الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كثر فيه الناكصون عن الجادة، وبعد أن كانوا يجاوزون المائة بأبنائهم عام 1410 هـ لا يكاد يجاوز عددهم اليوم عشرين شخصًا، ولو نظرت إلى البون الشاسع الذي يفصل بينهم وبين أبنائهم لتحققت صدق ما قاله مطرف بن عبد الله، (الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم).
الكاتب
منصور النقيدان
الرد على منصور النقيدان:
صنف الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد رسالة في الرد على منصور النقيدان عنوانها: (آثار وروائح المدفون بين الجوانح) رد على منصور النقيدان، وتقع في 35 صفحة من القطع الصغير، وقد وصف الشيخ عبد الكريم الحميد منصور النقيدان بأوصاف غير لائقة.
ونظرًا إلى ما التزمت به من بيان الأعمال الفكرية، أو لنقل الصراع الفكري، وقد نقلت مقالة لمنصور النقيدان رأيت أن أنقل بعض ما جاء في ذلك الرد لم أحذف منه إلَّا أشياء لا يضر حذفها اختصارصا أو تجنبًا للوصف بجملة حادة أو كلمة نابية.
قال الشيخ عبد الكريم الحميد:
استفتح النقيدان مقالته بالكلام عما حدث له وهو في سن السادسة عشرة، وأنه عصفت به شكوك وتساؤلات وحيرة، واستمر في كلامه حتى قال: ولأن الحديث عن مثل هذا النوع من العذابات الروحية داخل في نطاق المحرّم فقد لزمت الصمت ودفنته بين جوانحي.
أقول: نحن لا نشمت، وإنما نقول:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} وواجب علينا النصح للمسلمين بأن
يحذروا هذا وأمثاله وما دفنه بين جوانحه فقد أبى هذا المدفون إلَّا أن يفضح نفسه، نعم يعرض للإنسان مما يعرض له من إلقاء الشيطان العدو المبين، وإنما دواء ذلك في الشريعة معلوم والشفاء منه محقق بيقين لمن لم يستمر مع هذه الإلقاءات والوساوس الشيطانية ويُساكنها ويطمئن إليها، ولقد كانت تعرض لسادات الأولياء وأفضل الخلق بعد الأنبياء أصحاب رسول الله عليه وعلى آله وسلم ورضي الله عنهم، وما كانت تضرهم لعملهم بإرشاد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، ولما وهبهم الله من الإيمان الدافع لنزغات الشيطان.
ويقال للنقيدان: إن الذي دفنته بين جوانحك دلائل سوء لذلك وصفتها بأنها داخلة في نطاق المحرم وأنها شكوك، وأعظم بذلك، وصحيح أن الإناء بما فيه ينضح، وقد بان ما في إنائك من نضحه في مقالاتك هذه وغيرها، وهذا هو السر الذي أشرت إليه سابقًا.
قال النقيدان في مقالته: فغالب من يتعرضون لتحولات صارخة إنما جاء تحولهم نتيجة تصادم داخلي وتوتر دائم بين أمرين لا يمكن فهم أحدهما فهمًا تمامًا بالإستناد إلى الآخر إلا أن الحديث عن مثل هذه الأحوال جرى اعتباره منذ فترة مبكرة في تاريخ الإسلام من المحرمات، وقد جاءت أحاديث مرفوعة إلى الرسول تشير إلى أن هذه العوارض والشكوك التي تطرأ على المسلم هي علامة صدق الإيمان وأن الواجب على المسلم أن يكتفي بالتعوذ من الشيطان ويطمئن لصحة إيمانه دون أن يعلن الحديث عنها أو يكاشف أحدًا بتفاصيلها.
