريف العبد المأذون]

- ‌[إذن المولى لعبده في التجارة إذنا عاما أو في نوع معين]

- ‌[زواج العبد المأذون له في التجارة]

- ‌[هل للعبد المأذون أن يعتق على مال]

- ‌[ما يجوز للعبد المأذون له في التجارة]

- ‌[موت مولى العبد المأذون أو جنونه]

- ‌[الحكم لو أبق العبد المأذون له في التجارة]

- ‌[الاستيلاد وأثره على الإذن والحجر]

- ‌[ديون العبد المأذون له في التجارة]

- ‌[عتق العبد المأذون الذي عليه دين]

- ‌[قدم مصرا فباع واشترى وقال إنه عبد لفلان]

- ‌[فصل في أحكام إذن الصغير]

- ‌كتاب الغصب

- ‌[تعريف الغصب]

- ‌[هلاك المغصوب]

- ‌ رد العين المغصوبة

- ‌[محل الغصب]

- ‌[ضمان المغصوب]

- ‌ غصب عبدا فاستغله فنقصته الغلة

- ‌[نماء المغصوب وزيادته في يد الغاصب]

- ‌فصل فيما يتغير بفعل الغاصب

- ‌[غصب فضة أو ذهبا فضربها دنانير أو دراهم]

- ‌ غصب ساجة فبنى عليها

- ‌ خرق ثوب غيره خرقا يسيرا

- ‌[غصب أرضا فغرس فيها أو بنى]

- ‌ غصب ثوبا فصبغه أحمر، أو سويقا فلته بسمن

- ‌من غصب عينا فغيبها فضمنه المالك قيمتها

- ‌[فصل مسائل متفرقة تتعلق بالغصب]

- ‌ غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته

- ‌ غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها

- ‌[ضمان الغاصب منافع المغصوب]

- ‌فصل في غصب ما لا يتقوم

- ‌ أتلف المسلم خمرا لذمي أو خنزيره

- ‌ غصب من مسلم خمرا فخللها

- ‌ غصب ثوبا فصبغه ثم استهلك

- ‌[غصب خمرا فخللها بإلقاء الملح فيها]

- ‌ كسر لمسلم بربطا أو طبلا أو مزمارا أو دفا

- ‌ غصب أم ولد أو مدبرة فماتت في يده

- ‌[غصب السكر والمنصف فأتلفها]

- ‌كتاب الشفعة

- ‌[تعريف الشفعة]

- ‌[حكم الشفعة وأسبابها]

- ‌الشفعة للشريك في الطريق

- ‌[الشفعة في النهر الصغير]

- ‌[الشفعة في الخشبة تكون على حائط الدار]

- ‌[الحكم لو اجتمع الشفعاء]

- ‌[موجب الشفعة]

- ‌[الشهادة على الشفعة]

- ‌[كيفية تملك الشفعة]

- ‌باب طلب الشفعة والخصومة فيها

- ‌[أخبر الشفيع بكتاب أن الدار التي لك فيها شفعة قد بيعت]

- ‌[ألفاظ تدل على طلب الشفعة]

- ‌[هل تسقط الشفعة بالتأخير]

- ‌ المنازعة في الشفعة

- ‌[الخيار في الشفعة]

- ‌[فصل في الاختلاف في الشفعة]

- ‌[ادعاء المشتري عكس ما يدعيه البائع في الشفعة]

- ‌فصل فيما يؤخذ به المشفوع

- ‌[زيادة المشتري للبائع في الثمن هل تلزم الشفيع]

- ‌[اشترى دارا بعرض كيف يأخذها الشفيع]

- ‌[باع عقارا بعقار كيف يأخذ الشفيع بالشفعة]

- ‌ اشترى ذمي بخمر أو خنزير دارا وشفيعها ذمي

- ‌[فصل مشتمل على مسائل بغير المشفوع]

- ‌[بنى المشتري أو غرس ثم قضى للشفيع بالشفعة]

- ‌[الشفيع لا يكلف قلع الزراعة]

- ‌ أخذها الشفيع فبنى فيها أو غرس ثم استحقت

- ‌[انهدمت دار الشفعة أو جف شجر البستان من غير فعل أحد]

- ‌[اشترى أرضا وعلى نخلها ثمر أيأخذها الشفيع بثمرها]

- ‌باب ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب

- ‌[الشفعة في جميع ما بيع من العقار]

- ‌لا شفعة في العروض

- ‌المسلم والذمي في الشفعة سواء

- ‌[ملك العقار بعوض هو مال هل تجب فيه الشفعة]

- ‌[الشفعة في الدار التي جعلت صداقا]

- ‌[الشفعة في الهبة]

- ‌[الشفعة فيما إذا باع أو اشترى بشرط الخيار]

- ‌[الشفعة فيما إذا ابتاع دارا شراء فاسدا]

- ‌[اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار أو بعيب]

- ‌[باب ما تبطل به الشفعة]

- ‌[ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع]

- ‌ صالح من شفعته على عوض

- ‌[موت الشفيع وأثره في بطلان الشفعة]

- ‌ باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة

- ‌[وكيل البائع إذا باع وهو الشفيع هل له الشفعة]

- ‌[بلغ الشفيع أن الدار بيعت بألف درهم فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل]

- ‌[فصل الحيل في الشفعة]

- ‌[باع دارا إلا بمقدار ذراع منها في طول الحد الذي يلي الشفيع]

