الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحْلَيْسِي:
بإسكان الحاء في أوله وفتح اللام ثم ياء ساكنة فسين مكسورة فياء نسبة، على صيغة النسبة إلى حليس الذي هو مصغر حلس.
أسرة من أهل بريدة.
عندما عقلنا الأمور في العشر السادسة من القرن الرابع عشر وما بعدها كان صالح بن عبد العزيز الحليسي وأخوه علي
…
الحليسي من كبار تجار عقيل الذين يتاجرون بالمواشي من نجد إلى الشام ومصر، وكان لهم صيت في ذلك ولكنني لم أعرف منهم معرفة شخصية إلَّا على الحليسي، وهو علي بن عبد العزيز بن عبد الله الحليسي.
ثم ذهبت التجارة تلك، واستمر (علي الحليسي) يتاجر بالإبل في داخل المملكة يرسلها مع الرعاة وغيرهم، وإلاّ فإنه هو نفسه لا يستطيع متابعتها لأن أصابع رجليه قد ذهبت بسبب ثلج عظيم وقع عليه وعلى من كانوا معه وهم في شمال سوريا، وجنوب تركيا ذاهبين في تجارة الإبل فتجمدت أصابع رجليه وماتت من شدة مشيه على الثلج وتكرار ذلك.
ولذلك صار يمشي مشية خاصة ولا يستطيع لبس النعال أصلًا لأنه ليس في رجليه أصابع حية، تستطيع الإمساك بالنعال، وإنما كان يلبس على الدوام خفًا وهو الذي يشبه (الكندرة) ويسير الهوينا على باقي قدمه.
ولم يكن في بريدة من يمشي مثل هذه المشية في ذلك التاريخ إلَّا ثلاثة رجال أحدهم (علي الحليسي) بسبب الثلج والثاني جار الله النغيمشي، وذلك أنه وقع وهو طفل في تنور فيه جمر فأكل الجمر أصابع رجليه، ونبت جلد جديد لباطن قدمه فصار لا يستطيع لبس النعال وإنما يلبس خفًا حتى في الصيف.
والثالث هو ابن مدلج وهو من (آل أبو عليان) حكام بريدة السابقين بلغ
حسن المهنا أمير بريدة أن جماعة من آل أبو عليان يتآمرون لقتله مثل ما قتل أبناء عمهم والده مهنا الصالح في عام 1292 هـ وفيهم أناس من المدلج، فقبض على بعضهم وقتلهم وأراد أن يقتل ابن مدلج هذا لئلا يثور عليه بعد أن يكبر فشفع فيه أناس من طلبة العلم عند حسن المهنا وقالوا: اتركه ذكرة لخواته، أي ذكرًا يرعى أخواته البنات فتركه، ولكنه قطع أصابع رجليه حتى لا يستطيع أن يقوم بمثل ذلك العمل ضده، فصار مثل الاثنين اللذين سبقاه لا يستطيع لبس النعال، وإنما يلبس خفا ولا يستطيع الإسراع في المشي!
هذا وقد ذكر الدكتور نواف بن صالح الحليسي في كتابه: (عصر العقيلات) كيفية إتلاف الثلج لأصابع علي الحليسي فقال:
وهو يتحدث عن عمه علي الحليسي وكيف أصاب قدميه الثلج حتى ماتت أصابعهما:
مسيرتنا هذه المرة نحو تركيا، أما بطلها فهو الشيخ علي العبد العزيز الحليسي حيث الزمان أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، ولكنه ما الذي نعرفه عن بطل هذه القصة إن شئت المعرفة التعرف عليه فسل أهل بريدة، إن الكثير من أهلها يعرفون هذا الرجل بقوته الإيمانية وصلابته العقائدية، وحبه للجميع وحدبه على الضعفاء وحبه للأطفال والفقراء.
عرفه الجميع بهذه الصفات إضافة إلى صفة جسدية تميز بها بين أهله وعشيرته فقد كان رحمه الله بلا أصابع في قدميه، وكلما سئل عن ذلك أجاب هذه إرادة الله وهذا قدره وما علينا إلا الحمد والشكر لله.
وتبدأ قصته مع شركة الحليسي فقد كانت الشركة تجلب الجمال في بعض الأحيان من تركيا وكان أحد الأخوين الشيخ صالح أو الشيخ علي يسافر وحده مع القافلة أو يسافران معًا بصحبة القافلة وفي هذه المرة سلك عمنا الشيخ على الحليسي صحراء سوريا متجهًا إلى الشمال قاصدًا مراكز تسويق الجمال في تركيا وقد صحب معه ثلاثة من الرعاة، وقد أكرمه الله في رحلته فقد اشترى
الجمال المطلوبة في أواخر موسم الصيف ومع بداية الخريف، ومع رياح الخريف تأتي الرياح بما لا تشتهي.
