الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقالوا: نعم.
فقال: عندي حمل تنقلونه من قريح إلى أبو زنة وهذان من أسماء إبليس عند العامة، وكان نظيف الثياب فظنوه جادا وصاروا يسألون عن قريح وأبو زنة أين يكونان.
الحامد:
أسرة أخرى من أهل القصيعة وسكن منهم أناس في الربيعية.
يرجع نسبهم إلى بني تميم لأنهم من أهل (قفار) الذين يرجعون إلى بني تميم الذين قدموا إلى بريدة وعرفنا منهم أسرة (القفاري) والسلمي أهل البكيرية والبدائع.
أكبر (الحامد) هؤلاء سنا في الوقت الحاضر - 1408 - مد الله بن زيد بن علي بن عبد الله الحامد عمره نحو ثمانين عامًا.
هكذا قيدته في عام 1408 هـ ثم مات مدالله في عام 1424 هـ، وقد جاوز التسعين رحمه الله.
كان قدوم (آل حامد) هؤلاء إلى منطقة القصيم من بلدة (قفار) قرب حائل في أول القرن الثالث عشر الهجري.
وكان أول نزولهم في (أمهات الذيابة) أي ذوات الذئاب وهي آبار تعتمد على زراعة الحبوب التي تزرع في الشتاء كالقمح والشعير أو الحبوب التي تزرع في الصيف كالذرة، والدخن، ولا تعتمد على حيطان النخل التي تنتج التمر الكثير وتقع بين أعلى الخبوب والبكيرية، وبعد فترة ليست طويلة انتقلوا إلى القصيعة في الخبوب وعرفوا بأنهم (الحامد أهل القصيعة) تمييزًا لهم عن (الحامد أهل الصباخ) المذكورين قبلهم.
كما سكن أناس منهم في الربيعية.
منهم علي بن محمد بن علي بن عبد الله الحامد كان من المعلمين المشهورين في البناء بالطين تعدت شهرته بلدة بريدة، فأرسل له أناس من الرياض وحائل للبناء هناك.
ويلقب (الستاد ابن حامد) بمعنى المعلم ابن حامد وهذه صفة تطلق على من يجيد البناء بالطين، ويشترط فيه عادة أن يفعل ذلك دون الاستعانة بالمقاييس التي يستعملها البناءون المحدثون من مقياس الارتفاع والخيوط التي تستعمل لمعرفة استقامة الحيطان، وإنما كان (استاد) يستعمل فراسته وعينه فقط.
ومن أعمال علي الحامد المعروفة أنه الذي بنى المسجد الجامع الكبير في بريدة في عام 1359 هـ عندما تصدع بناؤه الأول وهدم، وذلك بإشراف الشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة وما حولها، ونفقة من الملك عبد العزيز آل سعود رحمهم الله.
و(علي الحامد) هذا كان أصدق صديق لوالدي رحمهما الله.
فكانا يجلسان يتحدثان لمدة طويلة ومرة اشتريا أرضا جعلاها حوشًا وحفرا فيها بئرًا ثم باعاه بربح قليل، وهو شركة بينهما.
وقد عُمِّر الستاد (علي الحامد) حتى جاوز الثمانين، وعندما كان في هذه السن أصابه في يده جرح لم يندمل ولم يكونوا في ذلك الوقت يداوون الجروح بالأدوية الحديثة لذلك تركه ينتظر شفاءه، ولكن فرحته توسعت ولم يقل لي شيئًا لأنها كانت في ذراعه غير أن زوجته الأخيرة التي هي من الدخيل قالت: ترى الستاد موجعته يده وأخاف أنها توسع فأخذته بسيارتي وكنت من القلائل الذين عندهم سيارات، كنت وقتها مديرًا للمعهد العلمي وأظن ذلك في عام 1375 هـ ونحوه.
وكان الطبيب الوحيد في بريدة اسمه عبد الكريم سكرية وهو من بعلبك في لبنان فقال لي بعد أن كشف عليه: إن هذا رجل كبير السن ومعه سكر
والعادة أن الكبير السن من الناس كالسيارة القديمة إذا أصلحت منها آلة فسدت الآلة الأخرى، ولكننا سوف نبذل جهدنا معه والتوفيق بيد الله.
فقلت له: هذا هو المطلوب منك.
