الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم بعد جرهم ابنه المدّان / ثم بعد المدان ابنه نفيلة، ثم بعد نفيلة ابنه عبد المسيح، ثم بعد عبد المسيح نفيلة، ثم عمر بن مضاض، ثم بعده أخوه الحارث بن مضاض مائة سنة، ثم ابنه عمر بن الحارث مائة وعشرين سنة، ثم أخوه البشر بن الحارث، ثم مضاض الأصغر أربعين سنة وجرهم المذكورون هم الذين اتصل بهم اسماعيل النبيء عليه السلام، وقد انقرضوا (54).
وثاني نجبا: أولاد قحطان ابنه يعرب بن قحطان وسيأتي خبره.
ولاية الكعبة:
ثم إن ابراهيم عليه السلام تزوّج بعد وفاة سارّة قطورا بنت يقطن الكنعانية (55) فولدت له ستة أولاد، وولد (56) لاسماعيل بن ابراهيم من زوجته رعلة (57) ابنة مضاض ابن عمرو الجرهمي اثنا عشر رجلا منهم نابت بن اسماعيل، وقيدار (58) ووطور (59)، فلما بلغ اسماعيل مائة وثلاثين سنة مات، ودفن بالحجر مع أمّه عليه السلام فولي البيت بعده نابت بن اسماعيل، ونشر الله العرب من نابت فكثروا ونموا ثم توفي نابت، فتولى البيت بعده جده لأمه مضاض بن عمرو الجرهمي، وضمّ إليه بني نابت بن اسماعيل، وصار ملكا عليهم وعلى جرهم، ونزلوا بقيقعان (60) بأعلى مكّة، وكانوا أصحاب سلاح كثير، ونزل العمالقة بأسفل مكّة، فصاروا إلى رجل منهم ولوه ملكا عليهم يقال له السّميدع، ونزلوا بأجياد، وكانوا أصحاب خيل، وكان الأمر بمكة لمضاض بن عمرو دون السميدع إلى أن حدث بينهما البغي واقتتلوا، فقتل السميدع، وتم الأمر لمضاض بن
(54) المختصر 1/ 73 - 74.
(55)
الطبري 1/ 309.
(56)
النقل عن الأزرقي بواسطة الإعلام بأعلام بيت الله الحرام لقطب الدين النهروالي، مكتبة خياط، بيروت - لبنان 1964، ص:39.
(57)
في الطبري: «السيدة» 1/ 314، وفي تاريخ اليعقوبي:«الحيفاء» 1/ 27.
(58)
كذا في بعض كتب التاريخ، ونص عليها الطبري على أنها صيغة من الصيغ وفي نصه قيدر 1/ 314. وقال اليعقوبي في تاريخه «وهذه الأسماء تختلف في الهجاء واللغة لأنها مترجمة من العبرانية» 1/ 222.
(59)
في الأصول: «أيطور» والمثبت من الطبري 1/ 314 وعن أسماء أولاد اسماعيل كلهم انظر نفس المرجع. وفي الإعلام: «قطور» .
(60)
في الإعلام: «قعيقعان» .
عمرو، وفي ذلك يقول قائلهم: /
[طويل]
ونحن قتلنا سيّد الحيّ عنوة
…
فأصبح فيها وهو حيران موجّع
(وما كان يبغي أن يكون خلافنا
…
بها ملك حتى أتانا السّميدع) (61)
فذاق وبالا حين حاول ملكنا
…
وعالج منا غصّة متجرّع
فنحن عمرنا البيت كنّا ولاته
…
ندافع عنه من أتانا ونمنع (62)
وما كان (63) حقا أن يلي ذاك غيرنا
…
ولم يك حي قبلنا ثم يدفع (64)
وكنا ملوكا في الدّهور التي مضت
…
ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع
ثم نشر الله بني اسماعيل وأخوالهم جرهما، فكانت جرهم ولاة البيت لا ينازعهم بنو اسماعيل لخؤولتهم وقرابتهم، فلما ضاقت مكّة وانتشروا في الأرض، فلا يأتون قوما ولا ينزلون بلدا إلاّ أظهرهم الله عليهم بدينهم، وهو يومئذ دين ابراهيم عليه السلام حتى ملؤوا البلاد ونفوا عنها العمالقة، وكانوا ضيّعوا الحرم، بل حرمة الحرم (65)، ثم أن جرهما استخفوا بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، وأحدثوا فيها ما لم يكن قبل ذلك، فقام فيهم مضاض (66) بن عمرو بن الحارث بن مضاض (67) خطيبا، فقال: يا قوم احذروا البغي، فقد رأيتم من كان قبلكم من العمالقة كيف استخفّوا بأمر البيت، فلم يعظّموه، فسلّطكم الله عليهم فأخرجتموهم، فتفرقوا في البلاد، وتمزقوا كل ممزق، فلا تستخفوا بحق الله فيخرجكم منه. فلم يطيعوه، وقالوا: من يخرجنا ونحن أعزّ
(61) في الأصول: وما كان بغيا أن يكون بها إذا لها ملك حتى أتانا السّميدع والمثبت من الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص: 39.