مرض الشيخ علي واضطر إلى المكوث فترة من الزمن في تركيا حتى تماثل للشفاء بفضل الله وكان من عادته أن يتزين بزيه الوطني زي أهل نجد أي أنه لم يكن يلبس في قدميه غير النعال .. وأثناء عودة القافلة متجهة إلى دمشق هبت عاصفة ثلجية أغلب الظن أنها كانت قادمة من صحراء سيبريا.
استمرت العاصفة ثلاثة أيام متتالية وبلا انقطاع، وترتب على ذلك أن الجمال تفرقت في البراري، ساعتئذ جلس الشيخ على الحليسي ومعه الرعاة يفكرون كيف يجمعون الإبل الجامحة وسط الصحراء القاتلة التي فرشت بالثلج، لا، بل لقد غطاها الثلج فصارت كعجوز تسربل بثوب أبيض ناصع البياض لا يستطيع الإنسان أن يتبين الطريق الممهد من غير الممهد، بل ربما دفع السائر في هذه الصحراء في حفرة عميقة أو واد سحيق غطاء الثلج فصار مسطحًا كاملًا.
لقد كان ارتفاع الثلج فوق الأرض من متر إلى مترين فأني لهؤلاء أن يبحثوا عن جمالهم التي فرت باحثة عن المأوى حيث لا مأوى، فكر الشيخ علي في نفسه وفي رفاقه فالمال يجيء ويذهب، أما الحياة فإن ذهبت فلا عودة ولا بقاء اللهم إلا يوم أن يبعث الله الخلائق للحساب والجزاء.
فماذا صنع هؤلاء في مواجهة هذه الأحداث القاسية والطبيعة الغاضبة؟ لم يغضب لغضبها وإنما فكر ودبر وأخيرًا هداه تفكيره إلى ذبح أربعة جمال وتخليتها من أحشائها والدخول في هيكلها لتصبح كصومعة لعابد ينتظر أمر الله، حجبت هذه البطون البرد وبعثت الدفء في الأوصال، أكل هؤلاء الرجال اللحوم من بطون الجمال التي أخذوها سكنًا لمدة ثلاثة أيام، أكلوا اللحم النيئ وشربوا من الثلوج، وشاء الله وجلت قدرته أن يصل رجال الحدود التركية
فأخذوهم وأسعفوهم غير أن الأطراف كانت أكثر الأعضاء تأثرًا بالبرودة، لقد تجمدت فيها الدماء، ولكنه حب الحياة وحب البقاء.
رحل الشيخ علي الحليسي إلى مدينة دمشق طلبًا للعلاج، وهناك وبين أهله وإخوته عبد الله وصالح الحليسي حيث قام هؤلاء بواجبهم في رعاية أخيهم طبيًا، جمعوا له الحذاق من أطباء دمشق، فشفيت أطرافه فيما عدا قدميه، اشتد به الألم، ورغم الألم كان يفكر في العمل، متى يخرج لمزاولة نشاطه، لقد مضت ثلاثة أشهر وهو رهن العلاج حبيس الألم لما ألم بكل قدم، كيف يسعى؟ بل كيف يكون شريكًا وهو لا يزاول العمل؟
عزت عليه نفسه فأراد التخلص من ألمه النفسي والبدني فانتهز فرصة خروج أخويه للعمل واستل سكينا وقطع بها أصابع قدميه!
قطع الأصابع العشرة بتر موطن الداء واعتبره الدواء من الألم والرقاد بلا عمل، ولما عاد إخوته من السوق عاتبوه على فعلته وتسرعه، لكنه قال: لا يشعر بالنار غير كابشها وقد ارتحت والحمد لله والآن أستطيع أن أزاول عملي ونشاطي غير أن إخواته بعد ذلك داوموا على إلباسه أحذية من نوع خاص (1). انتهى.
ويتميز الحلاسَى، أسرة الحليسي عن كثير من عقيل بأنهم أسسوا ما يشبه الشركة للمتاجرة بالإبل في مصر والشام فحصلوا على ثروة طائلة من أموال وعقارات هناك واستوطنوا فيها وصار لهم أولاد وكذلك عندما خفت صيت (الحليسي) بعد أن انتهت تجارة المواشي وتجارها عقيل، انبعث مجددًا عن طريق أحد أبنائها الذين تعلموا في الخارج وهو عبد الرحمن بن صالح الحليسي الذي كانت ولادته من أم غير سعودية، ونشأ في خارج المملكة وتعلم هناك فعينته الحكومة السعودية في وظيفة المدير العام
(1) ص 49.