الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا تسأل بعد حلول العدل في الناس عما يكون في نفوسهم من الطمأنينة في القلوب، والسكينة في النفوس، والإحساس بالمتعة العظيمة.
فضلاً عما يكون بينهم من التآلف والتسامح، فإن العدل من أوثق روابط المجتمعات، وأقوى لبنات البناء فيما بين الناس، وفيما بينهم وبين حكامهم.
ولا أدل على هذا؛ مما حصل في الفتوحات الإسلامية، من تدافع الشعوب نحو الإسلام، لما رأت من عدل الإسلام ما رأت .. فدفعها هذا إلى الدخول في الإسلام أفواجاً، إيماناً بالعقيدة الصحيحة، ورغبة بما في الإسلام من العدل، وتخلصاً مما كانوا فيه من الظلم .. فقِصَصُ ظلم حكامهم قبل الإسلام مشهورة، وقضايا أمراء المسلمين وقضاتهم في العدل ومع غير المسلمين، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصى، وقد ذكرها الكثير من علماء المسلمين في مواضع كثيرة (1).
والمقام ليس مقام تفصيل، وذكر حكايات.
الأثر الثالث من آثار الدعوة الى الله: نشر الصلاح والوقاية من الفساد، واتقاء النقمات
.
مما لا ريب فيه: أن من أعظم آثار الدعوة إلى الله نشر الإصلاح بين الناس، وكبح جماح الفساد في الأرض.
(1) راجع حلية الأولياء، لأبي نعيم (4/ 140)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (42/ 487)، وأخبار القضاة لمحمد بن خلف المشهور بوكيع (2/ 194 - 195).
لذلك حث الإسلام على الصلاح والإصلاح عامة، ونهى عن الفساد والإفساد عامة.
قال تعالى: {يَأَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} . [المؤمنون: 51]
وقال سبحانه: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ} الآية. [الأعراف: 56]
وقال: {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ .. } الآية. [القصص: 77]
وأعظم الله تعالى المواكبين لدعوتهم بالعمل الصالح، فقال سبحانه:
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنى مِنَ الْمُسْلِمِينَ .. } الآية. [فصلت: 33]
ورتب الله أجراً عظيماً على الإصلاح بين الناس، كلِّ الناس، دون النظر إلى أصولهم، أو أنسابهم، أو ألوانهم.
قال سبحانه: {لاّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ .. } . [النساء: 114]
وجعل للصالحين إرث الأرض في الدنيا، فقال تعالى:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].
وجعلهم ورثة الجنة في الآخرة، قال تعالى:{وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوّأُ مِنَ الْجَنّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74]
قال سبحانه: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنّهُمْ مّنَ الصّالِحِينَ} . [الأنبياء: 86]
وقال سبحانه: {إِنّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} . [التوبة: 120]
وكره الله الفساد وأهله، فقال سبحانه:{وَاللهُ لا يُحِبّ الفَسَادَ} . [البقرة: 205]
وقال: {وَاللهُ لا يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ} . [المائدة: 64]
وطلباً للإصلاح، ودفعاً للإفساد، قرر الإسلام عقوبة صارمة لمن يبغي الفساد في الأرض، قال سبحانه:{إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَا أَوْ يُصَلّبُوَا أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدّنْيَا وَلَهُمْ فِى الاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . [المائدة: 33]
ذلك لأن الفساد في الأرض، يجلب الظلم والقهر، ويدفع إلى الاغتصاب، ويضيع الحقوق، ويشيع الفوضى، فُيفقدُ الأمنُ، وتضطربُ المعايشُ. ويهلك الحرث والنسل، فلا يستقر للناس قرار، ولا يهدأ لهم حال، لذلك جاءت هذه العقوبة الصارمة للمفسدين، لكي يرتدعوا.
والإعراض عن الدعوة، يجلب الفساد في الأرض كلها، وانتقام الله عز وجل، بشتى صور الانتقام .. من تسلط الظلمة، وانتشار الأوبئة، وقلة الخيرات، ومحق البركات، وارتفاع الأسعار، ونكد العيش، وتتابع المصائب.
قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ} . الآية [طه: 124]
وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِى عَمِلُوا لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ} . [الروم: 41]
قال ابن كثير: ((الفساد: يعني انقطاع المطر عن البر .. ثم قال: أي: بان النقص في الزروع والثمار، بسبب المعاصي، وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض، فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة)) (1).
وتارة يكون انتقامُ الله مباشراً، بإنزال العذاب بالمفسدين في الدنيا.
قال تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوْتَادِ * الّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} . [الفجر: 10 - 14]
أي: إن الله لبالمرصاد لغيرهم من أمثالهم، قال القرطبي:((أي يرصد عمل كل إنسان، حتى يجازيه به، قاله الحسن وعكرمة)) (2).
