الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّىَ الّذِى يُحْيِى وَيُمِيتُ
قَالَ أَنَا أُحْيِى وَأُمِيتُ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ اللهَ يَأْتِى بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الّذِى كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظّالِمِينَ}. [البقرة: 258]
المطلب السادس: الترتيب الدعوي لصور الجدال:
مما يجدر التنبه له؛ أنه في كثير من الأحيان تختلط صور الجدال بعضها ببعض، فتكون محاورة، ثم تتحول إلى مناظرة، ولكن على الداعية أن يبدأ دعوته بالمحاورة .. حتى إذا انقطع أمله في هداية المخالف، وتبينت معاندته، لجأ إلى المناظرة، لقطع حجته، وإظهار باطله. ولدفع الاغترار به.
وبين أيدينا مقطع من أجمل ما جرى من المحاورة والمناظرة بين نبي وكافر، بين موسى عليه السلام وفرعون.
فبعد أن بدأ موسى فيها بالبيان، وسرد الأدلة؛ أراد فرعون أن يخرجه أكثر من مرة عن نقاط البحث، وإثارة القضايا الشخصية، ولكن موسى صلى الله عليه وسلم كان متنبهاً لذلك، فكان كلما حاول فرعون الخروج والتفلت، رده موسى إلى نقطة البحث الأولى، ولنستمع إلى هذه المحاورة الجميلة، التي تحولت في آخرها إلى مناظرة وتحدٍ.
{قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (خروج عن نقطة البحث، بإثارة الماضي)
قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالّينَ * فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنّهَا عَلَىّ أَنْ عَبّدتّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (اعتراف بالحق، وإزالة للشبهة)
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبّ الْعَالَمِينَ (استهزاء واستنكارًا)
قَالَ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مّوقِنِينَ
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (استخفافاً واستنكار للحق)
قَالَ رَبّكُمْ وَرَبّءَابَآئِكُمُ الأوّلِينَ (استمرار بالبيان وعدم الالتفات إلى الإشغال)
قَالَ إِنّ رَسُولَكُمُ الّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (خروج عن نقطة البحث بالتهم الزائفة)
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (استمرار بيان الحق، وعدم الرد على التهم الشخصية)
قَالَ لَئِنِ اتّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِى لأجْعَلَنّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (تهديد بالسلطان)
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَئٍ مّبِين (دفع بالأدلة)
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ (متحدياً)
فَأَلْقَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنّاظِرِينَ (الحجة الدافعة)
قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (تحريش وكيد)
قَالُوَا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مّعْلُومٍ
وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنتُمْ مّجْتَمِعُونَ * لَعَلّنَا نَتّبِعُ السّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمّا جَآءَ السّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنّ لَنَا لأجْراً إِن كُنّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنّكُمْ إِذاً لّمِنَ الْمُقَرّبِينَ*
قَالَ لَهُمْ مّوسَىَ أَلْقُوا مَآ أَنتُمْ مّلْقُونَ (تحدياً واطمئناناً)
فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيّهُمْ وَقَالُوا بِعِزّةِ فِرْعَونَ إِنّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ
فَأَلْقَىَ مُوسَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (انتصار الحق وهزيمة الباطل)
فَأُلْقِىَ السّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواءَامَنّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 18 - 47](اعتراف بالحق، وتسليم له).
وفي هذه المحاورة البديعة -في هذه السورة وغيرها-، التي تحولت في آخرها إلى مناظرة، فوائد جليلة، ونكت بديعة، ليس هاهنا محلها، ولكن نظراً لأهميتها، وما تعود به على الدعاة من ثمار طيبة، نوجز بعضها لأهميته:
الأولى: البدء بالبيان.
بدأ موسى عليه الصلاة والسلام محاورته بالبيان، وأنه وأخاه رسولا رب العالمين.
الثانية: عدم انسياق موسى وراء ما يثيره فرعون، مما ليس هو محل المحاروة.
فقد اعترض عليهما فرعون - بما لا يعترض به-بقوله: {قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: 18]. إشغالاً لهما عن نقطة البحث، وهي إثبات الربوبية لله.
ثم ذكّره بقتل الرجل: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الّتِي فَعَلْتَ
…
} [الشعراء: 19].
فتنبه موسى عليه السلام إلى المكر، وبادره بالاعتراف، حتى لا يضيع الوقت في ذلك، فالوقت ثمين، والموقف لا يسمح بضياع شيء منه، {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالّينَ} [الشعراء: 20].
فقطع موسى بذلك الطريق على فرعون، كي لا يخرج عن الموضوع، وحتى لا يحول المحاورة إلى قضايا شخصية.
ثم رد على شبهته في مسألة تربيته باختصار {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنّهَا عَلَيّ أَنْ عَبّدتّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22].
أي: هل تعادل نعمة تربيتك لي، بالإساءات والأذيات لبني إسرائيل، أوَ تريد أن تستر ظلمك، وتعبيدك بني إسرائيل، بتربيتك لي، وبعبارة أخرى: أتذكر وتمن علي بتربيتك لي، وتتناسى ظلمك واستعبادك لبني إسرائيل (1).
الثالثة: عدم انشغال موسى عن الدعوة إلى الله، بالدفاع عن نفسه.
(1) ماذكرته فحوى كلام المفسرين:
راجع تفسير ابن كثير (3 - 345)، وتفسير الشوكاني (4/ 138)، وغيرهما، عند تفسير هذه الآية.
فلما فشل فرعون في إشغال موسى والحضور بإثارة الماضي، لجأ إلى الاتهام المباشر، وحاول السخرية من موسى واتهامه بالجنون.
فلم يعبأ موسى بمثل هذه الاتهامات، لأن فرعون أُسقط في يديه، فلا حاجة بعد ذلك للرد على الأمور الشخصية، فالقضية أكبر، والوقت أثمن.
فاستمر موسى في بيانه، وفي عرض أدلته .. فلما استهزأ فرعون به قائلاً {وما ربُ العالمين} .
كان جواب موسى: {رَبّكُمْ وَرَبّءَابَآئِكُمُ الأوّلِينَ} [الشعراء: 26].
ولما اتهمه فرعون بتهمة الجنون، أجابه موسى:{رَبّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28].
الفائدة الرابعة: عدم الخوف من التهديد:
لما عجز فرعون عن إشغال موسى، وإخراجه عن نقطة البحث، والتدليس على الحضور، وخسر الجولة، بادر إلى التهديد، تعويضاً عن الخسارة، ورداً للاعتبار.
قال (فرعون): {لَئِنِ اتّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِى لأجْعَلَنّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29].
فلم يلتفت موسى إلى هذا التهديد.
ولفت نظر الخصم والحضور إلى: أن المسألة مسألة علم ودليل وبيان، لا مسألة سجن وتهديد وطغيان.
ورد عليه بسلاح الحجة، وسهام الآيات، فانتقل به إلى المناظرة المادية، وإقامة الحجج الواقعية.