- ‌ الحيلة في إسقاط الشفعة

- ‌[مسائل متفرقة في الشفعة]

- ‌[اشترى خمسة نفر دارا من رجل ولها شفيع]

- ‌ اشترى نصف دار غير مقسوم فقاسمه البائع

- ‌ باع أحد الشريكين نصيبه من الدار المشتركة وقاسم المشتري الذي لم يبع

- ‌ باع دارا وله عبد مأذون عليه دين فله الشفعة

- ‌تسليم الأب والوصي الشفعة على الصغير

- ‌كتاب القسمة

- ‌ القسمة في الأعيان المشتركة

- ‌[تعريف القسمة وشروطها]

- ‌[كيفية القسمة في المكيلات والموزونات]

- ‌[تنصيب القاضي قاسما]

- ‌[شروط القاسم]

- ‌أجرة القسمة

- ‌فصل فيما يقسم وما لا يقسم

- ‌[قسمة العروض]

- ‌[لا يقسم ما يتلفه القسم]

- ‌[قسمة الحمام والبئر والرحى]

- ‌[كيفية قسمة الدور مشتركة في المصر الواحد]

- ‌فصل في كيفية القسمة

- ‌لا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير إلا بتراضيهم

- ‌إذا اختلف المتقاسمون وشهد القاسمان قبلت شهادتهما

- ‌باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها

- ‌[اختلفا في التقويم في القسمة]

- ‌[اختلفوا عند القسمة في الحدود]

- ‌[فصل في بيان الاستحقاق في القسمة]

- ‌لو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة

- ‌ ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة

- ‌فصل في المهايأة

- ‌ولو وقعت فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم

- ‌[هل يبطل التهايؤ بموت أحد المتقاسمين]

- ‌ تهايآ في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبد

- ‌لو تهايآ في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا جاز

- ‌ التهايؤ في الغلة

- ‌ التهايؤ على المنافع فاشتغل أحدهما في نوبته زيادة

- ‌[كان نخل أو شجر بين اثنين فتهايآ على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها]

- ‌كتاب المزارعة

- ‌[تعريف المزارعة وحكمها]

- ‌[فساد المزارعة]

- ‌[شروط صحة المزارعة]

- ‌ كانت الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد

- ‌[أوجه المزارعة]

- ‌ كانت الأرض والبذر والبقر لواحد، والعمل من الآخر

- ‌ كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر

- ‌[بيان المدة في المزارعة]

- ‌[شرط أحد العاقدين في المزارعة]

- ‌[الأثر المترتب على المزارعة]

- ‌[الأثر المترتب على صحة المزارعة]

- ‌[الأثر المترتب على فساد المزارعة]

- ‌[كان البذر من قبل رب الأرض في المزارعة]

- ‌ جمع بين الأرض والبقر حتى فسدت المزارعة

- ‌[كان البذر من قبل العامل في المزارعة]

- ‌ عقدت المزارعة فامتنع صاحب البذر من العمل

- ‌[امتنع الذي ليس من قبله البذر في المزارعة]

- ‌ امتنع رب الأرض والبذر من قبله وقد كرب المزارع الأرض

- ‌ مات رب الأرض قبل الزراعة بعدما كرب الأرض وحفر الأنهار

- ‌[الأثر المترتب على فسخ المزارعة]

- ‌[نبت الزرع ولم يستحصد في المزارعة]

- ‌ انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك

- ‌[مات المزارع فقالت ورثته نحن نعمل إلى أن يستحصد الزرع وأبى رب الأرض]

- ‌[أجرة الحصاد في المزارعة]

- ‌[شرط الجداد على العامل في المزارعة]

- ‌كتاب المساقاة

- ‌[تعريف المساقاة]

- ‌ لو شرطا الشركة في الربح دون البذر

- ‌[الشرط في المساقاة]

- ‌[شرط المدة في المساقاة]

- ‌[تسمية الجزء مشاعا في المساقاة]

- ‌[ماتجوز فيه المساقاة وما لا تجوز]

- ‌تبطل المساقاة بالموت

- ‌[فساد المساقاة]

- ‌[التزم العامل الضرر في المساقاة]

- ‌[موت العامل في المساقاة]

- ‌[انقضاء المدة في المساقاة]

- ‌[فسخ المساقاة]

- ‌[مرض العامل في المساقاة]

- ‌كتاب الذبائح

- ‌[تعريف الذكاة]

- ‌ الذكاة شرط حل الذبيحة

- ‌[شروط الذابح]

- ‌[حكم ذبيحة الكتابي]

- ‌[ذبيحة المجوسي والمرتد]

- ‌[ذبيحة الكتابي إذا تحول إلى غير دينه]

- ‌[ذبيحة الوثني وحكم ما ذبح في الحرم]

- ‌[شروط الذبح]

- ‌[حكم أكل متروك التسمية]

- ‌المسلم والكتابي في ترك التسمية سواء

- ‌[حكم التسمية في ذكاة الاختيار]

- ‌ رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره

- ‌[يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره عند التذكية]

- ‌ عطس عند الذبح فقال: الحمد لله

- ‌[قول الذابح بسم الله والله أكبر]

- ‌[مكان الذبح]

- ‌العروق التي تقطع في الذكاة

- ‌[قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج في الذكاة]

- ‌ الذبح بالظفر والسن والقرن

- ‌[آلة الذبح]

