الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليها هذا القرآن، ففهمته وأدركت توجيهاته، وتلقت الدين غضاً طرياً، نقياً أبيض من معلمه الأول، الذي قام عليه الصلاة والسلام على تعليمهم، وتزكيتهم، حتى قبلهم الله عنده من خيرة عباده الصالحين، وزكاهم في كتابه المبين، بأقوى عبارة، وأوضح بيان، قال تعالى عنهم:{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التّقْوَىَ وَكَانُوَا أَحَقّ بِهَا وَأَهْلَهَا .. } الآية [الفتح: 26]
أي: ألزم الله الصحابة كلمة لا إله إلا الله .. كلمة التوحيد .. فكانوا أصدق من حملها .. وكانوا أهلاً لهذا الحمل.
وقال تعالى مخاطباً الصحابة، ومن تبعهم على مسلكهم:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ .. } الآية [آل عمران: 110]
فالمعنيُّ الأول بهذا الخطاب: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الذين يدعى إلى طريقهم، ولا يدعى إلى طريق غيرهم أبداً.
وكل دعوة إلى طريقة أو حزب، أو جماعة غير هذه الجماعة فهي دعوة إلى ((السبل))، وإلى تفريق الأمة.
الخطأ الثاني: الدعوة إلى شيخ أو شيوخ، أو زعيم أو زعماء
.
إن احترام العلماء، وإجلال الشيوخ، من الواجبات في الدين، غير أن حصر الدين في بعضهم، والدعوة إليه، أو إلى مبادئه وأحكامه وطروحاته كأنه معصوم، ضلالٌ في الدين، وانحرافٌ عن صراطه.
قال تعالى: {اتّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ وَلا تَتّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مّا تَذَكّرُونَ} [الأعراف: 3]
وفضلُ العالم، وحسنُ قيادته، وتضحيتُه وتقواه وعلمُه شيء، وإيجاب اتّباعه، والتمحور حوله، وحول أتباعه، شيء آخر.
ولذلك لم يأمر الله تعالى في كتابه، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته باتباع سنة رجل غير سنة الأنبياء، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ
…
} الآية [الأنعام: 90]، وقال:{لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .. } الآية [الأحزاب: 21].
فإن كل إنسان غير رسول الله غير معصوم، وإن كل مخلوق غير رسول الله ليس بأسوة، بل إن رسول الله عتب على أبي بكر رضي الله عنه، عندما اختلف مع اليهودي، في أفضلية رسول الله على موسى عليهما الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:((لا تفضلوني على موسى))، وفي رواية:((لا تخيروني)) (1).
وسر هذه المعاتبة؛ أن لا يكون الخلاف بيننا وبين اليهود حول أفضلية الأعيان، أمحمد أفضل أم موسى عليهما الصلاة والسلام.
ومن جميل ما يحتج به في هذا المقام، ما حصل في غزوة أحد عندما وقف أبو سفيان فقال: ((أفي القوم محمد .. أفيكم أبو بكر .. أفيكم
(1) رواه البخاري (2411)، ومسلم (2373)، وأحمد (2/ 264)، وأبو داوود (4671) وغيرهم.
عمر .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجيبوه)) .. ثم قال أبو سفيان: ((أُعْلُ هُبل))، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((ألا تجيبوه؟ ! ؟ )) (1).
فانظر؛ لما قال أبو سفيان: أفيكم محمد .. أفيكم أبو بكر .. أفيكم عمر .. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إجابته، ولما قال:((أُعْلُ هُبل))، قال النبي صلى الله عليه وسلم:((ألا تجيبوه))، والسر في ذلك؛ أن أبا سفيان لما تعرض للأشخاص أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم إجابته، لأن بقاء الإسلام لا يتعلق ببقاء الأعيان، وأنه قائم سواء بقي هؤلاء الأعيان أحياء، أو ما توا.
ولما تعرض أبو سفيان رضي الله عنه للتوحيد .. إلى لب العقيدة: ((أُعْلُ هبل)) أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإجابته: ((الله أعلى وأجل)).
فَمَن الرجالُ بعد موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم؟ ! ؟ .. حتى يُدعى إليهم .. ؟ ، ومن الرجال بعد أبي بكر وعمر، حتى يُنصَّبوا محاور للأمة .. ؟ ، قال شيخ الإسلام:((وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله، وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام، أو تلك النسبة ويعادون)) (2).
وقد قال من قبله الأئمة الكرام مثل هذا؛ منهم: الإمام أبو حنيفة، فقد قال:((لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه)). (3)
(1) رواه البخاري (3039)
(2)
مجموع الفتاوى (20/ 164).
(3)
ابن عبد البر في الانتقاء (ص 145)، وابن عابدين في حاشيته على البحر الرائق (6/ 293) وغيرهما.
وقال الإمام مالك: ((ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم)). (1)
وللإمام الشافعي أقوال كثيرة في هذا الشأن منها قوله: (فاتبعوها - أي السنة - ولا تلفتوا إلى قول أحد)(2).
وقال الإمام أحمد - عندما استشاره امرء في تقليد أحد العلماء في عصره -: ((لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا
…
)) (3)
مفاسد الدعوة إلى الرجال:
ومما لا شك فيه أنه منذ أن بدأت الدعوة في الأمة إلى الرجال، بدأ التفرق في الدين، ووقع التنازع بين المسلمين.
وفي الدعوة إلى الأعيان مفاسد كثيرة غير التفرق، ليس هاهنا محل تفصيل لها .. ويكفي منها شراً؛ أنها تحصر الدين في رجل غير كامل ولا معصوم، فيضيع الدين .. فضلاً عن أنها تفرق الأمة، وتُحزِّب المسلمين، وتُحدثُ بينهم فتناً .. والواقع أكبر شاهد على ذلك، فقد طارت كل طائفة بشيوخها، ودعت كل فرقة إلى زعمائها .. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأشنع من هذا، من يوالي ويعادي للاختلاف في الأشخاص، وفي الحكم عليهم، ويجعل هذا دينًا يدين لله عز وجل به.
(1) ابن عبد البر في الجامع (2/ 91).
(2)
الهدي في ذم الكلام (3/ 47)، وابن عساكر (15/ 9)، والنووي في المجموع (1/ 63).
(3)
أبو داوود في مسائل الإمام أحمد (ص 276)، كل أقوال الأئمة هذه نقلاً عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للألباني، ومن أراد التوسع فليرجع إلى الكتاب المذكور ص (22) وما بعدها.