فأعطاه دواء ووكل إلى ممرض عنده يقال له محمد الدغيري أن يتردد عليه، وليس عند الطبيب سيارة فضلا عن الممرض فكنت أخذه إليه في بيته.
وبعد أيام شفي الستاد ابن حامد من هذه القرحة الكبيرة في ذراعه ولم يبق إلَّا مكانها.
ولكن العجيب الغريب أن الطبيب الذي عالجه وهو لبناني شاب في غاية الصحة وصفاء اللون حان وقت أجازته فذهب للطائف وجاءنا خبر وفاته هناك على شبابه وصحته وأظنه في الثانية والثلاثين من عمره.
وعَمّر الستاد ابن حامد بعد ذلك سنوات ومات هرمًا، وذلك في عام 1377 هـ.
كان الستاد علي الحامد أبا بنات لم يعش له إلَّا ابن واحد اسمه محمد علي اسم والده، ولكنه لم يكن على ما يهوى أبوه، إذ كان يود لو أن يكون مثله (استاد طين) أي معلمًا لبناء الطين مثله، ويقتضي ذلك منه أن يمر بتجربة صعبة إذ لابد الأستاذ الطين قبل أن يكون (استادًا) أن يعمل حرفيًّا أي عاملًا من عمال الطين، وذلك أمر شأق في تلك العصور لأن الناس يحاسبون الحرفي حتى على الوفقة ويطلبون منه أن يعمل من طلوع الشمس إلى صلاة الظهر في القيظ، وفي غير القيظ قد يعمل إلى غروب الشمس، ولكن ذلك يحتاج من صاحب العمل أن يعشيه وهو أمر له أهميته عند كثير من الناس، أما إذا عمل إلى صلاة الظهر، فإن الذي يقدمه له صاحب العمل هو الغداء في وقت الضحى فقط وهو تمر فقط ولكن العامل الحرفي يأكل من التمر ما يأكله 3 أو 4 من غير العمال.
وقد حدث سوء تفاهم بينه وبين ابنه محمد فسافر إلى مكة المكرمة، وكتب في العسكرية وتلك كانت عادة الشبان من أهل القصيم إذا ضاقت بهم الحال ممن لا يصبرون على السفر مع عقيل إلى الشام والعراق أن يذهبوا إلى مكة فيكونوا جنودًا عند الحكومة غير أن الحكومة نفسها كانت فقيرة في تلك الأزمان إلى درجة إن بعض الذين عملوا جنودًا لم يقبضوا كل رواتبهم إلا بعد أن صارت الحكومة تقبض قليلًا من عوائد النفط أول الأمر.
فأمر الملك عبد العزيز أن ينادي في جميع أنحاء مملكته أن من كان له شيء عند الحكومة فإنها تدفعه له وبالفعل تم ذلك، وبعض الناس هناك استفاد لأنه لم تكن القيود كاملة.
وبالنسبة لمحمد الحامد ابن الستاد فإنه سافر إلى هناك والناس يعرفون أن والده لم يكن راضيا عن سفره، قالوا: فصادف أن نزل سيل عظيم على مكة المكرمة، وكانت العادة في القديم أن السيل يأتي من المعابدة التي هي عالية مكة ثم ينحدر إلى المسفلة ولكن إذا زاد دخل المسجد الحرام وقد عهدناه كذلك إلى ما قبل عشر السبعين من القرن الماضي وهو الرابع عشر، وكانت تكرونية في المعابدة لها دجاج حملة السيل فصاحت به أن ينقذ دجاجها من السيل ويعيده إليها، ولم يكن يقدر قوة السيل فأسرع إلى السيل لينقذ دجاج التكرونية ولكن السيل جرفه وأخذه معه فوجد ميتًا في أسفل مكة.
وبذلك بقي الستاد ابن حامد آنذاك دون ولد ذكر وكان له خمس بنات.
وكان والدي - كما قدمت - صديقه الخاص، وعندما أراد الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1353 هـ بناء قصر المربع له ولأولاده، ومن يتصلون بهم إلى جانب خدمهم وهو بالطين احتاج إلى عدد إضافي من (استودية) الطين: جمع استاد، فأرسل إلى أمير بريدة آنذاك مبارك بن مبيريك أن يرسل إليه من عنده من (الستودية) لأن الرياض ليس فيه عدد كاف.