- ‌ الذبح بالليطة

- ‌[ما يستحب في الذبح]

- ‌[ما يكره في الذبح]

- ‌[يضجع الذبيحة ثم يحد الشفرة]

- ‌[بلغ بالسكين نخاع الذبيحة أو قطع الرأس]

- ‌ يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح

- ‌ ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق

- ‌[ذكاة ما استأنس من الصيد]

- ‌[النحر للإبل]

- ‌[الحكم لو نحر ناقة أو بقرة فوجد بها جنينا]

- ‌فصل فيما يحل أكله وما لا يحل

- ‌[أكل كل ذي ناب من السباع]

- ‌[حكم الفيل]

- ‌[حكم اليربوع وابن عرس]

- ‌ أكل الرخم والبغاث

- ‌غراب الزرع

- ‌[الغراب الأبقع الذي يأكل الجيف والغداف]

- ‌[حكم أكل الحشرات وهوام الأرض]

- ‌[الزنبور والسلحفاة]

- ‌ أكل الحمر الأهلية والبغال

- ‌ لحم الفرس

- ‌أكل الأرنب

- ‌[طهارة جلد ملا يؤكل لحمه بالذكاة]

- ‌[جلد الآدمي والخنزير]

- ‌[حيوان البحر من السمك ونحوه]

- ‌[أكل الطافي من السمك]

- ‌[ميتة البحر تعريفها وحكمها]

- ‌[أكل الجريث والمارماهي وأنواع السمك والجراد من غير ذكاة]

- ‌[السمك إذا مات بآفة أو حتف أنفه]

الفصل: ‌[حكم الشفعة وأسبابها]

‌كتاب الشفعة

الشفعة: مشتقة من الشفع وهو الضم سميت بها لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع.

قال: الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع،

ــ

[البناية]

[كتاب الشفعة]

[تعريف الشفعة]

م: (كتاب الشفعة)

ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الشفعة، وجه المناسبة مع كتاب الغصب من حيث إن كل واحد من الغاصب والشفيع يملك مال الغير بغير رضاه، إلا أن الغصب عدوان، والشفعة مشروعة فكان حقها التقديم، لكن معرفة أحكام الغصب أحوج لكثرة وقوعه ولا سيما في هذا الزمان، ولكثرة أسباب الغصب، بخلاف الشفعة وهو اتصال ملك العقار عندنا.

م: (الشفعة: مشتقة من الشفع، وهو الضم) ش: تقول: كان وترا فشفعته شفعا، والشفع خلاف الوتر وهو الزوج، والشفيع صاحب الشفعة، وصاحب الشفاعة أيضا، والتركيب يدل على مقارنة السببين، فلذلك قال: وهو الضم م: (سميت بها) ش: أي سميت الشفعة المصطلحة في الشرع م: (لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع) ش: أي لما في الشفعة من ضم العقار المشتراة إلى عقار الشفيع؛ لأنه يضم بسبب داره ملك جاره إلى نفسه، ومنه سميت الشفاعة؛ لأنها تضم المشفوع له إلى أهل الثواب.

وحدها في الشرع تملك المنفعة بما قام على المشتري بالشركة، أو الجوار، فكان فيها معناها اللغوي، وسببها أحد الأشياء الثلاثة؛ الشركة في العقار، والشركة في الحقوق، والجوار على سبيل الملاصقة. وعند الشافعي: لا يستحق بالجوار على ما يأتي. وقال الخصاف: الشفعة تجب بالبيع ثم تجب بالطلب، فيه إشارة إلى أن سببها كلاهما على التعاقب، وأنه غير صحيح؛ لأن الشفعة لما وجبت بالبيع كيف يتصور وجوبها ثانيا.

وقال شيخ الإسلام: الاتصال مع البيع علة لها؛ لأن حق الشفعة لا يثبت إلا بهما، ولا يجوز أن يقال بأن الشراء شرط، واتصال التسليم؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الوجوب.

[حكم الشفعة وأسبابها]

م: (قال: الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع) ش: أي قال القدوري ومعنى واجبة ثابتة عند تحقق سببها لا أن يكون المراد بها لزوم الإثم عند تركها بالإجماع والخليط الشريك في البقعة وهو فعيل من المخالطة وهي المشاركة، والخلطة وهي الشركة. وأجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ربعه إلا الاسم وأبوه عليه قائما قالا: لا تثبت الشفعة

ص: 274

ثم للخليط في حق المبيع، كالشرب والطريق، ثم للجار. أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب. أما الثبوت فلقوله عليه الصلاة والسلام:«الشفعة لشريك لم يقاسم»

ــ

[البناية]

بخلاف القياس، وأن القياس يأبى جوازها لأنها تملك على المشتري ملكه الصحيح بغير رضاه فإنه من نوع الأكل بالباطل، وكذا ذهب بعض أصحابنا، ويقال: إن القياس يأبى جوازها، ولكن تركنا القياس بالآثار المشهورة.

والأصح أنها أصل في الشرع فلا يجوز لأنها خلاف عن القياس، بل هي ثابتة على موافقة القياس.

