الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة، رفعه الله إلى السماء من أرض مصر، فهو الآن فيها، والعامة تزعم أنه مات بمصر، وأن أحد أهرام مصر قبر شيث، والآخر قبر ادريس عليهما السلام (37).
وبأرض مصر ثمانية عشر أهراما، قيل في كل واحد منها قبر ملك من ملوكها، البعض قبل الطّوفان، والبعض بعده، كذا قيل، وفي أمرها اختلاف كثير، والله أعلم.
وفي الخبر النبوي أن ادريس هو الياس، وقيل ينزل مرّة أخرى كما ينزل عيسى عليه السلام قال مشايخ الصّوفية: له جولان في الأرض، وقطبيّة برّيّة، مع خلافة محمديّة كما للخضر أخيه قطبيّة بحرية، وبينهما اجتماع برا وبحرا، عند سد ياجوج وماجوج، وفي مكة وعرفات، كما ورد في أحاديث أوردها السّيوطي - رحمه الله تعالى - في «الجامع الصغير والجامع الكبير» وتواترت عليهما أخبار الصّوفية كشفا ومشاهدة واجتماعا بهما، كما ذكر ابن العربي في «الفتوحات / المكية» .
وبعد الطوفان أول ملوك مصر هو مصر بن حام بن نوح عليه السلام، وهو أبو القبط كلهم، وبه سمّيت تلك البلاد، وبعث هود عليه السلام في زمنه فدعاه إلى التّوحيد فما آمن، فهو أول الفراعنه بعد الطوفان.
إبراهيم وإبنيه:
ومن الفراعنة فرعون ابراهيم عليه السلام قال الثّعلبي في كتاب «العرائس» (38) من قصص الأنبياء، لما نجّى الله خليله ابراهيم من نار النمرود، وآمن به من آمن، خرج مهاجرا إلى ربّه، وتزوج ابنة عمه سارة، وسار ومن معه فقدم إلى مصر، وبها فرعون الفراعنة الأولى (39)، وكانت سارّة من أحسن النساء، وكانت لا تعصي ابراهيم، وبذلك أكرمها الله تعالى، فأتى ابليس إلى فرعون وقال له: إن ههنا رجلا ومعه امرأة من أحسن النساء، فأرسل الجبار إلى ابراهيم عليه السلام فقال له: ما هذه المرأة منك؟ (40)
(37) أخذ بعض ما قاله عن أدريس من قصص الأنبياء للثعلبي، ص:37.
(38)
وقعت الإشارة إليه، وللتذكير الكتاب هو: قصص الأنبياء المسمى بعرائس المجالس، وعن قصة ابراهيم وسارّة وفرعون مصر أنظر: قصص الأنبياء ص: 61.
(39)
الكامل 1/ 100 قال ابن الأثير بعدها: «كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عولج، بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح» .
(40)
في ت: «ما تقرب هذه المرأة» .
فقال: هي أختي، وخاف إن قال هي امرأتي أن يقتله، فقال له: زينها وأرسلها إلي، فرجع إبراهيم إلى سارة فقال لها: إن هذا الجبّار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فإنه ليس مسلم في هذه الأرض غيري وغيرك، ثم أقبلت سارّة إلى الجبّار وقام ابراهيم يصلّي وقد رفع الله الحجاب بين ابراهيم وسارّة، ينظر إليها منذ أن فارقته إلى أن / عادت إليه، اكراما له وتطييبا لقلب ابراهيم عليه السلام فلما دخلت سارة على الجبار ورآها، دهش في حسنها، ولم يملك نفسه أن مدّ يده إليها، فيبست يده على صدره، فلما رأى ذلك أعظم أمرها، فقال لها:
سلي ربّك أن يطلق يدي عليّ فو الله اني لا أوذيك فقالت سارة: اللهم إن كان صادقا فاطلق يده، فأطلقها الله تعالى، فوهب لها هاجر، وهي جارية قبطيّة جميلة، وردها إلى ابراهيم، فأقبلت إلى ابراهيم عليه السلام فلما أحس بها انتقل من صلاته، وقال: هيه؟ قالت: كفى الله كيد الفاجر ووهبني هاجر، وقد وهبتها إليك فلعل الله يرزقك منها ولدا صالحا، وكانت سارة قد منعت الولد حتى أيست، فتغشّى ابراهيم هاجر فحملت وولدت له اسماعيل.
