الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعزّ بن باديس: قطعه الدعوة للفاطميين واجتياح العرب افريقية
فتولّى بعده المعزّ بن باديس [وكانوا قد أخفوا موت باديس ورتبوا](37) عمّه (38) كرامت (39) بن المنصور ظاهرا / حتى وصلوا إلى المعزّ فولّوه، وتمّ أمره بالمحمدية يوم السبت لثلاث مضين من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة (40)، «وكان المعزّ واسطة عقد جماعته، وهو الذي قطع مذاهب الشيعة، واستأصل شأفتها وقطع آثارها بقتل من ينتسب إليها، ابن خلكان» (41).
ولمّا توجه المعزّ العبيدي إلى مصر استخلف بلكّين بن زيري - حسبما شرحناه - وكانت الخطبة في تلك النواحي جارية على عادتها لهذا البيت إلى أن قطعها المعزّ بن باديس في أيام المستنصر (42) وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (43). وقال في تاريخ القيروان: أن ذلك في سنة خمس وثلاثين (44)، والله أعلم بالصواب» (45).
ولمّا قطع خطبته وخلع طاعته، خطب للامام القائم بأمر الله العبّاسي خليفة بغداد فكتب إليه المستنصر (42) يتهدده ويقول له: هلا اقتفيت آثار آبائك في الطاعة والولاء، في كلام طويل، فأجابه المعزّ: إنّ آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن يملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم، ولو أخروهم لتقدّموهم بأسيافهم، واستمر على قطع الخطبة له، ولم يخطب بعد ذلك بافريقية لأحد من المصريين إلى اليوم.
وكان مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بافريقية أظهر المذاهب، فحمل المعزّ المذكور جميع أهل المغرب على / التّمسّك بمذهب مالك - رضي الله تعالى عنه -، وحسم مادّة الخلاف في المذهب، قال: واستمرّ الحال في ذلك إلى الآن» (46) اهـ.
(37) زيادة للتوضيح.
(38)
أي عمّ المعزّ.
(39)
في الأصول: «كرامة» والمثبت من الوفيات 1/ 266.
(40)
13 ماي 1016 م.
(41)
الوفيات بتصرف 5/ 233 - 234.
(42)
في الأصول: «المنتصر» والمثبت من الوفيات 5/ 234.
(43)
1051 - 1052 م.
(44)
1043 - 1044 م.
(45)
من ترجمة المستنصر العبيدي، الوفيات 5/ 229 - 230.
(46)
من ترجمة المعزّ بن باديس الصنهاجي، الوفيات 5/ 233 - 234.
قلت هذا في زمانه، وأما الآن فقد رجع مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - إلى المغرب منذ دخلت العساكر العثمانية إلى المغرب، ولكن مذهب الامام مالك - رضي الله تعالى عنه - أشيع.
وقال في معالم الايمان: «لمّا قدم المعزّ بن باديس القيروان بعد موت أبيه واستفتاح ولايته، وذلك يوم الجمعة منتصف محرم عام سبعة وأربعمائة (47)، قتلت (48) العامّة الرّافضة بالقيروان أقبح قتل، وحرقوهم، وانتهبوا أموالهم وهدّموا ديارهم، وقتلوا نساءهم وصبيانهم، وجرّوهم بالأرجل، فكانت صيحة من الله سلّطها عليهم، وخرج الأمر من القيروان إلى المهديّة وسائر بلادهم، فقتلوا حيث وجدوا، وأحرقوا بالنار، فلم يترك منهم بمدائن افريقية إلاّ من اختفى ولجأت الرّافضة إلى مساجد المهدية، فقتلوا فيها، وهدّموا دار الامارة، وتعدّت العامّة ذلك إلى جماعة من أهل السّنّة ظنّا أنّهم من غيرهم، فلقد حكي أن العامة جاءت متعلّقة برجل اتّهموه برأيهم فمرّوا به على شيخ من العامّة، فسألهم عن تعلّقهم به فقالوا: نسير به إلى الشيخ أبي علي بن خلدون فننظر ما يأمرنا به، فقال لهم الشيخ العاميّ: لا، اقتلوه الآن فان كان / رافضيا أصبتم، وان كان سنّيا عجّلتم بروحه إلى الجنّة الآن، أو كما قال: فانتقم الله منهم بعامة المسلمين، وقتلوهم كل مقتل، فرعب المعزّ منهم، ورأى كسر شوكتهم، فدبّر قتل زعيم أهل السّنّة وشيخ هذه الدعوة - يعني حسن بن خلدون - فلما كان يوم الخميس ثاني عشر شوال من السنة المذكورة (49)، أتى عامل القيروان مع الشرطة وخيل ورجال إلى مسجد الشّيخ أبي علي بن خلدون البلوي بعد صلاة العصر (50)، فدخلوا المسجد على الشيخ وهو في مسجده ومعه جماعة من الناس فقتلوا أبا محمد الغرياني الفقيه، وآخر بدويا ظانين أنه أبو علي، فلمّا عرفوه مالوا على أبي علي بسكاكينهم وجرّدوا جماعة ممّن كان بالمسجد، فحمل أبو علي إلى داره وقد وقع فيه ثلاث جراحات إحداها في صدغه أخذت إلى قفاه، واثنتان في جانبه الأيسر أنفذتا مقاتله، توفي في داره بعد العشاء.