م: (ثم للخليط في حق المبيع، كالشرب) ش: بكسر الشين م: (والطريق) ش: وهو الشريك الذي قاسم وبقيت له شركة في الطريق والشرب الخاصين، وإنما قيدنا بذلك لأنهما إذا كانا عامين لم يستحق بهما الشفعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

م: (ثم للجار) ش: يعني الملاصق، أي ثم يثبت للجار خلافا للشافعي على ما يأتي م:(أفاد هذا اللفظ) ش: أي قال المصنف أفاد لفظ القدوري هذا وهو قوله للخليط في نفس المبيع ثم للخليط في حق المبيع ثم للجار م: (ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء) ش: أي من الخليطين والجار م: (وأفاد الترتيب) ش: حيث رتب الخليط في حق المبيع على الخليط في نفس المبيع، ثم رتب الجار عليهما.

وفي " الذخيرة ": صورته منزلا بين اثنين وسكة غير نافذة، باع أحد الشريكين نصيبه فالشريك الملاصق في المنزل أحق بالشفعة، فإن سلم فأهل السكة أحق، فإن سلموا فالجار وهو الذي على ظهر المنزل وباب داره في سكة أخرى، ومسألة الجار على وجهين إما أن تكون الدار المشتركة في سكة نافذة، وفي هذا الوجه جميع أهل السكة شفعاء الملاصق والمقابل في ذلك على السواء. وقد قيل الشفعة على أربع مراتب ويظهر ذلك في مسألتين: إحداهما: بيت في دار غير نافذة والبيت لاثنين والدار لقوم، فباع أحدهما نصيبه من البيت فالشفعة أولى للشريك في البيت، فإن سلم فلشريك الدار، فإن سلم فلأهل السكة، فإن سلموا فللجار الملاصق وهو الذي على ظهر المنزل وبابه في سكة أخرى.

والثاني: دار بين اثنين في سكة غير نافذة فالشفعة أولى في الدار، فإن سلم فللشريك في الحائط المشترك بين الدارين، فإن سلم فلأهل السكة، فإن سلموا فللجار الملاصق.

م: (أما الثبوت فلقوله عليه الصلاة والسلام: «الشفعة لشريك لم يقاسم» ش: هذا غريب،

ص: 275

ولقوله عليه الصلاة والسلام: «جار الدار أحق بالدار والأرض ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»

ــ

[البناية]

ولكن أخرج مسلم عن عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: «قضى رسول صلى الله عليه وسلم في الشفعة في كل شيء لم يقسم ربعه أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك. فإذا باع ولم يؤذنه به فهو أحق به» .

وأخرجه الدارقطني في "سننه" وقال لم يقل في هذا لم يقسم إلا ابن إدريس وهو من الثقات الحفاظ، وأخرج مسلم أيضا عن ابن وهب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه» .

م: (ولقوله عليه الصلاة والسلام: «جار الدار أحق بالدار والأرض، ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» .

ش: هذا مركب من حديثين، فصدر الحديث أخرجه أبو داود في البيوع، والترمذي في الأحكام، والنسائي في الشروط. وأبو داود، والنسائي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن عن سمرة. والترمذي في الأحكام عن إسماعيل بن علية، عن سعيد، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«جار الدار أحق بدار الجار والأرض» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ورواه أحمد في "مسنده" والطبراني في "معجمه" وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وفي بعض ألفاظهم «جار الدار أحق بشفعة الدار» وأخرجه النسائي أيضا، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. وأخرجه أيضا، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس مرفوعا «جار الدار أحق بالدار» .

فهذا الإسناد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ثم قال، وهذا الحديث إنما ورد في الجار الذي يكون شريكا دون الجار الذي ليس بشريك، يدل عليه ما أخبرنا وأسند «عن عمرو بن الشريد قال: كنت مع سعد بن أبي وقاص، والمسور بن مخرمة فجاء أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لسعد بن مالك: اشتر مني بيتي الذي في دارك، فقال: لا إلا بأربعة آلاف منجمة، فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الجار أحق بشفعة ما بعتكها وقد أعطيتكها بخمسمائة دينار» ، انتهى.

ص: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

قلت: هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن ماجه، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد، عن أبيه:«أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال الجار: أحق بشفعة ما كان» . وأخرجه الطحاوي ولفظه «ليس لأحد فيها قسم ولا شريك إلا الجوار» .

وأخرجه ابن جرير الطبري في " التهذيب " ولفظه: «ليس لأحد فيها قسم ولا شريك إلا الجوار» فهذا صريح بوجوبها للجوار لا شركة فيه تدل على سقوط تأويلهم الجار بالشريك، وعلى أن الجار الملازق تحجب له الشفعة وإن لم يكن شريكا، وبقية الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء ابن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظرها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» .

وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا يعلم أحد روى هذا الحديث غير عبد الملك ابن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث.

وقال في "مختصره" قال الشافعي: يخاف أنه لا يكون محفوظا. وسئل الإمام أحمد، عن هذا الحديث فقال هو حديث منكر، وقال يحيى: لم يحدث إلا عبد الملك وقد أنكره الناس عليه. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير الملك تفرد به. وروي عن جابر خلاف هذا.

قلت: ذكر صاحب الكمال عن الثوري، وابن حنبل قالا: عبد الملك من الحفاظ، وكان الثوري يسميه الميزان. وعن أحمد بن عبد الله ثقة ثبت، وأخرج له مسلم في "صحيحه".

ص: 277

ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الجار أحق بسقبه. قيل: يا رسول الله! ما سقبه؟ قال: شفعته» .