وأقام ابراهيم بأرض فلسطين بين الرّملة وإيليا، وهو يضيّف من يأتيه، وقد وسّع الله عليه وبسط له في الرّزق والمال والخدم.
قيل إن فرعون مصر لما وهب هاجر وهب معها تلك الأرض فأقطعها ابراهيم، فبقيت له ولبنيه من بعده، فهو يستطعم ويضيّف منها، فظهر من هذا أن الفراعنة كانت تعظّم الأنبياء، وكانوا يعترفون بملكوت السموات (والأرض)(41) وبه صدر أمر الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - وامتنعوا من تصديق الأنبياء احتجاجا بالكهانة والسحر والنجوم والسيمياء / ودعوا الألوهية ممن يدعيها، إنما هو طغيان وعتوّ واظهار للناس مع الاعتراف في أنفسهم بالعجز والافتقار، ثم إن الله - تعالى - تفضّل على سارّة بأن رزقها اسحاق، وأرسل الملائكة لابراهيم ولها بالبشارة، فرزق ابراهيم اسماعيل من هاجر، واسحاق من سارّة.
قيل إن اسماعيل واسحاق تهاوشا وتضاربا كما يتهاوش الأطفال، فقالت سارّة:
فرّق بين ابنيك، فأوحى الله إلى ابراهيم عليه السلام أن يأتي بهاجر وابنها إلى مكة، فذهب بها حتى قدم مكة وهي اذ ذاك عضاة وسلم، وموضع البيت ربوة حمراء، فعمد
(41) ساقطة من ت وط.
بها إلى موضع الحجر - بسكون الجيم -، فأنزلهما فيه، وأمرهما أن يتخذا عريشا، ثم انصرف فتبعته هاجر فقالت: أمرك بهذا ربّك؟ قال: نعم. قالت: اذن لا يضيعنا، فرجعت عنه وكان معها شن ماء فنفذ، فعطشت وعطش ولدها، حتى نزلت في الوادي، فغابت عنه فهرولت حتى صعدت الجانب الآخر وهو موضع الصّفاء فرأته واستمرت إلى أن صعدت مكان المروة فما رأت أحدا وتردّدت كذلك سبعا، فعادت إلى ولدها وقد نزل جبريل عليه السلام فضرب موضع زمزم بجناحه فنبع الماء، فبادرت هاجر إليه وحبسته من السيلان كي لا يضيع (42). روي لولا أنها / حبسته لكانت عينا معينا، فشربت وأروت ولدها وقال لها جبريل: لا تخافي الضّيعة فإن هنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، فإن الله لا يضيع أهله».
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي في «تفسيره» (43): لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في جواز طرح ولده وعياله بأرض مضيعة اتكالا على الله العزيز الرحيم، واقتداء بفعل ابراهيم عليه السلام فإنه فعل ذلك بأمر الله اهـ (44). ولأنه قيل إن ابراهيم عليه السلام سخّر الله له البراق، فكان ابراهيم يركبه متى أراد فيتفقدهما ويرجع من ساعته (45).
ثم إنه مرت فرقة من جرهم قبيلة من عرب اليمن كانوا قاصدين الشّام، فاستاذنوا هاجر في المقام معها ليؤنسوها، ويشربون من زمزم على جهة الفضل على أن الماء ماؤها فأذنت (لهم بذلك)(46) ثم شب اسماعيل وتزوج منهم (47) وتكلم بلسانهم لنشأته معهم، فتعرّب وولد من بنات جرهم أولادا يتكلمون بلغة جرهم، فمن ثم يقال لبني اسماعيل:
العرب المستعربة، ويقال لجرهم وقحطان: العرب العاربة، والعرب العرباء، وكان لسان ابراهيم عبرانيا، ولسان اسماعيل عربيا.
(42) عن قصص الأنبياء بتصرف ص: 62 - 63.
(43)
القرطبي، ينقل عنه بواسطة الثعلبي.
(44)
انتهى نقله من قصص الأنبياء ص: 55 - 64.
(45)
في ت: «ويرجع إلى مقره من ساعته» .
(46)
ساقطة من ش وط.
(47)
قصص الأنبياء ص: 63.