(47) 24 جوان 1016 م.
(48)
ممّا يلي صنفه المؤلف كواقعة مقتل الشيعة أيام المعزّ بن باديس. ذكره الدباغ كسبب قتل أبي علي حسن بن خلدون البلوي، انظر ترجمته في المعالم 3/ 151 - 156.
(49)
4 مارس 1107 م.
(50)
بعدها أسقطنا: «يوم الخميس الثاني عشر من شوال سنة سبع وأربعمائة» لانها تكرر سابقتها في نفس الجملة.
فلمّا توفي رحمه الله إرتجّت المدينة، وثارت الصيحة من نواحي القيروان، فمال أهل المنصورة (51) من الرجال والعبيد فنهبوا جميع ما في حوانيتها حتى لم يتركوا حانوتا، وألقيت النار في كبار الأسواق، ونهبت أموال التجار، فذهب الناس واشتغلوا بأنفسهم عن مقتل الشيخ أبي علي وخبره، وأراد عامل القيروان استرضاء الناس فجاء برجلين فقال: إنّهما اللذان / قتلاه فقتلهما.
وما تقدم من قوله خرج الأمر من القيروان إلى المهديّة وسائر بلادهم خلاف ما كان يقول شيخنا أبو الفضل أبو القاسم البرزلي (52) أن الوقت الذي قام عليهم فيه أهل القيروان قام فيه كلّ شيخ على من في بلده كالشّيخ محرز على أهل تونس، من غير أن يكون اتفاق منهم على ذلك، بل هي كرامة في حقّ جميعهم» قال:«ولم يبق المعزّ من آثار بني عبيد إلاّ أسماءهم على السّكّة والبنود، فسأله أبو عمران الفاسي عن ذلك، فاعتذر بالخوف على الحجّاج لبيت الله الحرام والمسافرين» (53) اهـ.
يعني لو أزال ذلك من السّكّة لأدّى إلى إضرار بني عبيد ملوك مصر بالحجّاج الواردين عليهم من المغرب والمسافرين أما بقتل، أو أخذ مال، أو منع الطريق، أو غير ذلك.
وممّا وجد مسطورا في مناقب سيدي محرز بن خلف (54) - نفعنا الله به - قال:
«كان السّلاطين يأتونه في كل الأوقات يتبرّكون به ويحضرون مجلسه ويسألونه الدّعاء فلمّا كان سنة ستّ وأربعمائة قتل الناس المشارقة واستأصلوهم فكان يؤتى بالرجل منهم إلى حضرته فيشهد عليه فيقتل بشهادة الشّيخ خاصة لا يحضر غيره من العدول، أو يترك اذا لم يثبت عليه شيء» (55) «قال الشيخ أبو محمد من الله: «كنت عند المؤدب محرز بعد قتله المشارقة بتونس، فقلت له قتلوا المشارقة بتونس ولم يقتلوا عندنا، فقال أرجو أن يقتلوا
(51) كذا في معالم الايمان، والصواب «المنصورية» نسبة إلى المنصور العبيدي، وهي المسماة «بصيرة» أيضا.
(52)
أبو الفضل أبو القاسم بن أحمد بن المعتل البلوي المعروف بالبرزلي القيرواني (740 - 841/ 1339 - 1440) من أعلام المالكية في العصر الحفصي ويلقب بشيخ الاسلام ومن أشهر مؤلفاته الحاوي في الفتاوي ويعرف بنوازل البرزلي، مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس رقم 4851 اختصره تلميذه حلولو. انظر محمد محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين، 1/ 115 - 117.
(53)
نقل من معالم الايمان بتصرف يسير 3/ 154 - 155 (ط / 2).