(62)
في الإعلام: «وندفع» .
(63)
في الإعلام: «وما كان يبغي» .
(64)
في الإعلام: «يمنع» .
(65)
بعدها في ط: «واستحلوها واستخفوا بأمر البيت فأخرجهم الله بعد من أرض الحرم» ، وعن هذا الخبر أنظر اليعقوبي 1/ 222.
(66)
اختصر نسبه. أنظر عن نسبه الكامل اليعقوبي 1/ 222.
(67)
هو «المضاض بن عمرو الجرهمي جد ولد اسماعيل، ولي البيت، ونازع فيه السميدع بن هوبر ثم ظهر عليه المضاض فمضى السّميدع إلى الشام وهو أحد ملوك العمالقة واستقام الأمر لمضاض حتى توفي» اليعقوبي، 1/ 222.
العرب، وأكثر رجالا وسلاحا، فقال لهم: إذا جاء أمر الله بطل ما تقولون. واعتزل / جرهما وأخذ معه بني اسماعيل، فسلّط الله على جرهم خزاعة فحاربوهم واعتزل عمرو مع بني اسماعيل حربهم، فغلبت خزاعة وأخرجت جرهما من الحرم (68)، فاستأذن عمرو خزاعة أن يساكنهم، فأبت خزاعة ذلك وقالوا: من قارب الحرم من جرهم فدمه هدر، وأبقوا معهم بني اسماعيل.
ثم نزلت ابل لمضاض بن عمرو، ودخلت مكة فأخذتها خزاعة، ونحرتها وأكلتها، فتبع أثرها مضاض فوجدها دخلت مكة، فسلك الجبال حتى طلع على جبل أبي قبيس، فتبصّر ابله في بطن الوادي، فرأى الابل تنحر وتؤكل، ولا سبيل إليها، ورأى أنه إن هبط الوادي قتل فولى منصرفا إلى أهله (69) ويقول:
[طويل]
كأنّ لم يكن بين الحجون إلى الصّفا
…
أنيس ولم يسمر بمكّة سامر (70)
وكنّا ولاة البيت من بعد نابت
…
نطوف بهذا البيت والخير ظاهر
(وكنّا لاسماعيل صهرا وجيرة)(71)
…
فأبناؤه منّا ونحن الأصاهر
فأخرجنا منها المليك بقدرة
…
كذلك بين (72) الناس تجري المقادر
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة (73)
…
كذلك عضّتنا السنون الغوابر
وسحّت دموع العين (تبكي لبلدة)(74)
…
بها حرم أمن وفيها المشاعر
بواد أنيس لا يطار حمامه
…
ولا ينفرن يوما لديه العصافر
(وفيها وحوش)(75) لا تراب أنيسة
…
(إذا خرجت منها فما أنت غادر)(76)
(68) اليعقوبي 1/ 238.
(69)
بعدها في ت: «حيرانا من ذلك وهو ينشد ويقول» .
(70)
خلافا لما جاء في النص، نسبت هذه الأبيات لعامر بن الحارث الجرهمي، أنظر المختصر الذي ذكر منها البيتين الأولين، 1/ 105، والقطعة بالأعلام مع أبيات ناقصة ص:14.
(71)
في الأصول: «وكنا لابراهيم صهرا وخيرة» والمثبت من الإعلام بيت الله الحرام ص: 41.
(72)
في الأصول: «ما» والمثبت من نفس المصدر.
(73)
في ط: «بقبلة» ، في ت وش:«بغيظة» والمثبت من نفس المصدر.
(74)
في الأصول «منا لبلدة» والمثبت من نفس المصدر.
