الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأما الأول: فلا يُقبِل على أهله إلا كُرْها، من غير رغبة ولا استمتاع، ولا يشعر بطمأنينة معها، وينتظر بفارغ الصبر مفارقتها، وإذا فارقها شعر براحة، وفارقها بغير حسرة، ولا تمنٍ في الرجوع إليها.
وأما الذي تزوج من يحب، فإنه يُقبِل على زوجته برغبة ولهفة، وشوق واستمتاع، ولا يحب فراقها، وإذا فارقها فارقها على كره وحسرة، وفي نفسه شوق للعود إليها.
وهكذا من أقبل على الطاعة، بإيمان مسبق، أقبل عليها بحب وشوق، وفارقها على كره .. ومن أقبل على الطاعة، بغير إيمان أو بضعف فيه، أقبل عليها على كره، وأداها بمشقة، وفارقها على فرح.
ويظهر هذا جليا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم من الصالحين في خشوعهم في عباداتهم، وشوقهم لها، وقصصُ الصالحين في ذلك كثيرة، فمنهم من دخل في صلاة وأجري له عمليةٌ جراحية (1)، ومنهم: الذي هدم المسجد وهو يصلي ولم يشعر (2) ومنهم .. ومنهم .. وكل ذلك بموجِب الإيمان القوي الذي سبق العبادة، فدفعهم إلى هذا
…
وكذلك يظهر جليا التقصير في المنافقين ومن تبعهم في أعمالهم
…
وذلك لانعدام الإيمان أو لضعفه كما سبق بيانه.
المطلب الرابع: أدلة ((الإيمان قبل الأعمال والأحكام)) ودعوة الرسل:
(1) راجع سير أعلام النبلاء (4/ 429).
(2)
راجع مجموع الفتاوى (22/ 605).
سبق أن ذُكر: أن الإيمان يقذف في القلب حب الاستجابة، والمسارعة إلى الطاعة، والحلاوة في العبادة، واللذة في المناجاة ..
لذلك أمر الله به قبل الأعمال، وكان سبحانه يُذكّر المؤمنين به قبل أمره ونهيه.
قال تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِى نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِىَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيداً} الآية [النساء: 136].
فقدّم سبحانه الأمر بالإيمان على كل عمل.
وقال تعالى: {{قُل لّعِبَادِىَ الّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصّلاةَ .. } الآية [إبراهيم: 31].
أي: ما دمتم آمنتم، وبنيتم قواعد دينكم .. فابدؤوا بالأعمال، فإنها من لوازم إيمانكم.
ومثل هذا كثير في القرآن الكريم، ومنه كل كلام لله فيه: ((يا أيها الذين آمنوا
…
))، فنداء المؤمنين بوصفهم، يثير في النفس كوامن هذا الوصف، وهو هاهنا، ((الإيمان)) الذي يدفع نحو الاستجابة لما بعد النداء، من أمر أو نهي ..
ومثل ذلك قوله تعالى -بعد أن يأمر أو ينهى-: { .. ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ .. } الآية [التحريم: 2].
فمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتأثر بموعظة، ولا يستجيب لطلب.
وهذا سر قول الكافرين لأنبيائهم: {قَالُوا سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الْوَاعِظِينَ} . [الشعراء: 136]
ولذلك كان الأنبياء يَدعُون إلى الإيمان قبل الأحكام، -ورأس الإيمان التوحيد- ويمكثون السنين الطوال في هذا .. وقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه ثلاث عشرة سنة، يدعو إلى الإيمان، ويُربِّي أتباعه على زيادته، دون أن يتعرض لمعظم الأحكام، أو ينهى عن معظم المحرمات، وكان بعض أصحابه يمارسون ماعُدّ بعد ذلك من الكبائر، كالخمر، والميسر وما شابه ذلك، ولم ينههم عنها، قبل أن يتوطن الإيمان في قلوبهم.
فلما وقر الإيمان في القلوب، وذلت لبارئها النفوس، أمرهم بالعبادات .. ثم بين لهم أحكام المعاملات .. ونهاهم عن المحرمات.
ولم ينزل تحريم الخمر إلا بعد ثلاث سنوات خَلَوْنَ من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة.
ولما نزل تحريمه، سارع المسلمون إلى الاستجابة، لِمَا سبق فيهم من الإيمان.
فعن أنس قال: كان لنا خمر غير فَضِيخِكُم هذا الذي تسمونه الفَضِيخ (1)، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وماذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلاس يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. (2)
(1) الفضيخ: شراب يتخد من البسر (التمر قبل أن يصبح رطباً ويسمى بلحاً) وحده من غير أن تمسه النار. انظر لسان العرب (3/ 45)، مادة:(فضخ)، وكانوا يصنعون منه الخمر.
(2)
رواه البخاري (4617)، ومسلم (1980).
وقصة نساء الأنصار حين نزول آية الحجاب مشهورة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ} [النور: 31]، شققن مُرُوطَهُنَّ (1) فاختمرن بها)). (2)
وكل هذه الاستجابات، كانت لسبق الإيمان الأحكام، ولو أنهم أمروا باجتناب المحرمات قبل الإيمان لما أطاعوا.
فقد قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .. : إنما نزل أول مانزل منه (أي القرآن) سورة من الُمفصَّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب:((بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)).، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده .. (3) قال:((فأخرَجَتْ له المصحف فَأَمْلَتْ عليه آي السور)).
فانظر إلى هذا التأصيل لهذه القاعدة من عائشة رضي الله عنها ..
ولما رأى ابن عمر رضي الله عنه إعراض الناس عن الأحكام، وعدم العمل بالقرآن -رغم حفظهم له- علَّلَ ذلك بمخالفة مضمون هذه القاعدة، وأن الأحكام سبقت عند هؤلاء الإيمان، فلم يعملوا بالأحكام حق العمل، فقال رضي الله عنه: ((لقد عشنا بُرْهةً من دهرنا،
(1) * المرط: هو كساء (ثوب) للمرأة يصنع من صوف أو غيره، النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 319).
(2)
رواه البخاري (4758، 4759)
(3)
رواه البخاري (4993).