(54)
بعدها في ت: «رضي الله تعالى عنه» والنقل من المناقب ص: 142.
(55)
المناقب ص: 142 - 143.
عندكم، ثم دعا لنا وقال: غسل الله عنكم العار وألحقكم بالناس، / قال: فوصلت إلى باجة يوم الخميس، وقتل المشارقة يوم الاثنين» (56) وكتب المعزّ ظهيرا للشيخ سيدي محرز صورته: «هذا ظهير كريم من القائم النّاصر لدين الله، المعزّ بن باديس للشّيخ الصالح الكبير القدر محرز بن خلف، لطّف الله به، قصد به وجه الله العظيم، ورجاء ثوابه الجسيم، وما أمر به السّلف المتقدم من إكرام أهل الدّين والعلم، لأن من تبع طريقهم خلص من الشكّ واقتدى، ومن قصد طريقتهم أخرج من الضلالة واهتدى، وأنقذ من الجهالة والردى، فان القصد أن يؤولوا إلى معرفته ويعرفوا اثبات برهانها، ويراقبوا وحدانيته، ويتحقّقوا حقائق ربوبيّته وجبروته، ويحافظوا على أوليائه، وقد ذكر الله العظيم في كتابه وتنزيله {أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (57) وقال عز وجل {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (58). فقد أعلى درجاتهم وأعز منزلتهم، وأسبغ عليهم نعمه، وضاعف لهم مواهبه، ووعدهم برحمته، فقال وهو أصدق القائلين {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ} (59) الآية، فأنتم أفاضل أوليائه وأصفيائه وأتقيائه لأن الله جعل من عرف وتبصّر وفتح على باطنه وقلبه بخصوصيتكم فقد أفلح ونجح، فالله سبحانه يمنّ على من يشاء من عباده، ويختصّ من يشاء بخصوصيته، وقد جعلكم من أهل اختصاصه بالعلم والعبادة، ولحظكم بجميل ملاحظاته، فأنتم أغصان / بسقت وفروع شجرتكم التي غرست في أطيب تربة، ثم سقيت من أعذب الماء، وغذاؤها بالهواء من الأرض إلى السّماء، ثم نقلت إلى الحضرة السعيدة.
فاقتضى النّظر بهذا الظهير لجماعتكم بحفظكم ورعايتكم وحمايتكم وحسن معاملتكم، وحفظ الأنصار الصائرة إلى حضرتكم وحسم الأيدي الممتدة إلى اساءتكم وأهلكم وأموالكم ورعاياكم بحضرة تونس وباديتها وشركائكم وأتباعكم، ومن عرف بكم، وانتسب إلى نسبتكم، وأوى إلى جنابكم، ورفع الأيدي عن عشوركم في قرية أو سانية وقرية الفول وطراقش وماينة (60)، ومنزل خارجة، وقرية الحمام، وما أطاف
(56) المناقب ص: 112.
(57)
سورة يونس: 62.
(58)
سورة النحل: آخر الآية 43.
(59)
سورة البقرة أول الآية 269 وتمامها: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ.
(60)
كذا في ت وط، وفي النص المحقق من المناقب، وفي ش كما في بعض أصول المناقب:«مانبة» .
بمدينة تونس، وحرم دياركم وزاويتكم ورفع الأيدي عن الاعتراض عليكم بدخول النساء بحماماتكم، وحوانيتكم، وأجرائكم ومحلكم، وتسريح أعشاركم، واجرائكم على [فارط] رسمكم (وجري عادتكم)(61) طائعين لجميع ما تضمّنه هذا الظهير الكريم، فلا يغيره مغير عليكم، ولا يكدّره مكدر لديكم، ولا يخيل فيه متخيل عليكم، ولا يتطاول فيه متطاول، فمن وقف على هذا الظّهير من العمّال وسائر الولاة أمره بذلك القائم بالله، النّاصر لدين الله، وليعمل به ممتثلا لشروطه، إن شاء الله، واقفا عند حدوده وزواجره، غير عاجل لنفسه بالعقوبة لمخالفته أو مخالفة شيء منه، إن شاء الله - تعالى - بتاريخ عشر بقين من ربيع الآخر عام سبع [عشرة](62) وأربعمائة» (63).
وفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة (64) أخربت الأعراب مدينة القيروان. قال في «معالم الايمان» : وسببه دعاء الشيخ الواعظ عبد الصّمد فانهزم سلطان القيروان - يعني المعزّ - مع كثرة عساكره وقلّة من جاءه، وذلك أنه كان لعبد الصّمد هذا ولد اسمه محمّد، ويكنى أبا الحسن، ورد على القيروان، وكان رجلا صالحا فاضلا واعظا زاهدا صوفيّا عالما عاملا، وكان له مجلس بالجامع الأعظم بالقيروان يجتمع إليه فيه، ويسمع كلامه، وله لسان فصيح، وقلب قريح، كثير الحزن والبكاء، والخوف من أولياء الله تعالى المنقطعين إليه، الخائفين الخاشعين المتبتلين القائمين الصّائمين، قد ركب طريقة القوم من الزّهد والورع والخشية وصدق المقال في الوعظ، لم يسلكها في وقته غيره، فطبق ذكره الآفاق، وكثر ازدحام الناس عليه في مجلسه لاستماع وعظه، ومالت إليه القلوب والأسماع، وكثرت له الأتباع، حتى حذره السلطان، وخاف على نفسه منه، فاستعار السلطان منه بعض كتبه وأظهر أنه أحب مطالعة شيء منها، فأقامت عنده أياما ثم أمر بردّها، فتصفح الواعظ أوراقا منها فوجد فيها ورقة بخط السلطان كأنه نسيها بين أوراق كتابه، فاذا فيها: زعمت ملوك الفرس وحكماء السّير والسّياسة أن أهل التنمس والوعظ وتأليف العامة واقامة المجالس أضرّ الأصناف (65) على الملوك وأفظعهم / أثرا في
(61) كذا في ت وط، وفي النص المحقق من المناقب وفي ش «وجريكم على اعادتكم» .
(62)
ساقطة من الأصول.
(63)
10 جوان 1026 م.
(64)
1057 - 1058 م.
(65)
ساقطة من ش.
الدّول فيجب أن يتدارك أمرهم، ويبادر إلى حسم الأذى منهم، فلمّا قرأ الواعظ أبو الحسن محمد بن عبد الصّمد البطاقة علم أنها أمر (66) استعمل له، وقصد به ونبّه على الرّأي فيه، فاستعمل الحجّ، وخرج معه عامّة وخاصة من أهل القيروان، وأمر له السلطان بزاد فخرج متوجها إلى الحجّ في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة (67)، ومعه رجال وكّلوا به ليصلوا معه إلى مدينة قابس، ونهى أن يشيّعه أحد أو يخاطبه الخطاب، وكان الرفقة الخارجة إلى مصر قد قرب خروجها، فأمر أن ينتظرها بمدينة قابس إلى أن يصحبها وكوتب (68) عامل قابس بأن لا يدخل إليه أحد هناك، ولا يجتمع عنده اثنان، ولا يخرج من المكان الذي ينزل فيه الاّ يوم سفره، فخرج وهو غير آمن على نفسه، وأظهر السّلطان ما كان (69) يخفيه من أمره، وصار من ذكره بخير، أو قال فيه جميلا مبخوسا (70) مذموما حتى صار من كان يفرط في مدحه يظهر الإفراط في ذمّه خوفا على نفسه من السّلطان، فلما فصل عن مدينة قابس قتله رجل من الأعراب في طريقه ذلك، فكثر الظنّ من الناس على السّلطان أنه دس عليه من قتله، واختلف النّاس في ذلك فبعضهم (71) يثبت ذلك له وبعضهم ينفيه عنه، فلمّا بلغ الخبر أباه عبد الصّمد، وكان في آخر درس وعظه بمسجد عمرو بن العاص بمصر نعاه له من عرفه بسبب قتله، فخرج من وقته قبل أن يرجع لبيته ملبّيا / فحجّ ذلك العام وجعل يطوف ويتعلّق بأستار الكعبة (72) ويصيح يا ربّ المعزّ عليك بابن باديس، فكانت الهزيمة الواقعة بالقيروان في العام الثاني من حجّه، وذكر عياض (73) أنه حجّ ورجع» اهـ (74).
هذا هو السّبب الباطن، وأما السّبب الظاهر فهو ما أشار إليه ابن خلدون في تاريخه بقوله: «كان المعزّ ابن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بافريقية وخطب للقائم
(66) في ت: «من» .
(67)
1049 - 1050 م.
(68)
في ش وت: «وكتب» .
(69)
ساقطة من ش.
(70)
في ش: «منجوسا» .
(71)
في ت: «حتى أن» .
(72)
في ن: «البيت الحرام» ، وفي ط:«البيت» .
(73)
في ت: «القاضي عياض» .