ــ

[البناية]

وقال الترمذي: ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث. وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال روى عنه الثوري وشعبة وأهل العراق وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، وليس من الإنصاف ترك شيخ ثبت بأوهام لهم في روايته، ولو سلكنا ذلك للزمنا ترك حديث الزهري وابن جريج والثوري وشعبة؛ لأنهم لم يكونوا معصومين.

وقال صاحب " التنقيح ": واعلم أن حديث عبد الملك بن أبي سليمان حديث صحيح ولا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة وهي «الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» فإن في حديث عبد الملك إذا كان طريقهما واحدا، وحديث جابر المشهور لم يثبت فيه استحقاق الشفعة إلا بشرط تصرف الطرف، فنقول إذا اشترك الجاران في المنافع كالبئر أو السطح أو الطريق فالجار أحق بسقب جاره لحديث عبد الملك.

وإذا لم يشتركا في شيء من المنافع فلا شفعة لحديث جابر المشهور، وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح فيه، فإنه ثقة. وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، إنما كان حافظا وغير شعبة إنما طعن فيه تبعا لشعبة. وقد احتج بعبد الملك مسلم في "صحيحه"، واستشهد به البخاري.

م: (ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الجار أحق بسقبه، قيل: يا رسول الله! ما سقبه؟ قال: شفعته» ش: أخرج البخاري في "صحيحه"، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«الجار أحق بسقبه» انتهى.

السقب: بفتح السين المهملة وفتح القاف وفي آخره باء موحدة القرب، يقال سقبه داره بالكسر والمنزل سقب، والساقب القريب، ويقال للبعيد أيضا جعلوه من الأضداد.

وقال إبراهيم الحربي: في كتابه " غريب الحديث ": الصقب بالصاد ما قرب من الدار ويجوز أن يقال: سقب فتكون السين عوض الصاد لأنه في أول الكلمة، وكذا لو كان في أول الكلمة خاء أو غين أو طاء فنقول صخر وسخر، وصدغ وسدغ، وصطر وسطر، فإن تقدمت هذه الحروف الأربعة السين لم تجز ذلك، فلا يقال خصر وخسر، ولا قصب وقسب، ولا غرس وغرص.

وفي " المغرب ": السقب القرب والاتصال، وأريد بالسقب هنا الساقب على معنى ذو السقب تسميته بالمصدر. وفي " الجمهرة ": يقال سقبته الدار وأسقبت لغتان فصيحتان، والمنزل

ص: 278

ويروى «الجار أحق بشفعته» . وقال الشافعي رحمه الله: لا شفعة بالجوار لقوله عليه الصلاة والسلام:

ــ

[البناية]

سقب وأسقب وأبيات القوم متساقبة أي متقاربة.

م: (ويروى «الجار أحق بشفعته» ش: قد ذكرنا عن قريب، عن جابر رضي الله عنه، عند الترمذي «الجار أحق بشفعته ينتظر بها، وإن كان غائبا» . وروى إسحاق بن راهويه مسندا أخبرنا المحاربي وغيره، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الجار أحق بشفعته» .

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب أقضيته صلى الله عليه وسلم ثنا جرير، عن منصور، عن الحاكم، عن علي، وعبد الله قال:«قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجوار» . وروى ابن جرير الطبري في " التهذيب " حديث موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى، عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم «قضى أن الجار أحق بسقب جاره» .

وأخرجه ابن جرير أيضا، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد أحدكم أن يبيع عقاره فليعرضه على جاره» ، وأخرج ابن حبان في "صحيحه" حديث «الجار أحق بصقبه» من حديث أبي رافع وأنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فظهر بمجموع هذه الأحاديث أن للشفعة ثلاثة أسباب الشركة في نفس المبيع، ثم في الطريق، ثم في الجوار.

وحكى الطبري أن القول بشفعة الجوار هو قول الشعبي وشريح وابن سيرين والحكم وحماد، والحسن وطاوس والثوري وأبي حنفية وأصحابه.

قلت: وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة أيضا. وفي " شرح الوجيز " عن ابن شريح كمذهب أبي حنيفة. قال القاضي الروياني: بعض أصحابنا يفتي به وهو الاختيار. وفي " الاستذكار " روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد ابن أبي وقاص أن عمر رضي الله عنه كتب إلى شريح أن اقض بالشفعة للجار، فكان يقضي بها. وسفيان عن إبراهيم أن ميسرة قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا حدت الحدود فلا شفعة. قال إبراهيم فذكرت لطاوس فقال: لا الجار أحق.

م: (وقال الشافعي رحمه الله: لا شفعة بالجوار) ش: وكذا بالشركة في الحقوق كالطريق والشرب؛ لأن ذلك كالجوار وكذا فيما لا يتحمل القسمة كالنهر والبئر، وبه قال مالك، وأحمد، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن ثور، وابن المنذر.

وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم م: (لقوله عليه الصلاة والسلام:

ص: 279

«الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ولأن حق الشفعة معدول به عن سنن القياس؛ لما فيه من تملك المال على الغير من غير رضاه، وقد ورد الشرع به فيما لم يقسم، وهذا ليس في معناه لأن مؤنة القسمة تلزمه في الأصل دون الفرع.