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مّأْكُولِ} . [الفيل: 1 - 5]
وتارة يكون بالجوع والخوف.
قال تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} . [النحل: 112]
(1) تفسير ابن كثير (3/ 444، 445).
(2)
تفسير القرطبي (20/ 50)
وتارة يكون انتقام الله من فوق الناس بتسليط الظلمة عليهم، أو بالتفريق والفتن بينهم.
قال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} . [الأنعام: 65]
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: "أما العذاب الذي من فوقكم فأئمة سوء". (1)
ولقد كان كل عذاب ينزل على الأرض بأي صورة من الصور، إنما هو بأفعال الناس الفاسدة، وهكذا الأمر يكون إلى يوم القيامة.
قال تعالى -بعد أن ذكر ما نزل بتلك الأقوام من العذاب لإفسادهم-: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} . [الأعراف: 103، النمل: 14]
ومن أعظم عقوبات الله تعالى بالمفسدين، أنه يمدهم في طغيانهم، ولا يصلح أعمالهم.
قال تعالى: {إِنّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} . [يونس: 81]
فتفسد معيشتهم، ولا يهديهم إلى إصلاحها، كما حصل من أهل مأرب، وما كانوا عليه من عيشة رغيدة، وحياة سعيدة، وتقدم مدني، حتى استطاعوا - وقتئذ - أن يبنوا سداً عظيما، يحيي الله لهم به الأرض بعد موتها
…
فلما أعرضوا عن الدعوة الحق أفسدوا .. فضرب الله عليهم السد، وقطعهم في الأرض أمماً، بما كانوا يفسدون.
(1) أخرجه ابن جرير (11/ 417) من طريقين عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ولأهمية هذا الحدث، نسوق وقائعه من القرآن الكريم، قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدّلْنَاهُمْ بِجَنّاتِهِمْ جَنّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَئٍ مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجْزِى إِلاّ الْكَفُورَ} . (1)[سبأ: 15 - 17]
وكذلك لما عاين فرعون الحق حين الموت، ونطق بكلمة الإيمان، ردّها الله عليه لما كان منه من الفساد من قبل.
قال سبحانه: {آلانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} . [يونس: 91]
وقد يكون العقابُ من الله مكراً باستدراجهم، ومدهم بالمال والقوة:{سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلى لَهُمْ إِنّ كَيْدِى مَتِينٌ} [القلم: 44، 45]، [الأعراف: 183]
(1) معاني بعض مفردات الآيات، سبأ: قبيلة مشهورة باليمن كانت قد بنت سداً عظيماً (سد مأرب).
آية: عبرة وعظة.
فأعرضوا: أي تركوا العمل بدين الله بعدما أنعم عليهم، وسهل لهم الحياة.
سيل العرم: المياه التي دمرت السد.
بدلناهم: أي لما أعرضوا عاقبهم الله بتبديل النعم من بساتين، وثمار طيبة بثمار سيئة، وهي الخَمْط
…
والأثل و
…
أُكل خمط: ثمر مرُّ حامض لا يستساغ.
الأثل: شجر ينبت ثمراً لا يؤكل.
السدر: شجر ينبت ثمراً ولكن حجمه كالعنب، وطعمه قريباً من التفاح الفج، يسمى في بعض البلدان بالعبري والنبق. [راجع: معاني كلمات القرآن]
وقال سبحانه: {أَيَحْسَبُونَ أَنّمَا نُمِدّهُمْ بِهِ مِن مّالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ بَل لاّ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 56]
ولو ذهبنا نتتبع أصناف الفساد، وأنواع العذاب الذي نزل على الأمم في القرآن والسنة لطال بنا المقام.
قال ابن القيم: ((فكل نقص وبلاء، وشر في الدنيا والآخرة، فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها)) (1).
وإذا انقطع الفساد، انقطع الشرك، ودحض الباطل، ومحيت البدع والخرافات، وانقطعت شرور الناس بعضهم من بعض، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وذهاب العقول، وسلب الأموال، وانقطع الشر كله .. فحفظت العقول، وأمنت النفوس، وأحصنت الأعراض، وسلمت الأموال، وانتشر الصلاح والخير كله، وأمن الناس بعضهم بعضاً، وعاشوا في أمان وسلام، وأخوّةٍ ووئام.
وإذا قطع الفساد، أمن الناس عذاب الله، ووقوا انتقامه، فعاشوا في أمن من الله، وأمن من الناس.
قال تعالى: {
…
فَأَىّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوَا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ}. [الأنعام: 8]
ووعد الله الصالحين بإبدال خوفهم أمنا.
قال تعالى: {وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً .. } الآية. [النور: 55]
(1)(مدارج السالكين)(1/ 424).
موجباتها: الموجب: بفتح الجيم: الثمرة، وبكسرها تعني: أن سبب الشرور الذنوب وأسبابها.