الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس الداعية والوسائل وتطورها، وقواعد استخدامها الفنية:
ثمة أمور فنية لاستخدام الوسائل، تزيد من فاعليتها، وتوسع من أثرها .. وتُذهب سلبياتها.
ففضلاً عمّا سبق من البيان، والتفصيل، في ضوابط استخدام الوسائل، ينبغي للداعية أن يراعي - عند استعمالها - ما يلي:
أولاً: عدم التقصير في استخدام الوسائل المتاحة والمتنوعة، والنافعة، طاعة لربه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وخدمة لدينه، ونشراً لدعوته.
ثانياً: أن تكون الوسيلة مناسبة لزمانه، ومكانه، وللمدعوين.
من المهم للداعية؛ أن تكون الوسيلة مما يتناسب وزمانه، ويتواءم ومكانه، ويتواكب وثقافة المدعوين، فلا يستخدم وسيلة فوق مداركهم، ولا دونها .. ولا مالا يناسب بيئتهم.
ثالثاً: أن تكون بسيطة واقعية، غير متكلف فيها، وإلا انقلبت إلى غاية.
كما ينبغي أن لا يغادر ذهن الداعية: أن الوسيلة هي وسيلة، وليست غاية .. وأنها لأداء دور لا تتعداه، لا أن تصل إلى منهج الدعوة، أو تؤثر في مضامين التبليغ، أو تشغله عن الدعوة.
لذلك لا ينبغي التكلف بها، حتى لا تشغل عن المقصود، وأن تكون بسيطة التركيب، ومن واقع البيئة، فقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما مر سابقاً - الرمل والحصى، والجدي، والخشب، كل هذه وسائل من بيئته لم يتكلف في صنعها .. ولم يقصر في استخدامها.
فمثلاً لا تزخرف اللوحات الدعوية، ويتفنن في خطها إلى درجة لا تكاد تقرأ (1).
وكذلك؛ التمثيليات المشروعة، فإن المقصود منها توضيح المقصود الديني، وزيادة ترسيخه في الأذهان، فلا ينبغي أن تصرف عليها الأموال، وأن تكرر الأدوار، وتركز الأنوار، وتضيع الأوقات، ويسرف في الألبسة والتزيين، فتكون مفاسدها والحال هذه أكثر من المصلحة المتوخاة منها، وكذلك ما يفعله بعض المسلمين، في المنابر، والقبب، والمآذن .. من التكلف بها حتى يخرجها عن المقصود.
رابعاً: مواكبة تطور الوسائل.
إن من حكمة الداعية وفطنته، أن يواكب تطور الوسائل، وبخاصة في هذا العصر، وأن لا يتخلف عن ركبها واستعمالها، لما لها من أثر كبير في توسيع إطار الدعوة وتوضيحها، بل عليه أن يبتدع فيها، وأن
(1) قد رأيت - مرة - لوحة قد كُتبت باللغتين العربية والإنجليزية، فلم أستطع أن أميز بعض الحروف العربية، فلجأت إلى الحروف الإنجليزية فتبين لي المقصود من الحروف العربية! ! ؟ ! !
يُبدع في استخدامها ما استطاع، فإن عجلة القطار إذا سارت لا ترحم من صادمها، ولا تنتظر من تأخر عنها.
ولقد تراجع كثير من الذين كانوا يستنكفون عن استخدام بعض الوسائل؛ كالإذاعة، والرائي، والفضائيات، لما أحسوا بخطورة هذا التخلف عن هذه الوسائل، وسارع كثير منهم إلى استعمالها، بعد ما كانوا ينتقدون من استعملها.
وليس من المبالغة في شيء أن يقال: إن للمسلمين القِدْح المُعَلّى، وقصب السبق في استخدام الوسائل عبر تاريخهم الطويل، لخدمة دينهم، ونشر دعوتهم.
فلا أدل على ذلك من استخدام المسلمين لكل آلة حدثت، مما يمكن استخدامها لخدمة الدين، ونشر الدعوة، وبخاصة في هذا العصر، كالفضائيات، والشبكة العالمية (الإنترنت)، والبرامج الحاسبية، ولا يوجد برامج دينية على وجه الأرض خدمت الدين، كما هو الحال في البرامج العلمية الإسلامية، كموسوعة التفسير، وموسوعة الحديث، وموسوعة الفقه، وبقية الموسوعات.
خامساً: الموازنة بين الأثر والبذل.
من بصيرة الداعية - قبل أن يُقبل على استخدام وسيلة ما -؛ أن يتفطن لأثرها، وكلفتها المادية، والوقتية، وأن يوازن بين الأمرين، بين بذل الوقت والمال والجهد، وبين أثرها.
فتسجيل المحاضرات على أشرطة سمعية، لا يكلف شيئاً في هذا الزمان، مقابل أثرها النافع.
ولكن؛ صُنع منبر كبير مرتفع مزخرف .. أو بناء مئذنة ضخمة عالية .. أو مسرح كبير مُكلِّف .. ليس لهذه الوسائل أثر يعادل ما يبذل فيها، من وقت وجهد ومال.