ــ

[البناية]

«الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ش: أخرج البخاري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» وفي لفظ البخاري: «إنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» وهذا يقتضي أن جنس الشفعة فيما لم يقسم، إذ الألف واللام للجنس لعدم المعهود، والدليل عليه أنه قال في رواية:«إنما الشفعة فيما لم يقسم» وإنما كلمة الحصر، ويدل عليه أيضا فإذا صرفت الطرق، أي جعل لكل قسم طريقة على حدة فلا شفعة.

م: (ولأن حق الشفعة معدول به عن سنن القياس) ش: هذا دليل معقول للشافعي، والسنن بفتح السين الطريق، وتقريره أن حق الشفعة خارج عن مقتضى القياس م:(لما فيه) ش: أي في حق الشفعة م: (من تملك المال على الغير من غير رضاه) ش: وذا لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» .

فكان الواجب أن لا يثبت حق الشفعة أصلا، لكن ثبت فيما لم يقسم على خلاف القياس، وهو معنى قوله م:(وقد ورد الشرع به) ش: أي بحق الشفعة م: (فيما لم يقسم) ش: لدفع ضرر مؤنة القسمة، فلا يلحق به غيره قياسا أصلا ولا دلالة إذا لم يكن في معناه من كل وجه.

م: (وهذا) ش: أي الجار م: (ليس في معناه) ش: أي ليس في معنى ما ورد به الشرع م: (لأن مؤنة القسمة تلزمه في الأصل) ش: فيما لم يقسم، وهو موضع الإجماع م:(دون الفرع) ش: وهو المقسوم، وهو موضع الخلاف. أراد أن الشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة لأنه يحتاج إلى أن يدفع من نفسه مطالبة القسمة ولا يمكنه إلا بالتملك عليه، وهذا المعنى لا يتحقق في الجار.

ص: 280

ولنا ما رويناه

ــ

[البناية]

م: (ولنا: ما رويناه) ش: من الأحاديث المذكورة عن قريب. فإن قيل يطلق لفظ الجار على الشريك كما في قول الأعشى:

أيا جارتي فإنك طالق

كذلك أمور الناس عاد وطارق

والمراد زوجته وهي شريكته في الفراش، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال:«إنما الشفعة فيما لم يقسم» نص على النفي عن غيره؛ لأن كلمة إنما للحصر، ولأن تعليلكم الاستحقاق بالجوار بسبب دفع ضرر الجوار منقوض بالجار المقابل وبالجار الملاصق بطريق الإجارة.

قلنا: حمل اسم الجار على الشريك ترك الحقيقة فلا دليل، وذا لا يجوز. ولأن آخر الحديث يأبى حمله على الشريك فإنه قال في آخره إن كان طريقهما واحدا. وفي حمله على الشريك يلغو هذا لأن بالشركة يستحق الشفعة سواء كان الطريق واحدا أو لا.

وقال الإمام الحلواني: تركوا العمل بمثل هذا الحديث مع شهرته وصحته والعجب منهم أنهم سموا أنفسهم أصحاب الحديث فألزموا أنفسهم بترك العمل بالحديث بأصحاب الحديث.

وقد روى ابن سعد رضي الله عنه عرض بيتا له على جاره فدل أن جميع البيت له، وسعد تأوله بالشريك ويبطل أيضا تأويله بالشريك ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، «عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضي ليس لأحد فيها قسم ولا شريك إلا الجوار، قال: " الجار أحق بسقبه ما كان» ، وسمى الزوجة جارا لأنها تجاوره في الفراش؛ لأنها لا تشاركه. وما روي يدل على ثبوت الشفعة في الشركة وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.

وأما رواية إنما الشفعة فليست بثبت، ولئن سلمنا ثبتها يقتضي نفي الشفعة الثابتة بسبب الشركة عملا بما روينا، أو يقتضي تأكيد المذكور بطريق الكمال كما قال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7] وكما يقال إنما العالم في البلد زيد، أي الكامل فيه والمشهور به زيد، والشريك في البقعة كامل في سبب استحقاق الشفعة دون نفي غيره، بدليل سياق الحديث، فإنه قال في آخره:«فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» .

وعند الشافعي لا شفعة هناك أيضا، فكان آخر الحديث حجة لنا أيضا مع أنه قيل إن هذا من كلام الراوي لا من الحديث، فلو صح أنه من الحديث فمعنى قوله لا شفعة بوقوع الحدود وصرف الطرق، فكان الموضع موضع إشكال؛ لأن في القسمة بمعنى المبادلة.

ص: 281

ولأن ملكه متصل بملك الدخيل اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال اعتبارا بمورد الشرع، وهذا لأن الاتصال على هذه الصفة إنما انتصب سببا فيه لدفع ضرر الجوار، إذ هو مادة المضار على ما عرف، وقطع هذه المادة بتملك الأصيل أولى؛ لأن الضرر في حقه بإزعاجه عن خطة آبائه أقوى،

ــ

[البناية]

ومما يشكل هل يستحق بها الشفعة، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يستحق الشفعة بالقسمة، ولا يلزم الجار المقابل. ولأن الضرر هناك ليس بسبب اتصال الملك فلا يستحق رفعه بحق الملك، فإن الشفعة حق الملك فيتحقق به رفع ضرر يلحق بسبب اتصال الملك، ولهذا لم يثبت لجار السكنى كالمستأجر والمستعير؛ لأن جواره ليس بمستدام.

