الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا عاش الصالحون في ربوع الأمن قروناً، حتى إذا ما أعرضوا عن الدعوة أعرض الله عنهم، فانتشر الفساد، وحل الظلم .. وعمت الفوضى .. فكان ما كان. إلامارحم الله.
الأثر الرابع من آثار الدعوة إلى الله: حلول الخيرات، ونزول البركات (الرحمات):
فضلاً عما تحدثه الاستجابة لدعوة الله مما ذكر سابقاً، من سلام وأمان، وصلاح بين العباد، وحفظ للأموال والأعراض والأنفس.
فضلاً عن هذا كله، فإن الله وعد المستجيبين لهذه الدعوة، بأن ينزل عليهم الخيرات، ويجعل لهم في أموالهم البركات.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ وَلَكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . [الأعراف: 96]
وقال سبحانه: {وَأَلّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مّآءً غَدَقاً} الآية. [الجن: 16]
قال ابن كثير: ((فكلما أقيم العدل، كثرت البركات والخير، ولهذا ثبت في الصحيحين: أن الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)) (1).
وقال نوح خلال دعوة قومه إلى الله، وحثهم على الاستجابة لها: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً*
(1) تفسير ابن كثير (3/ 445)، والحديث أخرجه: البخاري (6512)، ومسلم (950).
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً}. [نوح: 10 - 12]
قال ابن كثير: ((وإذا تركت المعاصي كانت سبباً في حصول البركات من السماء والأرض)) (1).
وقبول الدعوة يعني: نزول الرحمة .. فما بعث الله الرسل، وما حملهم من دعوة إلا رحمة عامة للناس، ورحمة خاصة بالمستجيبين لدعوتهم.
قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} . [الأنبياء: 107]
وقال سبحانه: {إِنّ فِى ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} . [العنكبوت: 51]
وقال: {هَذَا بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} . [الأعراف: 203]
وقال تعالى حاكياً عن نبيه نوح: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رّبّكُمْ عَلَىَ رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتّقُوا وَلَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} . [الأعراف: 63]
وكان ينالُ المسلمين جائزةُ ربهم، كلما استقاموا على الطريق، ويفيض المال حتى لايجد المسلمون في كثير من البقاع من يقبل الصدقة لغناهم، وقد أمر عمر بن عبد العزيز أن يصرف الفائض في مرافق المسلمين العامة، كبناء محطات للمسافرين، وتسهيل الطرق (2).
(1) تفسير ابن كثير (3/ 445).
(2)
ملامح الإنقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبدالعزيز (85 - 127)
ولأول مرة في تاريخ البشرية، يعطى أهل الذمة سلفا لتنمية زراعتهم (1).
الأثر الخامس من آثار الدعوة إلى الله: انتشار الإخاء والسلام، والأمن بين الأنام.
من أعظم آثار الدعوة إلى الله والاستجابة لها: انتشار الإخاء والمحبة، والرحمة والتعارف، والتعاون والأمان، والسلام بين العباد.
وبعبارة أخرى: انتشار الدعوة بين الأمم والشعوب، وقبولهم بها، يوحد هذه الأمم، ويجمع هذه الشعوب، على راية واحدة، وفي صف واحد، فيصبحوا إخوة متحابين، لا ضغينة بينهم ولا عداء، بل محبة وسلام وإخاء.
ففي مقام التعاون:
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. } الآية. [المائدة: 2]
وفي مقام الرحمة بين العالمين:
قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} . [الأنبياء: 107]
وقال صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (2)
(1) المصدر السابق (136)
(2)
أخرجه أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي مقام التعارف بين البشرية:
قال تعالى:
{يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَا
…
} الآية [الحجرات: 13]
وفي مقام المحبة بين العباد قال تعالى:
{إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّاً} . [مريم: 96]
وقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِين} . [المائدة: 54]
وفي مقام الأخوة:
قال تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} . [الحجرات: 10]
وقال صلى الله عليه وسلم: ((وكونوا عباد الله إخواناً)). (1)
وفي مقام السلام العزيز، قال تعالى:
{وَإِن جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ .. } الآية [الأنفال: 61]
وإن من أكبر الشواهد على صدق هذا، ما حققته الدعوة الإسلامية حين انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، من تعارف هذه الشعوب، مع تباعد أقطارها، وانفتاح بعضها على بعض، مع تنافر
(1) أخرجه البخاري (6064)، ومسلم (2564).
طباعها .. وتآلف بعضها مع بعض رغم اختلاف ثقافاتها .. ثم اتحادها فيما بينها رغم تفاوت أجناسها وألوانها.
فانقلب ما كان بينهم من تطاحن ودماء، إلى محبة وإخاء، وأصبحوا عباد الله إخوانا، يُعلّم بعضهم بعضا، ويدافع بعضهم عن بعض، بعد أن كانوا أعداء، يقتل بعضهم بعضا.
قال تعالى: {وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرْضِ جَمِيعاً مّآ أَلّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ} . [الأنفال: 63]
فهذا الإمام أبو حنيفة النعمان إمام الفقه، والناس في مشارق الأرض ومغاربها عالة عليه في ذلك، وهو ليس بعربي، يتبعه العرب والأعاجم على اختلاف أصولهم.
وهذا الإمام البخاري من بخارى، وهي من أبعد البلاد عن العرب، أصبح إمام الثقلين في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذ منه العرب قبل العجم، ولا غنى للأمة البتة عن كتبه.
وهذا القائد طارق بن زياد البربري، كان قائداً للعرب ولقومه.
وما كان لهؤلاء تلك المنزلة إلا بعد قبولهم لدعوة الإسلام.
وغير هؤلاء ألوف مؤلفة أصبحوا علماء، وقادة، وأمراء، متعاونين متآلفين، بعد أن كانوا من بلاد شتى متنافرين، ومن أصول مختلفة متحاربين.
وأما تلك الشعوب التي تعد بألوف الألوف .. المتنافرة وفي كل شيء، في أصلها، ولغتها، وثقافتها، ودينها .. أصبحت -بعد أن انتشرت الدعوة