(75)
في الأصول: «وفيه الوحوش» والمثبت من نفس المصدر.
(76)
في الأصول: «إذا قربت منه فما أن تغادر» والثبت من نفس المصدر.
فيا ليت شعري هل يعمّر بعدنا
…
(جياد ويقضي سيله والظواهر)(77)
وهل فرح يأتي بشيء نريده
…
وهل جزع ينجيك مما تحاذر /
فانطلق مضاض بمن معه إلى اليمن (78) وهم محزونون على مفارقة مكة، وصارت خزاعة حجّاب بيت الله الحرام (79)، وولاة أمر مكّة، وفيهم بنو اسماعيل لا ينازعونهم في شي، ولا يطلبونه، إلى أن كبر شأن قصيّ بن كلاب بن مرة، فاستولى على حجابة البيت وأمر مكّة، وقالوا: قصيّ أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا بمكة، فكانت إليه الحجابة والوفادة، والسقاية والنّدوة، واللواء والقيادة وهو الذي جمع أمر قريش فسمي مجمّعا، بكسر الميم المشددة، وفي ذلك يقول القائل:
[طويل]
أبوكم (80) قصيّ كان يدعى مجمّعا
…
به جمّع الله القبائل من فهر
هم ملكوا البطحاء مجدا وسؤددا
…
وهم طردوا عنها غزاة بني عمرو
قيل سميت قريشا لاجتماعهم على قصيّ، والتّقرّش هو الاجتماع، وقيل لغير ذلك، واستمرّ بنو قصيّ كذلك إلى زمن ظهور النبيء صلى الله عليه وسلم.
روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: كان بمكّة حيّ يقال لهم العمالقة، كانوا في عز ثروة، وكانت لهم خيل وابل ومواش ترعى حول مكّة، وكانت العضاة ملتفة والأرض مبقلة، وكانوا في عيش رخي، فبغوا في الأرض وأسرفوا على أنفسهم، وأظهروا الظلم والالحاد، وتركوا شكر الله، فسلبوا نعمتهم، وكانوا يكرون الظّل، ويبيعون الماء، فأخرجهم الله من مكّة بأن سلّط عليهم النّمل حتى خرجوا من
(77) في الأصول: «جبال وتمضي سيله والطوائر» والمثبت من الإعلام ص: 41.
(78)
يختلف مع اليعقوبي، ووقع الاشكال لتكرار نفس الإسم، ونورد ما قاله اليعقوبي تفاديا للخلط «فبعد المضاض بن عمرو الجرهمي ملك الحارث بن مضاض، ثم ملك عمرو بن الحارث بن مضاض، ثم ملك المعتسم ابن الظليم، ثم ملك الحواس بن جحش بن مضاض، ثم ملك عدد بن صداد بن جندل بن مضاض، ثم ملك فحص بن عداد بن صداد، ثم ملك الحارث بن مضاض بن عمرو، وكان آخر من ملك جرهم» اليعقوبي: 1/ 222، إذا حسب اليعقوبي الحارث بن مضاض بن عمرو هو آخر من ملك بالبيت من جرهم بينما مقديش يذكر أنه مضاض بن عمرو بن الحارث، ولعل الناسخ قلب الأسماء بالتقديم والتأخير.
(79)
الإعلام: ص: 42 واليعقوبي 1/ 238.
(80)
في الأصول: «أبوهم» والإصلاح من الإعلام ص: 42، وتاريخ اليعقوبي 1/ 240 وتاريخ الطبري 2/ 256 ومن النص فيما بعد.
الحرم (81)، ثم ساقهم بالجدب حتى ألحقهم الله بمساقط رأس آبائهم من بلاد اليمن، فتفرقوا وهلكوا / وأبدل الله بعدهم الحرم بجرهم فكانوا سكانه إلى أن بغوا فيه أيضا، فأهلكوا جميعا اهـ (82).
