الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأولى: عدم التعرض لها كلها دفعة واحدة، والبدء بالأهم، فالأهم -أي بالتدرج-.
فإذا رأى في المجتمع مثلا اختلاطاً وكشفاً لوجه المرأة، -وهو يرى عورة وجه المرأة-، فليس من الحكمة أن يبدأ بالأمرين.
وإنما يَختَار الأخطر، وهو الاختلاط، ويُؤَخِر الكلام عن كشف الوجه.
الثانية: أن يتعرض للعادة، دون التعرض لأصحابها، والحُكم عليهم.
ففي مثالنا السابق؛ يذكر خطورة الاختلاط وحرمته، وما يفضي إليه من مفاسد عظيمة، ويضرب أمثلة مطلقة غير معينة.
ولا يتعرض للمُختلطين بالحُكم عليهم، كأن يقول: المُختلطون ديوثون، أو فاسقون، أو قليلو مروءة .. إلى غير ذلك من الأوصاف والأحكام المنفِّرة، والتي تكون -أكثرَ الأحيان- غيرُ صحيحة.
الثالثة: أن يلتزم منهج التغيير الذي سنبينه لاحقاً.
ومن ذلك: اختلاف طريقة النهي عن المحرم الذي شاع بين الناس واعتادوه-، ومنهم من لا يعلم حرمته، أو غير مقتنع بها- اختلافها عن طريق النهي عن محرم يتعاطاه بعضهم، والناس له كارهون.
المطلب الرابع: مراعاة السنة لعادات الناس في التغيير:
تتجلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا تجلياً واضحاً في كثير من عادات الجاهلية.
ومن ذلك؛ ما اعتاده الناس قبل الإسلام، من الزنى، والتمتع بالنساء، فحرم الإسلام الزنى، وسكت سكوتاً مؤقتاً عن متعة النساء .. ثم حرمها .. ثم أباحها في بعض الظروف الخاصة التي مرت بالمسلمين .. ثم حرمها إلى الأبد (1) ..
وهذا الأمر؛ وإن كان يدخل في باب التدرج بالمحرمات، ولكن لم يكن إلا تقديراً لظروف القوم الخاصة، وما اعتادوا عليه طوال حياتهم .. فمن الصعوبة بمكان أن يتخلوا عنه بسهولة، لذلك راعى الإسلام حالهم، ولم يتغافل عن ظرفهم.
وسيأتي تفصيل ذلك وأدلته في فصل (منهج الدعوة، مبحث التدرج).
وخلاصة هذا الباب: أن يراعي الداعية ظروفَ المدعوين، وأن لا يكن غافلاً عنها. فإن الدعوة إلى الله ليست دعوةً خاليةً، ولا مقالة نظريةً .. بل هي دعوةٌ عملية، وممارسةٌ واقعية، لا تغفل عن ظروف الناس، ولا عن أحوالهم .. بل هي تُعالج هذه الأحوالَ في إطار الشرعِ الُمطهَّر، تحت ظل الحكمة البالغة.
(1) راجع صحيح مسلم (1406)، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 204).