م: (ولأن ملكه) ش: أي ملك الشفيع م: (متصل بملك الدخيل) ش: أي متصل بما ملك المشتري بالشراء، وسماه دخيلا لأنه ليس بأصيل في الجوار، والأصل هو الجوار م:(اتصال تأبيد وقرار) ش: وفي بعض النسخ اتصال التأبيد والقرار وفي بعض النسخ اتصال تأبيد وقرار.

واحترز بالتأبيد عن المنقول والسكنى بالعارية والقرار عن المشتري شراء فاسدا؛ لأنه إقرار له لوجوب النقض رفعا للفساد م: (فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال) ش: أي إذا كان كذلك يثبت للشفيع حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال احترز به عن الإجارة والمرهونة والمجعولة مهرا م: (اعتبارا بمورد الشرع) ش: أي إلحاقا بالدلالة بمورد الشرع وهو ما لا يقسم.

م: (وهذا لأن الاتصال على هذه الصفة) ش: هذا، كأنه جواب عن قوله: وهذا ليس في معناه، أي لا معنى لقوله، إذ الاتصال على هذه الصفة يعني اتصال التأبيد والقرار م:(إنما انتصب سببا فيه) ش: أي فيما ورد الشرع م: (لدفع ضرر الجوار إذ هو) ش: أي الجوار م: (مادة المضار) ش: من إيقاد النار، وإثارة الغبار، ومنع ضوء النهار، وأعلى الجدار للاطلاع على الصغار والكبار م:(على ما عرف) ش: سوء هذا بين الجيران.

م: (وقطع هذه المادة) ش: جواب إشكال وهو أن يقال الشفيع يتضرر بالدخيل والدخيل أيضا يتضرر بتملك الشفيع ما له عليه، فأجاب بأن قطع هذه المادة م:(بتملك الأصيل) ش: يعني الشفيع م: (أولى لأن الضرر في حقه بإزعاجه عن خطة آبائه أقوى) ش: لأن ملك المشتري لم يتقرر بعد، والمشتري رافع لتقرير ملكه؛ لأنه مضطر إلى البيع لو لم يوافقه المشتري والدفع أسهل من الرفع.

ص: 282

وضرر القسمة مشروع لا يصلح علة لتحقيق ضرر غيره. وأما الترتيب فلقوله عليه الصلاة والسلام: «الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الشفيع»

ــ

[البناية]

م: (وضرر القسمة مشروع) ش: هذا جواب عن قول الشافعي لأن مؤنة القسمة تلزمه عند بيع أحد الشريكين؛ لأنه جعل العلة المؤثرة في استحقاق الشفعة عند البيع لزوم مؤنة القسمة، فإنه لو لم يأخذ الشفيع المبيع بالشفعة طالبه المشتري بالقسمة فيلحقه بسبب مؤنته، وذلك ضرر به فمكنه الشرع من أخذ الشفعة دفعا للضرر عنه.

وتقرير الجواب أن مؤنة القسمة أمر مشروع م: (لا يصلح علة لتحقيق ضرر غيره) ش: وهو التملك على المشتري من غير رضاه لدفع ضرر القسمة؛ لأنه ليس بضرر بل العلة هي دفع ضرر الجوار باتصال الملكين على الدوام.

فإن قلت: ضرر الدخيل موهوم، وربما يكون وربما لا يكون لأنه مسلم مميز عاقل وعقله ودينه يمنعانه عن إضرار الغير وضرر المشتري وهو أخذ الملك منه بلا رضاه متحقق، فلا يلتزم ضرر المتحقق لدفع ضرر موهوم. ولو كان ضرر الدخيل موجودا لا موهوما يمكن رفعه بالمرافعة إلى السلطان أو بالمقابلة قلت: لا نسلم أن ضرر الدخيل موهوم بل هو غالب، فإن الإنسان لا يمكنه الانتفاع بملكه مدة عمره ولا يتأذى من جاره، فما أجزأ من قال قبل حلوله لأنه إذا نزل ربما يمكن دفعه، وربما لا يمكن فلا فائدة إذن في الاشتغال بالدفع والضرر الذي يلحق من جهة الدخيل بعضه ظاهر وبعضه باطن. فلا يمكن رفع جميع ذلك إلى السلطان وفيه حرج. وربما يحصل ضرر في باب السلطان أي في المقابلة فوق ضرر سوء الصحبة، فلا يحمل إلا على الدفع الأدنى.

فإن قلت: العلة في استحقاق الشفعة للشريك دفع ضرر المقاسمة، فلا يتحقق هذا المعنى في الجار فلا يثبت له الشفعة. قلت: المقاسمة حق مستحق على الشريك فلا يكون من الضرر.

فإن قلت: في المملوك بالإرث والهبة والوصية لا يثبت الشفعة فينتقض عليكم.

قلت: عدم الثبوت في هذه الأشياء لقلة وجودها بخلاف البيع، وأيضا فإنها لو ثبت فيها إما أن يثبت بعوض فلا يمكن وهو ظاهر، أو بغير عوض فليس بمشروع في الشفعة.

م: (وأما الترتيب فلقوله عليه الصلاة والسلام: «الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الشفيع» ش: هذا عطف على قوله أما الثبوت، قد مر أن لفظ القدوري دل على شيئين ثبوت الشفعة والترتيب. أما ثبوتها فبالأحاديث المذكورة، وأما الترتيب فلقوله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يثبت

ص: 283

فالشريك في نفس المبيع، والخليط في حقوق المبيع والشفيع هو الجار،

ــ

[البناية]

الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف.

وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": هذا حديث لا يعرف. وأما المعروف ما رواه سعيد بن منصور، ثنا عبد الله بن المبارك عن هشام بن المغيرة النسفي قال: قال الشعبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب» . وقال في " التنقيح ": هشام وثقه ابن معين وقال: أبو حاتم لا بأس بحديثه، انتهى.

قلت: هذا الحديث رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، عن ابن المبارك به، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" في أثناء البيوع ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن شريح قال: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار أحق ممن سواه. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن شريح قال: الخليط أحق من الجار، والجار أحق من غيره.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"، عن إبراهيم النخعي قال: الشريك أحق بالشفعة، فإن لم يكن شريك فالجار، والخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق عمن سواه. وروى أبو يوسف، عن أشعب بن سوار، عن محمد بن سيرين، عن شريح أنه قال: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار أحق من غيره.

م: (فالشريك في نفس المبيع، والخليط في حقوق المبيع، والشفيع هو الجار) ش: وهذا كما قد ترى فسر الشريك بمن كان شريكا في نفس المبيع، والخليط بمن كان في حقوق المبيع وهما في اللغة سواء.

وقال الطحاوي في " شرح الآثار ": فإن قال فقد جعلت هؤلاء الثلاثة شفعاء بالأسباب التي ذكرت فلم جعلت الشريك أولى من الشريك في الطريق ثم الجار. قيل له: لأن الشريك له شركة في الطريق وفي الدار بعينه وليس لصاحب الطريق حق في الدار، فلهذا صار هو أولى. وكذلك لصاحب الطريق حق في الطريق وليس في الطريق للجار ذلك، فلهذا صار هو أولى ثم الجار.

وقال القدوري في "شرحه لمختصر الكرخي ": وقد قالوا في الشريك إذا سلم الشفعة وجبت للشريك في الطريق، فإن سلمها وجبت للجار. وروي عن أبي يوسف أن الشفعاء إذا اجتمعوا فسلم الشريك الشفعة فلا شفعة لغيره؛ لأن عقد البيع وقع غير موجب للشفعة للجار، ألا ترى أنه لا يملك المطالبة بها فلا يثبت حقه إلا بتجديد بيع آخر أصله إذا استحدث الجوار.

ص: 284

ولأن الاتصال بالشركة في المبيع أقوى لأنه في كل جزء وبعده الاتصال في الحقوق؛ لأنه شركة في مرافق الملك، والترجيح يتحقق بقوة السبب، ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة صلح مرجحا.

ــ

[البناية]

وقال الكرخي في "مختصره": الشفعة تستحق عند أصحابنا جميعا بثلاثة معاني بالشركة، وفيما وقع عليه عقد البيع أو بالشركة في حقوق ذلك، أو بالجوار الأقرب، وتفسير ذلك دار بين قوم فيها منازل لهم فيها شركة بين بعضهم وفيها، ما هي مفردة لبعضهم وساحة الدار مرفوعة بينهم ينصرفون من منازلهم فيها، وباب الدار التي فيها المنازل في زقاق غير نافذ فباع بعض الشركاء في المنزل نصيبه من شريكه أو من رجل أجنبي بحقوقه من الطرق في الساحة وغيرها فالشريك في المنزل أحق بالشفعة من الشريك في الساحة، ومن الشريك في الزقاق الذي فيه باب الدار.

فإن سلم الشريك في منزله الشفعة فالشريك في الساحة أحق بالشفعة، وإن سلم الشريك في الساحة فالشريك في الزقاق الذي لا منفعة له الذي يشرع فيه باب الدار أحق بعد بالشفعة من الجار الملاصق جميع أهل الزقاق الذي طريقهم فيه شركاء في الشفعة من كان في أدناه وأقصاه في ذلك سواء.

فإن سلم الشريك في الزقاق فالجار الملاصق ممن لا طريق له في الزقاق بعد هؤلاء أحق، وليس بغير الملاصق من الجيران شفعة مما لا طريق له في الزقاق، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد. قال بشر بن الوليد وعلي بن الجعد سمعنا أن أبا يوسف قال: قال بعض أصحابنا: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم نصيبه، وقال عامتهم للجار الشفعة، انتهى.

م: (ولأن الاتصال بالشركة في المبيع أقوى) ش: هذا دليل عقلي على الترتيب م: (لأنه) ش: أي لأن الاتصال م: (في كل جزء) ش: من أجزاء المبيع م: (وبعده) ش: أي بعد الاتصال بالشركة م: (الاتصال في الحقوق؛ لأنه شركة في مرافق الملك) ش: المرافق مواضع الرفق من صب الماء ورمي الكناسة وكسر الحطب وإيقاد النار والاستراحة في الخلاء ونحو ذلك وهو جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء. وفي " العباب ": ومرافق الدار مصاب الماء ونحوها.

م: (والترجيح يتحقق بقوة السبب) ش: لوجود الاتصال بكل جزء من المبيع بجزء من ملكه، وقوة السبب يوجب الترجيح كالضرب، فلما كان أبلغ كان الألم أكثر م:(ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة) ش: لاستحقاق الشفعة؛ لأن القسمة أمر مشروع م: (صلح مرجحا) ش: لا لكونه علة، ولا يلزم أن لا يصح للترجيح؛ لأن الترجيح، إنما يكون أبدا بزيادة وصف لا

ص: 285