فظاهر هذا الأثر يقتضي سبق العمالقة على جرهم، وكان مبدأ قصيّ وترقّية أن أباه كلاب بن مرّة تزوّج فاطمة بنت سعد بن سيل (83) فولدت له زهرة وقصيّا، فهلك كلاب وقصي صغير واسمه زيد، فسمي قصيّا، مصغّر قصي، لأنه أبعد عن أهله ووطنه مع أمه لما توفي أبوه، فتزوجها ربيعة بن حرام (84)، فرحل بها إلى الشام، وولدت له رزاحا (85)، فلما كبر قصي وقع بينه وبين آل ربيعة شر، فعيّروه بالغربة، وقالوا له: ألا تلحق بقومك؟ وكان لا يعرف له أبا غير ربيعة بن حرام زوج أمه، فشكا إليها ما عيروه به فقالت له: يا ولدي أنت أكرم أبا منهم، أنت ابن كلاب بن مرّة، وقومك بمكّة عند البيت الحرام (86) فقدم مكة فعرف (له قومه فضله)(87) وقدّموه وأكرموه وكانت خزاعة مستولية على البيت ومكة، وكان كبيرهم حليل (88) بن حبشية الخزاعي بيده [مفتاح](89) البيت الشريف والسدانة فخطب إلى حليل ابنته، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته حييّ (90)، فتزوجها قصي فكثرت أولاده وأمواله، وعظم شرفه، وهلك حليل، فأوصى بمفتاح البيت الشريف لابنته حييّ، فقالت: لا أقدر على السّدانة، فجعلت ذلك لأبي غبشان وكان سكّيرا يحب الخمر، فأعوزه في بعض الأوقات ما يشربه من الخمر، فباع المفتاح / بزق خمر، فاشتراه منه قصيّ، وسار في الأمثال: «أخسر من
(81) أنظر عن العمالقة بالحجاز، المختصر 1/ 98.
(82)
الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص: 43.
(83)
في الأصول: «شبل» والمثبت من الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص: 44، وفي تاريخ اليعقوبي:«بن بسيل الأزدي» 1/ 237.
(84)
في ش: «خزام» وفي ت وط: «حزام» والمثبت من الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص: 44.
(85)
كذا في الأصول وهو الصحيح، في الإعلام:«دواجا» وفي أخبار مكة للأزرقي: «رزاح» .
(86)
وردت هذه القصة في تاريخ اليعقوبي 1/ 237.
(87)
في ت: «فعرف قومه وأتوا إليه وقدموه» .
(88)
في الأصول: «خليل» والمثبت من اليعقوبي 1/ 239 وكذلك بالإعلام للنهروالي ص: 44.
(89)
إضافة من الإعلام للتدقيق.
(90)
كذا في ش وفي اليعقوبي 1/ 239 في ط: «صبي» وفي ت: «صبا» .
صفقة أبي غبشان» (91). فلما صار المفتاح إلى قصيّ، تناكرته خزاعة وكثر كلامها عليه، فاجتمع على حربهم، فحاربهم وأخرجهم من مكّة، وولي قصي أمر الكعبة (92)، وجمع قومه فملكوه على أنفسهم وكانوا يحترمون أن يسكنوا مكة ويعظمونها عن أن يبنوا بها بيتا مع بيت الله فكانوا يكونون بها نهارا فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل، ولا يستحلون الجنابة بمكة، فلما جمع قصي قومه إليه أذن لهم أن يبنوا بمكّة بيوتا وأن يسكنوها، وقال لهم:
ان سكنتم الحرم هابتكم العرب ولم تستحل قتالكم، ولا يستطيع أحد إخراجكم، فقالوا له: أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم حول البيت وفي ذلك يقول قائلهم:«أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا. . .» (93).
وابتدأ فبنى دار النّدوة (94) والنّدوة في اللغة الاجتماع، فكانوا يجتمعون فيها للمشورة وغيرها من المهمات، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش إلاّ فيها، ولا يدخلها من قريش ولا غيرهم إلاّ ابن أربعين سنة، وبنو قصي يدخلونها كلهم، وقسم جهات البيت الشريف بين طوائف قريش، فبنوا دورهم حول الكعبة من الجهات الأربع (95)، وتركوا للطواف (96) ببيت الله مقدارا، وهو المسمى بالمطاف، فاجتمع لقصيّ ما لم يجتمع لغيره / من الحجابة والسّقاية، والرّفادة (97)، والنّدوة، واللّواء، والقيادة - حسبما مر -.
فالحجابة هي سدانه البيت بتولي مفتاحها، والسّقاية سقي الحجّاج كلهم الماء العذب، وكان عزيزا بمكة فيجلب إليها ليسقى الحجاج منه، وينبذ لهم بالتّمر والزّبيب لتقوى حلاوته، فكانت وظيفة فيهم، وأما الرّفادة فإطعام الطعام لسائر الحجاج، تمدّ لهم الأسمطة أيّام الحجّ، وكانت السّقاية والرفادة مستمّرة إلى أيام الخلفاء ومن بعدهم
(91) وفي ت وط: «أحسن» .