جواب هذا أن العوارض واردة لأن مادتها تُستسقي من الشيطان وهو ما زال في إغواء بني آدم لكن المسلم مأمور بطردها وإبعادها لا تقريبها ومساكنتها، ثم إن المسلم معه سلاح الإيمان والعلم النبوي الذي نوره يصرع الشيطان ويهدم بنيانه، وما كان الشيطان ليطمع من الصحابة بأكثر من العوارض والتي هي بالنسبة لهم كالزبد الذي يذهب جفاء، أما من جاء بعدهم فكثيرون طمع فيهم الشيطان فلم يكتف
لهم بالعوارض وإنما أخذهم بالشكوك، وذلك لغلبة الجهل وإيثار الهوى واستحكام الضلالة والشقاء، وإلا حتى الشكوك ففي الوحي المطهر ما يمحقها، ونتحدى أي مبطل يورد شكًّا من الإلحاد فما دونه إلا وفي الوحي ما يدحض ذلك ويُزْهقه، فليورد النقيدان علينا شكوكه وعوارضه لنجليها له.
ولو أنه أو غيره ممن اعتراهم وعرض لهم ما عرض في أمر العقيدة أتوا البيوت من أبوابها بأن طلبوا الحق من مظانه وتضرعوا لربهم واستكانوا لهُدوا، وإنما الحاصل أن أحدهم يركب رأسه مُدَّعيًّا أنه شبَّ عن الطوق، فيخوض في كل واد ويهذي في كل ناد باعتبار أنه المنقذ للأمة الكاشف للغمة، والعجب أن يُطلب الهدى من أهل الضلالة، فلقد أنهمك هذا الصنف في الإقبال على علوم الأمم المغضوب عليها، والضالة يطلبون قبس نور من لجج الظلمات، وفاقد الشيء لا يعطيه فازدادوا حيرة وتهوّكًا، ولهذا وصف شيخ الإسلام بمارتن لوثر الكافر.
ولماذا التحرّش بالعقيدة ولماذا الطعن في حملتها من الأئمة الأعلام؟ {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} أما كان الأولى بالنقيدان أن يعالج نفسه مما اعتراه وألمَّ به من العوارض والشكوك بدلًا من أن تتصدّر فيتعدى ضرره إلى غيره ويحمل من أوزار من يضلهم؟
وإذا كان التحدث عن الشكوك يثير الشبهات ويشيعها بين المؤمنين كما ذكر في مقالته، فلماذا وقع هو في المحذور لولا أنه مفتون فقد خاض في الدين منذ سنين، وكلامه ينتشر في الآفاق ونحن نحتج عليه بإقراره فقد قال بعد الكلام السابق: لكون التحدث عن تلك الشكوك والنقاش حولها ضربًا من إثارة الشبهات وإشاعتها بين المؤمنين تنعكس سلبيًّا عليهم، لهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر إلى اسئلة صبيغ بن عسل حول بعض آيات القرآن إثارة للشبهات والشكوك أكثر من كونها أسئلة مسترشد أو جاهل.
نقول: وأنت ما كان كلامك في الدين وخوضك إلا إثارة للشبهات والشكوك فما
زلت كل وقت تطلع على الناس بآفة وبليّة حتى افتريت أخيرًا على شيخ الإسلام رحمه الله أنه لو تأخر زمنه لقدّم تفسيرًا جديدًا للإسلام، تريد بالتفسير الجديد مجاراة أهل الأهواء والضلالات والتنكّر لما كان عليه السلف من سلامة الاعتقاد وصحة المنهاج، هذا واضح من مقالاتك وأحوالك، والحمد لله الذي أخرج مكنونك بأن فضحت نفسك، وكأنك الآن تقول للناس: احذروني فقد دفنت بين جوانحي ما يزلزل عقائدكم وها أنا كل أوان أخرج لكم منه ما هو كفيل بتشكيك وإفساد من أغترّ بي.
وإن ضرب عمر رضي الله عنه لصبيغ وتأديبه له وضع الدواء على الداء، وقد حصل الشفاء، وأين حال صبيغ وحالك؟ وأين قول صبيغ وقولك؟ إنك تأتي بالعظائم ولا عمر يضعك موضعك.
