الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن فقه الأولويات؛ يمنح الداعية بصيرة في دعوته، وتوفيقاً في تصرفاته، ويحفظ عليه وقته وطاقته .. ويعطيه رؤية واضحة في المنهج بعامة، وفي الدعوة بخاصة.
وسنتعرض إلى أولويات الدعوة، وأدلة ذلك تفصيلا ضمن الكتاب، وإنما المقصود هاهنا - كما أسلفنا- التنويه لا التفصيل، والتذكير لا الإسهاب.
المطلب الثالث: فقه المقاصد:
إن للشريعة الإسلامية الغراء غايات عظيمةً، ومقاصدَ نبيلةً؛ مقاصد عامة .. ومقاصد خاصة في كل حكم من أحكامها، وفي كل فرع من فروعها؛ فرع القضاء .. فرع الحسبة .. فرع البيوع .. ومن أهمها؛ مقاصد الدعوة إلى الله تعالى.
قال الشاطبي: ((لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع، لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع)) (1).
ومن فَقَدَ فقه المقاصد، تخبط في منهجه، وأفسد في دعوته.
فمن مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله تعالى هداية العباد، ورحمتهم، لا محاسبتهم وكشف عوراتهم.
ومن مقاصد الشريعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إتيان المعروف، والانتهاء عن المنكر، لا مجرد الأمر به، والنهي عنه، فلو تحقق ذلك بأي أسلوب مشروع، كان ذلك هو المقصود.
(1) الموافقات (1/ 41).
ولذلك لم يحدد الإسلام أسلوباً معيناً في الدعوة، والأمر، والنهي، ولم يعين وسيلة خاصة بها، ولم يلزم أحداً من ذلك بشيء، بل ترك الباب مفتوحاً، في حدود تحقيق المقاصد ضمن إطار الإسلام العام.
ونجد هذا واضحاً في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه: في الجهاد مثلاً، فمقصد الجهاد: هداية العباد، ودفع الصاد عن سبيل الله، وليس المقصد، قتل العباد .. وانتهاك الحرمات، وترويع الآمنين، ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الابتداء بقتالهم قبل دعوتهم، ونهى عن قتل الشيوخ والنساء والأطفال والرهبان (1)، وأمر بمقاتلة الذين يقاتلون، ويصدون عن سبيل الله ويعتدون، وحرم: الظلم والاعتداء، على أي كان، ولو حيواناً، وهذا تفسير عملي لقوله تعالى:{وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوَا إِنّ اللهَ لا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} . [البقرة: 190]
كما يفسر هذا جلياً؛ ما جرى مع ابن تيمية وبعض العلماء الذين كانوا معه، حين رأوا قوماً من التتر يشربون الخمر خارج دمشق، فأنكر العلماء عليهم، فأنكر ابن تيمية على العلماء إنكارهم هذا، وقال:((إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال فدعهم)) (2).
فانظر إلى هذا الإمام كيف نظر إلى مقصد تحريم الخمر .. فأصاب -بهذا الفقه- مصالح، ودفع مفاسد.
(1) البخاري (3015)، ومسلم (1744)
(2)
إعلام الموقعين (3/ 16)