(92)
الإعلام 45 واليعقوبي 1/ 239 - 240 وأورد رواية أخرى في صعود قصي إلى ولاية البيت أنظر نفس المرجع ص: 238.
(93)
مطلع بيتين سبق ذكرهما.
(94)
لما ثبت البيت في يد قصي «بنى داره بمكة، وهي أول دار بنيت بمكة، وهي دار الندوة» اليعقوبي 1/ 239 والنقل من الإعلام كما أشرنا.
(95)
اليعقوبي 1/ 239 والطبري 2/ 259.
(96)
كذا في ت، في ش:«للطوائف» ، وفي ط:«الطوائف» .
(97)
في الأصول: «الوفادة» والمثبت من الإعلام ص: 46 واليعقوبي 1/ 241 والطبري 2/ 259. عن قصي ووظائفه أنظر أخبار مكة للأزرقي 1/ 92 - 96 والإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص: 45 - 46، المؤلف ناقل لما في الإعلام.
من الملوك والسلاطين. قال التقي الفاسي (98) رحمه الله: إن الرّفادة كانت أيّام الجاهلية وصدر الإسلام، واستمرّت إلى أيامنا، وهي الطعام يصنع بأمر السّلطان بمنى للناس حتى ينقضي الحج اهـ (99). وأما الآن فقد انقطع ذلك.
وأما اللّواء (100) فراية تعقد إلى محاربة عدو، ويجتمعون تحتها، وأما القيادة فإمارة الجيش إذا خرجوا إلى حرب، فاجتمعت هذه كلّها لقصيّ، فلما كبر سنه، وضعف بدنه، قسّمها بين أولاده، وكان عبد الدار أكبر أولاده، وكان عبد مناف شرف في زمن أبيه. فقال قصيّ لعبد الدار: لألحقنّك يا بني بالقوم وإن شرفوا عليك، فأعطاه الحجابة باسلام مفتاح البيت إليه، وقال: لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تفتحها له أنت، وأعطاه السّقاية واللّواء. وقال: لا يشرب أحد إلاّ / من سقايتك، ولا يعقد لواء لقريش لحربها إلاّ أنت بيدك، وجعل له الرّفادة وقال: لا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلاّ من طعامك، وكانت الرّفادة خرجا تخرجه قريش من أموالها في كل موسم، فتدفعه إلى قصيّ، فيصنع به طعاما للحجّاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وكان قصيّ فرض ذلك على قريش جميعهم وقال لهم: يا معشر قريش، إنّكم جيران الله وأهل بيته وأهل حرمه، وإن الحجّاج ضيفان الله وزوّار بيته، وهم أحق الاضياف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيّام الحج حتى يصدروا عنكم، فجعل قصيّ كل ما كان بيده من أمر قومه إلى عبد الدّار (101)، وكان قصيّ لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه لعظم شأنه، وعز سلطانه.
قال ابن اسحاق: ثم إن قصيّا هلك فأقام على أمره بنوه من بعده، ثم ان بني عبد مناف: هاشما وعبد شمس والمطّلب ونوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدّار من الحجابة واللّواء والسّقاية والرّفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم ولفضلهم، وتفرقت قريش، فكانت طائفة منهم يرون أن بني عبد مناف أحق من بني عبد الدار، وطائفة يرون أن إبقاء بني عبد الدار على ما جعله قصيّ لأبيهم أولى / فأجمعوا على الحرب، ثم اصطلحوا على أن تكون السّقاية والرّفادة لبني عبد مناف،
(98) كذا في ت وط، في ش:«العباسي» والمثبت من الإعلام.
(99)
الأعلام ص: 46 ووردت هذه الأخبار أيضا في تاريخ اليعقوبي 1/ 242.
(100)
يستمر في النقل من الأعلام ص: 46.
(101)
في تاريخ اليعقوبي: قسم قصي المهام بين أولاده ولم يجمعها في يد عبد الدّار. فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزى، وحافتي الوادي لعبد قصي 1/ 241.