بعد ذلك ذكر النقيدان ما كان يعرض لشيخ الإسلام رحمه الله ومحاربته أرواحًا شيطانية بالآيات القرآنية، يريد التشكيك بشيخ الإسلام وهذا مما يدل على علو مقام الشيخ رحمه الله، وقد عرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان ماذا؟
يحاول النقيدان التشكيك بشيخ الإسلام وبالإسلام أيضًا ويأبى الله إلا أن يكون ذلك من باب تعبير أسماء رضي الله عنها بذات النطاقين.
يقول: كان ابن تيمية كثيرًا ما يخرج إلى الصحراء وحيدًا مرددًا بيتين يعكسان ذلك الخضم الهائل من الصراع المتلاطم داخله.
تموت النفوس بأوصابها
…
ولم تدر عُوَّادها ما بها
وما انصفتْ مهجة إذ شكَتْ
…
أذاها إلى غير أحبابها
أقول: ليس في صدر شيخ الإسلام خضم هائل من الصراع المتلاطم كما زعم هذا المتمعلم بل في صدره رحمه الله جنته التي يتنعم بها في موضع
البؤس ويُسَرّ بها في موضع الحزن حيث اشتهر قوله رحمه الله وهو في السجن: ما يفعل بي أعدائي أنا جنتي في صدري، وإذا كان هذا في السجن فكيف في حياته العادية، ولما أغلقوا عليه السجن يقول:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} وسعادة شيخ الإسلام وسروره بدينه أشهر من أن يذكر أما البيتين فيُشبهان ما كان يتمثل به إذا خرج في الصحراء كما ذكر عنه ابن القيم:
وأخرج من بين البيوت لعلني
…
أحدّث عنك النفس بالسرِّ خاليًا
وكل هذا لا يدل على صراع كما يصف المتعلم وإنما يدل على أُنسه بربه وشوقه إليه لعلو مقامه في التوحيد والمعرفة، وما زال أهل المعرفة بمعبودهم والشوق إليه يتمثلون بمثل ذلك.
فالنقيدان يريد التشويش في شأن شيخ الإسلام ويريد أيضًا المقارنة بين ما اعتراه من الوساوس والشكوك كما تقدم من كلامه وبين أحوال شيخ الإسلام ومقاماته السّنّية، وشتان بين مشرّق ومغرب، والثرى والثريا.
ثم قال النقيدان عن شيخ الإسلام: كما يحكي عنه تلاميذه أنه كان إذا أشكل عليه فهم آية قرأ كل ما وقع بيده من كتب التفسير، فإن فتح له شيء وإلّا لجأ إلى مسجد خرب أو عتيق وتمرغ فيه كما تمرغ الدابة ودعا قائلا: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
قال النقيدان معلقًا على فعل الشيخ هذا قال: هذه القصة لا تعكس شغفًا معتادًا بالعلم ومعرفة القول الصحيح في تفسير آية ما بقدر ما تعكس حالة من الحيرة والقلق.
أقول: افترى النقيدان على الشيخ رحمه الله حيث وصفه بالحيرة والقلق، يريد بذلك الجمع والمقارنة بما أصابه هو من الشكوك وما يفعله شيخ الإسلام إذا أشكل عليه فهم آية وهذا من مكره وكيده.
العجب أن النقيدان ما زال مع الشيخ في باب (ذات النطاقين) هو يريد الطعن بالشيخ لكنه يُظهر محاسنه، وكأن شيخ الإسلام وأحواله طلسم لم تفتح رموزه القرون الماضية وجاء النقيدان في آخر الزمان ليُجلي حقيقته للناس.
إن مقاومة شيخ الإسلام رحمه الله الأرواح الشيطانية بالقرآن ولجؤوه إلى ربه مع بذله جهده في معرفة كلام ربه لهو والله من أعلى المقامات والأحوال التي مَنَّ الله بها عليه، والنقيدان يجعلها من باب الأزمات الروحية والحيرة والقلق.
ثم قال النقيدان: فهل كان ابن تيمية فيما يحكيه ابن القيم عن تسلط الأرواح الشيطانية يشير إلى عاصفة من الشكوك كانت تُلمّ به بين الحين والآخر حتى تنعكس على حالته النفسية والصحية؟
انظر كيف أن النقيدان يريد أن يدخل شيخ الإسلام في عاصفة شكوكه وحيرته وقلقه ومرضه النفسي مع سلامة الشيخ رحمه الله وعطب النقيدان نفسه.
