الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولاده، فجعل الأمين وليّ عهده بعده، ثم المأمون، ثم المؤتمن (70)، وطوى الرّشيد الملك عن ولده الرابع وهو المعتصم لكونه أمّيا، فأراد الله خلاف ما أراده الرّشيد لكون الخلافة صارت بعد المأمون للمعتصم، وصار الخلفاء بعده كلّهم من نسله، ولمّا كمل عهد أولاده الثلاثة جمع الجموع وأمرهم بمبايعة أولاده المذكورين، فبايعوهم وعاهدوهم، وكتب بذلك عهدا محكما وكتبا مبرما، ووضع الأعيان خطوطهم عليه، وبعد ذلك جهّزه إلى بيت الله تعالى وأمر بتعليقه في وسط الكعبة المشرّفة ليشتدّ الوثوق به ولا يقع في ذلك خلاف (71)، ولم يغن التدبير عمّا سطّره قلم التدبير في لوح المقادير.
ثم إن الرّشيد رأى في منامه أنه يموت بطوس فلمّا وصل إلى طوس غلب عليه الوعد، وعرف أنه ميّت بكى واختار لنفسه مدفنا بطوس، فمات بها (72) وصلّى عليه ولده صالح (73) لثلاث مضين من جمادى / الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة (74). فكانت مدة ملكه ثلاثا وعشرين سنة وشهرين ونصف (75).
محمد الأمين:
فتولّى الخلافة بعده ولده محمد الأمين، فكان وسيما سيء التّدبير كثير التّبذير، ضعيف الرّأي فاتّخذ الخمور واللهو ديدنا، واشترى مغنّية بمائة ألف دينار، وعزل أخاه المؤتمن، وأخاه المأمون، وأرسل إلى الكعبة المعظّمة من جاءه بصحيفة عهد والده لإخوته فمزّقها، وعهد إلى ولد له رضيع سمّاه الناطق بالحق، ودعا له على المنابر فنصحه ومنعه
(70) كان ذلك لما طلب الحج في سنة 186 هـ - 802 م أنظر الطبري 3/ 275.
(71)
(72)
«وتوفي - فيما يذكر - بموضع يدعى المثقّب» الطبري 8/ 345.
(73)
ابن الأثير 6/ 212.
(74)
في الأصول: «سنة إحدى وتسعين» والمثبت من الطبري 8/ 345 ومروج الذهب 3/ 336. وتاريخ الخلفاء للسيوطي 296، في مروج الذهب: «يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادى الآخرة» وفي الطبري: «لثلاث ليال».
(75)
عن اختلاف الأقوال في مدة خلافته أنظر مروج الذهب 3/ 336.
عن هذا الغدر والنكث خزيمة بن خازم (76) فقال له: يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذّبك، ولن يغشّك من صدقك، وإني أنصحك: لا تجر القوّاد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد، فينكثوا عهدك، وإن الغدر شؤم والناكث منكوث مغلوب، وصاحب الحق مظلوم، وجرت عادة الله بنصر المظلوم، وتوجّه القلوب إليه ورقّة النفوس عليه، ولذلك تأثير في الظاهر والباطن! فأبى الأمين ذلك منه، ونبذ كلامه وعمل بسقيم رأيه، وأرسل جيشا مع علي بن عيسى إلى أخيه المأمون عدّتهم أربعون ألفا، وأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين ومعه أربعة آلاف، فانهزم علي بن عيسى وقتل وذبح وشتّتت عساكره، وجاء طاهر بن الحسين برأسه إلى المأمون (77){كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ} (78).
فقوي قلب المأمون بذلك وكثر أتباعه، / ومال النّاس إليه، فجمع الجموع وسار إلى بغداد لقتال الأمين، ولا زال أمر المأمون يزيد لحسن تدبيره وانتقال الناس إليه، وأمر الأمين يضعف لكثرة لهوه وتقصيره ونفور القلوب عنه إلى أن حوصر في بغداد، وتفرّقت عنه جنوده وهربوا منه إلى المأمون، كلّ ذلك والأمين في لهوه وغفلته ولعبه مع جواريه واحتجابه عن أهل دولته (79) إلى أن هجم طاهر بن الحسين، ودخل بغداد فجاء مسرور الخادم إلى الأمين وهو في جنب حوض ماء مع جواريه يصيد معهن السّمك في ذلك الحوض، وكان وضع في أنف كلّ سمكة درّة نفيسة شبّكها بقضبان الذهب، فكلّ من صادت من جواريه سمكة كانت الدّرّة التي في أنفها لها، فرفع الأمين رأسه إلى مسرور فقال له: إن طاهر بن الحسين دخل بعسكره إلى بغداد، فقال له: دعني فإن الجارية فلانة صادت الآن سمكتين (80) وأنا ما صدت شيئا، فرجع مسرور باهتا، وإذا بالجند قد
(76) في الأصول: «حازم بن خزيمة» والمثبت من الكامل 6/ 228. وفي الطبري وفي مروج الذهب: «هرثمة بن حازم» 3/ 389.
(77)
عن محاربة علي بن عيسى وطاهر أنظر مثلا الكامل 6/ 239. والطبري 8/ 390 - 397.
(78)
سورة البقرة: 249.
(79)
عن صفات الأمين أنظر مروج الذهب 3/ 394.
(80)
في ت: «منشفتين» وفي ط: «مشنعتين» والمثبت من الكامل 6/ 245. قال ابن الأثير: «لمّا أتى نعي علي بن عيسى الأمين وهو يصطاد السمك، قال للذي أخبره: ويلك دعني، فإن كوثرا قد صادت سمكتين، وأنا ما صدت شيئا»، وهذا يخالف ما ذكره مقديش من أن طاهر بن الحسين دخل بغداد والأمين يصطاد السمك، فدخول طاهر إلى بغداد وقع بعد ثلاث سنوات من حادثة السمك، إذ تمّت في سنة 198 هـ - 813 - 814 بينما تمّ قتل علي بن عيسى في سنة 195 هـ - 810 - 811 م.