والحجابة واللّواء والنّدوة لبني عبد الدار، وتحالفوا على ذلك، فولى الرّفادة والسّقاية هاشم، وكان عبد شمس مقلاّ ذا ولد، وكان هاشم موسرا، وهو أول من سنّ الرحلتين لقريش، (رحلة الشتاء إلى الشام ورحلة الصيف إلى الحبشة)(102)، وهو أول من أطعم الثّريد بمكة، واسمه عمرو، فسمّي هاشما لهشمه الخبز وثرده لقومه.
ثم هلك هاشم بغزّة من أرض الشام تاجرا، فولي السّقاية والرّفادة أخوه المطّلب ابن عبد مناف، فكان ذا شرف وكرم، وكان أصغر من عبد شمس، فتوفي المطلب برومان (103) من أرض اليمن (104)، وتوفي عبد شمس بمكة، وتوفي نوفل بالعراق.
ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقام لقومه ما كانت تقيمه آباؤه من قبله، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، فأحبه قومه وعظم خطره فيهم، وكان أكبر أولاده الحارث، لم يكن له أوّل أمره غيره، وبه كان يكنّى، ثم كثر بنوه حتى بلغوا عشرة، وكان أصغرهم سنّا عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحبهم لأبيه (105).
ولنذكر الآن خبر يعرب بن قحطان (106)، أخي جرهم - المقدم الذكر - فإنه أول من تملّك بالملك والرئاسة بأرض اليمن، لأنه جمع اخوته فاستولى على جميع اليمن سنين / متطاولة وهو أوّل من نطق بالعربية، واول من حيّاه ولده بتحية الملك، أبيت اللعن وأنعمت صباحا (107)، وذكر السيوطي إن أوّل من كتب بالعربية حرب بن أمية. قيل له: من أين تعلمته؟ قال: من عبد الله بن جدعان، وهو أخذه عن طريق كاتب الوحي هود عليه السلام فلما هلك يعرب ملك بعده ابنه يشجب بن يعرب، فملك سنين كثيرة، ثم ملك بعده ابنه عبد شمس، فلما ملك، أكثر الغزو في أقطار الأرض، وسبى خلقا كثيرا، وهو أول من فعل ذلك من ولد قحطان فسمي لذلك سبأ، وهو أول من بنى السّد بأرض مأرب باليمن، وفجر إليه سبعين نهرا، وساق إليه السّيول من مدى بعيد على بعض الأقوال، وقيل بنته بلقيس، وكان فرسخا في فرسخ، وكانت مدة ملكه
(102) في الأصول: «رحلة الشتاء لليمن ورحلة الصيف للشام» والمثبت من اليعقوبي.
(103)
كذا في الأصول وهو الصحيح. وفي اليعقوبي 1/ 246 «بردمان» .
(104)
عن هذه الأخبار أنظر اليعقوبي 1/ 246 - 247.
(105)
انتهى نقله من الإعلام ص: 48.
(106)
عن نسبهم ونسب سلالتهم أنظر اليعقوبي 1/ 195.
(107)
في اليعقوبي: «أنعم صباحا وأبيت اللعن» 1/ 195.
أربعمائة سنة (108) وهو المذكور في سورة سبأ بقوله تعالى {لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ} (109) الآية، وكانت هذه المدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
ولما هلك سبأ ملك بعده الملك ابنه حمير، فكان أشجع النّاس في وقته وأكثرهم جمالا، وكان أوّل من وضع تاج الذهب على رأسه من ملوك اليمن (110)، وإنّما سمي حميرا لكثرة لباسه الثياب الحمر، وكان ملكه خمسمائة سنة.
ولما توفي تولى ملكه أخوه كهلان بن سبأ (111)، وكانت مدة ملكه تقرب من ثلاثمائة سنة.
ولما توفي تولى بعده واثل بن حمير، ثم تولى بعده ابنه / السكسك (112) بن واثل، ثم ملك بعده ابنه يعفر بن السكسك.
ثم وثب على ملك اليمن ذورياش (113) وهو عامر بن باران بن عوف (114) بن حمير.
ثم نهض من بني واثل النعمان بن يعفر بن [السكسك بن واثل](115) بن السكسك.