ثم قال: هل كان ابن تيمية شخصية قلقة؟ رأيي بالإيجاب فتلك النفحة الروحية هي التي أبدعت قوله المثير بفناء نار الكافرين ودخولهم الجنة مع المؤمنين.
إن القول بفناء النار الذي استغله النقيدان لتمشية باطله وللطعن بشيخ الإسلام من أجله مما يحمد عليه الشيخ رحمه الله، ثم إنه لم يبتدعه فقد تبع في ذلك الصحابة رضي الله عنهم الذي علموه من كلام ربهم عز وجل.
وسبق وباهت النقيدان على صحة هذا القول قبل عشر سنين، وإن أراد إعادة كرّة المباهلة فليتقدّم لأنه آذانا بهذه المسألة هو وصاحب كتاب (الاستنفار لمحق القول بفناء النار) البهيجي لكن صاحب كتاب الاستنفار خاف وأحجم عن المباهلة حيث دعوته إليها مرارًا، ولما رأيت ذلك فتحت باب دعاء أن يكف الله بصر الكاذب في مسألة النار أنا أو هو، وقد ذكرت ذلك في جواب أسئلة وُجّهت إليَّ بشأن كتاب البهيجي (الاستنفار) وطبعت مع الجواب في كتاب
(فتوى وبيان في كتاب الاستنفار لمحق القول بفناء النار) والبهيجي تميّز بفرية أودعها كتابه المشؤوم لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل حيث زعم أن القول بالفناء مدسوس في الصواعق لابن القيم ولم يأت ببرهان على ذلك، ففتح باب ضلالة لمن شاء أن يطعن بكتب أهل السنة.
وحيث إن توضيح مسألة فناء النار وبيانها في كتابنا (الإنكار) وكتاب (فتوى وبيان) كذلك فيهما كلام شيخ الإسلام في المسألة وكلام تلميذه ابن القيم فلا داعي للدخول فيها هنا، ومن اطلع على هذه الكتب عَلِمَ أننا بيّنا زيف كل شبهة واردة على المسألة والحمد لله، وعلم أن تشنيع الخصوم عليها لأغراض في نفوسهم وعَلِم أنها باب معرفة لأسماء الرب سبحانه من رحمته وحكمته في خلق جهنم وإبليس وغير ذلك مما يُحبب العباد لربهم ويُعرِّفهم به.
والكلام هنا مع من يأبي أن يُقاد بالأرسان مقلدًا فلانًا وفلانًا بل ينظر بنفسه في المسألة، سيجدها متعة ونهمة ورحمة وعلمًا جليلًا حُرمه من ليس له بكفء.
أما زعم النقيدان أن شيخ الإسلام يقول بدخول الكفار الجنة مع المؤمنين فالمراد بذلك التشنيع على الشيخ وعلى من يقول بفناء النار، ولم يقل شيخ الإسلام هذه العبارة، لكن له كلام مبين وموضح في كتابنا (الإنكار) وما يصير إليه الكفار بعد الفناء، كذلك كلام ابن القيم في ذلك، والمسألة شَوَّهها الخصوم بالتشنيع كما يهذي النقيدان ويظن بعض الناس أن ما تكلم به الصحابة مثل عمر وابن مسعود وتكلم به السلف تكلم به شيخ الإسلام وتلميذه من فناء النار أن ذلك يُنافي خلود الكفار وتأبيدهم فيها والذي هو صريح في الكتاب والسنة وكثير يصعب حصره وليس الأمر كذلك، بل من أنكر خلود الكفار وتأبيدهم في النار فهو كافر لكن (عند جهينة الخبر اليقين) أقول في كتابنا الإنكار والفتوى ما يزيل كل شبهة واردة حتى أن من عرف حقيقة المسألة عرف جهل المشنِّعين وظلمهم، وأنهم ما عرفوا وما أنصفوا بل جاروا وظلموا.