الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والقنوات، وتوظيف برامج علمية وفقهية خاصة بالعامة، وأن يقلل من الدروس التخصصيّة، لأنها ليست من باب الدعوة إلا قليلا، فإن مقامها طلبة العلم في الجامعة والمسجد، ومعظم مشاهدي الفضائيات من العوام الذين سينصرفون عن هذه الدروس، ولا يستفيد منها إلا قلة قليلة من الناس، إلا إذا استطاع المحاضر بأسلوبه أن يبسط المعلومة، ويجذب بعباراته العامة.
والداعية الحكيم، هو الذي يكلم المدعوين بما ينفعهم، مما يناسب مستواهم العلمي، وعلامة الحكمة في ذلك: أن ينصتَ معظم المدعوين، وأن ينتفعوا بما يسمعون.
فإذا كان الناس لا يعرفون أحكام الأركان الخمسة، فهل من الحكمة أن يجول الداعية بالمدعوين في تفصيلات عقدية أو فقهية، لا يفهمونها، وإن فهموها فهي لا تنفعهم في حياتهم العامة.
ومما لا يخف؛ أن للجاهل في الشريعة حكماً، وللعالم بالأمر
…
-وهو يخالفه- حكماً آخر.
المطلب الثاني: صور من السنة النبوية
في ذلك لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال المدعويين العلمية فمن ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، وكشف عورته فيه، وقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقعوا فيه .. لا شك أن تصرُّفَهم هذا ليس من الحكمة، لأنهم لم يُقدِّروا حالته من جهتين: حال كونه جاهلاً، وحاله -وقتئذ - وهو حاقن، يريد أن يبول .. ولكن خير الدعاة وسيد الحكماء عليه الصلاة والسلام، أدرك حاله من الجهل، وأدرك أنه -ساعتئذ- في حالة خاصة، أما الجهل:
فدواؤه التعليم .. وأما الحالة الخاصة -التي كان عليها-: فعلاجها التأخير حتى يفرغ من بوله، ولو كان في المسجد، ولو كان كاشف العورة، لأن مفسدة قطعه من بوله أعظم من مفسدة ما يفعل. فضلاً عن أنه لن يستوعب ما سيقال له.
لذلك بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعالجة حاله، ونهى الصحابة أن يتعرضوا له، بل منعهم من أن يقطعوا عليه بوله، فقال:((لا تُزرِمُوه)).
ثم ما إن انتهت حاله هذه، إلا وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعالجة حاله الأصلية، وهي الجهل، فبدأ يُعلِّمُهُ بكل رِفق، وبكل سهولة، حتى قال الأعرابي قولته المشهورة، التي أضحكت رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحداً)) (1).
فانظر -يارعاك الله- إلى أثر مراعاة أحوال المدعويين، في محبة الداعي، وقبول دعوته.
وتكلم معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه في الصلاة، وكان لا يعلم أن الكلام قد حُرِّم فيها، فما إن انتهت الصلاة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). (2)
(1) تقدم ص (135).
(2)
رواه مسلم (537).
فقال معاوية رضي الله عنه وهو يصف ما خرج به من انطباعٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. (1)
ومع هذا الرفق بمن لا يعلم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا اُنتهكت حرمات الله ممن يعلم.
فقد طلق ابن عمر زوجته، وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيَّظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:((ليراجعها ثم يمسكها حتى تَطْهُر، ثم تحيض فَتَطْهُر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله)). (2)
حاجة دعاتنا إلى هذا الفقه:
ألقى أحد الدعاة -في إحدى الدول الأوروبية- محاضرة في صفات الله، فكان مما قال:(إن أهل العلم اختلفوا في عدد أصابع الله، هل هي خمس أصابع أو ست .. ؟ وأن رواية الدارقطني فيها: كذا وكذا، ولكن العلة: كذا وكذا).
والناس الحضور من الجهل بمكان، لا يعرفون أركان الإسلام من أركان الإيمان، ولا يمكنهم أن يستوعبوا ما يقال، بل ربما دفعهم هذا إلى التشكيك، واتهام الداعية بالتجسيم، فضلاً عما عليه معظمهم من الذنوب والفسوق.
(1) رواه مسلم (537)، ومعنى كهرني: انتهرني [شرح النووي على مسلم 5/ 20]
(2)
رواه البخاري (4908)، ومسلم (1471).
وأطال وأسهب .. وبدأ الناس يتلفتون .. ماذا يقول الداعية؟ ! ؟ ! .. وبدأت إدارة المسجد تفكر بمخرج من هذه المشكلة، فلا الموضوع يناسبهم، ولا المسألة تفيدهم، إن لم تك تضيعهم أو تنفرهم، وربما أحدث فتنة كبيرة بينهم.
ثم تدخَّل أحد الدعاة، فأنقذ الموقف .. وتكلم عن صفات الله بما يتناسب وَوَضْع المدعوين مما هم فيه من الذنوب، وأَثَرِ الإيمان بهذه الصفات في الرجوع إلى الله. (1)
وهكذا كان خطاب الداعية الثاني، بما يناسب مداركهم العقلية، ومستوياتهم العلمية، وحالاتهم الواقعية، فهم لا يدركون مصطلح الحديث، ولا يناسبهم الكلام في الخلافات الفرعية الدقيقة .. وإنما الذي يناسبهم ويحتاجون إليه هو التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، وهم بحاجة إلى معرفة أركان دينهم، قبل حاجتهم إلى شيء آخر.
فكم نحن بحاجة إلى إعادة النظر في خطابنا الدعوي.
(1) ولولا فضل الله أن قدر حضور أحد الدعاة، الذي أنقذ الله به الموقف لكانت فتنة عظيمة .. ونظراً لأهمية هذه المواقف، أذكر كيف استطاع الداعية الثاني، أن يخرج الجميع من هذا المأزق بالتدرج من فقرة إلى فقرة .. دون أن يشعرهم، ودون أن يخدش شعور المحاضر .. فقام متدخلاً لصالح المحاضر، مدعياً المداخلة والمشاركة في ذلك، فمما قال: لا شك أن ما يدعو إليه المحاضر هو الحق، من إثبات صفات الله تعالى، وكيف لا نثبت أن الله كريم رحيم بعباده .. ؟ ! وكيف لا نثبت أن الله غفور تواب على عباده
…
؟ ! ونحن مذنبون نحتاج إلى أثر هذه الصفات من الله .. ثم فصل في أثر هذه الصفات في التوبة، وغفران الذنوب، والإقبال على الله، وتكلم عن صفة السمع والبصر لله .. وأنه يرانا .. ويسمعنا .. إلخ {وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً} [الإسراء: 17] وانتهى الموقف على خير مايرام، ففرحت إدارة المسجد، واستفاد المدعوون، ونسوا ما كان من المحاضر الأول، وخرج المحاضر الأول بماء الوجه، إذ لم يخدش شعوره بشيء، فالله نسأل الحكمة والقبول.
الخلاصة:
إن على الداعية الحكيم أن لا يتكلم إلا بعد أن يعلم مستوى المدعوين العلمي، وحاجتهم الدينية، ويكلمهم بما يناسبهم، والله الهادي إلى الحكمة والسداد.