ثم ملك بعده ابنه أشمح (116) بن النعمان، (ثم ملك بعده عاد بن عوض، ثم ولده الأكبر شديد)(117)، ثم شدّاد بن عاد فهما أبناء عاد. وشدّاد هو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد، ببعض صحارى عدن، في خمسمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وملك الأرض كلّها على ما قيل. (وملك بعده ابنه مرثد بن شدّاد. وكان على دين هود عليه السلام على كتمان من قومه، ثم بعده ولده عمر بن مرثد، وهو على دين أبيه، فملك مائة سنة، ثم بعده ملك عم أبيه نعمان بن عاد، عاش دهرا طويلا)(118) ثم بعده
(108) ينقل عن المختصر لأبي الفداء بتصرف 1/ 66.
(109)
سورة سبأ: 15 وتمامها «آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ» .
(110)
ذكرها اليعقوبي أيضا 1/ 195.
(111)
في المختصر: «تولى بعده وائل بن حمير» .
(112)
في الأصول: «سكسك» والثبت من المختصر 1/ 66.
(113)
في الأصول: «زورباش» والمثبت من المختصر 1/ 66.
(114)
في الأصول: «مازان بن عون» والمثبت من المختصر 1/ 66.
(115)
إضافة من المختصر لأبي الفداء للتوضيح 1/ 66.
(116)
في ت: «أفسخ» في ش: «أفسيح» في ط: «أمسح» والمثبت من المختصر 1/ 67.
(117)
ما بين القوسين غير موجود في المختصر.
(118)
يختلف عن اليعقوبي 1/ 165. والمختصر 1/ 67 بالزيادة.
أخوه ذو سدد (119) بن عاد، ثم بعده ابنه الحارث، وهو تبّع الأول، وذكر أئمة التفسير عند قوله تعالى {وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} (120) من قصة سبأ.
وعلى ما رواه الكلبي عن أبي صالح أن عمر بن عامر من أولاد سبأ، وبينهما اثنا عشر أبا وهو الذي يقال له مزيقيا بن ماء السّماء، أخبرته زوجه طريفة الكاهنة بخراب سد مأرب وتغريق سيل العرم الجنتين، وعن أبي زيد الأنصاري أن عمر رأى جرذا يحفر السد فعلم أنه لا بقاء له بعد. وقيل إنّه كان كاهنا وقد علمه بكهانته، فباع أملاكه وسار بقومه وهم ألوف من بلد إلى بلد حتى انتهى / إلى مكة المشرفة، وأهلها جرهم، وكانوا قد قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني اسماعيل وغيرهم، فأرسل إليهم ثعلبه بن عمرو بن عامر، يسألهم المقام معهم إلى أن يرجع إليه رواده الذين أرسلهم إلى أصقاع البلاد يطلبون له موضعا يسعه ومن معه من قومه فأبوا، فاقتتلوا فانهزمت جرهم ولم يفلت منهم إلاّ الشّديد، وأقام ثعلبه بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا، فأصابتهم الحمّى فاضطروا إلى الخروج، وقد رجع إليه رواده فافترقوا فرقتين، فرقة توجهت نحو عمان، وهم الأزد وكندة وحمير ومن يتلوهم، وسارت ثعلبة نحو الشام فنزل الأوس والخزرج أبناء حارثة بن ثعلبة بالمدينة، وهم الأنصار، ومضت غسّان فنزلوا بالشّام وانخزعت خزاعة بمكة، فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحي، فولي أمر مكة وحجابة البيت، ثم جاءهم أولاد اسماعيل عليه السلام فسألوهم السّكنى معهم حولهم، فأذنوا لهم في ذلك.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن فروة بن مسيك القطيفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ، فقال عليه الصلاة والسلام هو رجل كان له عشرة أولاد، ستة منهم سكنوا اليمن، وهم مذحج، بالذال المعجمة، وكندة، والأزد، والأشعريون، وحمير / وأنمار، منهم بجيلة وخثعم (121)، وأربعة منهم سكنوا الشّام وهم لخم وجذام، وعاملة، وغسّان.
ولما هلكت أموالهم وخرّبت بلادهم تفرّقت أيادي سبأ شذرا مذرا، فنزلت طوائف منهم بالحجاز، فمنهم خزاعة نزلت بظاهر مكّة، ونزلت الأوس والخزرج بيثرب فكانوا
(119) في الأصول: «وسيدد» والمثبت من المختصر 1/ 67.
(120)
سورة سبأ: 19. وأول الآية «فقالوا ربّنا باعد بين أسفارنا».
(121)
كذا في ش واليعقوبي 1/ 201 في ط: «ختعم» وفي ت «خشعم» وعن هذه الأخبار أنظر نفس المراجع.