وكان الستاد علي الحامد والإخوان صالح الماضي وعبد الله الماضي وعبد الله بن جدعان أكبر استودية الطين المعروفين، ويأتي يعدهم في الشهرة عند الناس محمد بن ناصر السلمي ومحمد اليوسف العدل، وقد ذهب ابن سلمي بعد ذلك إلى الرياض لما ذكر، لكنه لم يذهب في السنة الأولى.
وكان أمير بريدة أخبرهم أن عملهم يستغرق قرابة خمسة أشهر لأن هذا هو وقت البناء المعتاد بالطين عند أهل نجد ويحددونه بأنه من انفكاك النو، وذلك يكون عند طلوع الثريا من جهة الشرق في الفجر في نحو الخامس من شهر يونيو ويريدون بالنو السحاب والمطر، إذ العادة ألا يسقط مطر بعد ذلك وآخره دخول الوسم حيث يتوقع سقوط المطر في العادة لأن البناء بالطين يلزم له جفاف الجو كما هو معهود لأن المطر يفسده.
كانت النقود عند الناس قليلة وعمل مثل هذا حكومي، والحكومة ولو كانت فقيرة في ذلك الوقت يطمع فيها إضافة إلى ما اشتهر من كون العمل عندها أقل مشقة وأقل مراقبة من غيرها.
لذا لم يكن علي الحامد ليرفض هذا العرض السخي، ولكن ماذا يصنع ببناته وزوجته بل ببيته؟
لقد فوض أمره إلى صديقه والدي ناصر العبودي، وكان أهم ما يشغله موضوع زواج بناته إذ واحدة في سن الزواج وأخرى مطلقة، وواحدة أصغر، ولكنها في سن يمكن تزويجها فيها.
وعندما أراد ابن حامد السفر وقبل أن يودع أهله وأصدقاءه أشهد جيرانه وهما محمد بن علي الطرباق من آل أبو عليان وعبد الله بن خليفة أول نجدي سافر إلى أمريكا وهما جيراننا أيضًا لأن بيته قريب من بيتنا قائلًا.
"إشهدوا إن جاب الله لبناتي رزق - يعني زواج - فأنا موكل ناصر العبودي يجوزهن".
وهذا أهم ما في الأمر، أما ملاحظة بيته في غيابه والإنفاق عليه فإنه وكل ذلك إلى والدي أيضًا، مطمئنأ بأنه سيكون كأنه لم يغب عنه.
صار والدي ينفق على بيته من ماله أي مال ابن حامد، وقد خصص كيسًا صغيرًا من الخام عنده النقود ابن حامد يضعها فيه، إذ ترك عنده الاستاد ابن حامد قليلًا من النقود ثم صار يرسل إليه ما يقع بيده من المال لقاء عمله عند الشيوخ بمعنى الحكومة، فكان والدي يضع ما يأتيه منه في هذا الكيس، وينفق منه على بيته، أي بيت ابن حامد.
وعندما عاد ابن حامد بعد تلك الغيبة الطويلة أخذ والدي ذلك الكيس وسلمه إلى ابن حامد، ولم يكن والدي يكتب شيئًا ولا يحسبه، وابن حامد يأخذ الكيس واثقًا بأنه لا يختلف عما إذا كان هو الذي يضع في الكيس نقوده أو يأخذها منه.
وقد تكرر ذلك ثلاث سنوات أو أربع لأن ابن حامد ومن معه من (الستودية) يذهبون قبل الوقت المقرر بقليل حتى يكونوا جاهزين للبدء بالبناء عندما يحين وقته.
كان والدي حريصًا على نقود صديقه علي الحامد، فأذكر أن زوجة علي الحامد جاءت إلينا مرة وكنت صغيرًا فقالت: يا أبومحمد نبي طريفة، والطريفة عندهم هي اللحم، فقال لها: يا أم محمد إلى طرفت عيالي طرَّفتكم يعني إذا اشتريت لعيالي لحمًا اشتريت لكم لأنه لا يمكن أن يستجيب لما تطلبه الزوجة محافظة على مال زوجها ابن حامد، وأذكر أنه كان إذا اشترى لحمًا لبيته اشترى لبيت ابن حامد مثله من كيس ابن حامد.
وكان يجعل عندهم مثلما عندنا إدامًا كان كافيًا مما اعتاد عليه الناس من الودك والسمن والخلع حتى إذا لم يكن في العشاء وهو الوجبة الوحيدة التي تطبخ طبخًا وتحتاج إلى إدام اكتفوا بذلك عن اللحم.