(74)
معالم الإيمان 4. وانظر البيان المغرب لابن عذارى 1/ 279 - 280.
العبّاسي وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة (75)، فكتب إليه المستنصر يتهدده ثم إنّه استوزر أبا محمد الحسن بن علي اليازوري (76) بعد الجرجرائي (77) ولم يكن في رتبته، فخاطبه المعزّ دون ما كان يخاطبه به من قبله، كان يقول في كتابه إليهم «عبده» ويقول في كتاب اليازوري «صنيعته» فحقد ذلك عليه، وأغرى (78) به المستنصر وأصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال، وبعثهم إلى إفريقية وملّكهم كلّ ما يفتحونه، وكتب:[أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا](79)، فساروا إلى برقة فوجدوها خالية، لأن المعزّ كان أباد أهلها من زناتة، فاستوطن العرب برقة واستحقر المعزّ شأنهم، واشترى العبيد، واستكثر منهم، حتى اجتمع له منهم ثلاثون ألفا، وزحف بنو زغبة إلى طرابلس فملكوها سنة ست وأربعين وأربعمائة (80)، وجازت رياح والأثبج (81) وبنو عدي إلى افريقية، فأضرموها نارا / ثم سار أمراؤهم إلى المعزّ وكبيرهم مؤنس بن يحيى من بني مرداس من رياح، فأكرمهم المعزّ وأجزل لهم عطاياه، فلم يغن شيئا، وخرجوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، ونزل بافريقية بلاء لم ينزل مثله بها، فخرج إليهم المعزّ في جموعه من صنهاجة والسّودان نحو من ثلاثين ألف والعرب في ثلاثة آلاف فهزموه وأثخنوا في صنهاجة بالقتل واستباحوهم، ودخل المعزّ القيروان مهزوما ثم وقع القتال بينهم يوم النّحر وهم في صلاتهم فهزموه أعظم من الأولى.
(75) 1048 - 1049، العبر 6/ 325.
(76)
في الأصول: «علي بن الحسن التازوري» والمثبت من كتاب العبر 6/ 30.
(77)
في الأصول وفي العبر: «جرجاني» والمثبت من معجم الأنساب والأسر الحاكمة، ومن رحلة التجاني ص: 18، وفي بعض أصول العبر:«جرجرائي» ، أنظر هامش 1 من كتاب العبر 6/ 29.
(78)
أي اليازوري، وفي رحلة التجاني:«الجرجرائي هو الذي كان سبب بعث بني هلال» ص: 19، وينفي ابن خلدون ذلك وينسبه إلى اليازوري، قال:«وقيل إن الذي أشار بذلك وفعله وأدخل العرب إلى افريقية إنما هو أبو القاسم الجرجاني، وليس ذلك بصحيح» العبر 6/ 30 - 31.
(79)
يبدو أن مقديش ينقل من مصدر آخر نقل عن ابن خلدون به تحريف ففي الأصول نجد «فقد أرسلنا إليك خيولا، وحملنا عليها رجالا فحولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا» والمثبت من كتاب العبر 6/ 31 ورحلة التجاني ص: 19.
(80)
1054 - 1055 م.
(81)
في الأصول: «الأشج» والمثبت من العبر 6/ 30 والرحلة 18.
ثم سار إليهم بعد أن احتشدت زناتة معه فانهزم ثالثة وقتل من عسكره نحو من ثلاثة آلاف، ونزل العرب بمصلّى القيروان، ووالوا عليهم الهزائم وقتلت منهم أمما، ثم أباح لهم المعزّ دخول القيروان للميرة، فاستطالت عليهم العامّة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأدار المعزّ السور على القيروان سنة ست وأربعين وأربعمائة (82)، ثم ملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة في التاريخ المذكور، وأمر المعزّ أهل القيروان بالانتقال إلى المهديّة للتّحصن بها، وولى عليها انه تميما، ثم انتقل إليها سنة تسع وأربعين وأربعمائة (83)، وانطلقت أيدي العرب على القيروان بالنهب والتخريب، وعلى سائر الحصون والقرى» اهـ (84).
وقال التجاني في رحلته: أنصف الله من الجرجرائي (85) فهو الذي أمكن العرب - يعني المفسدين - (86) من الدّخول إلى هذه البلاد، وعن مكره (87) / السيء نشأ بافريقية ما نشأ من الفساد، فانهم كانوا قبل ذلك نازلين بصعيد أرض مصر، لا يحدّثون أنفسهم بالجواز إلى هذه الأرض إلى أن ندبهم الجرجرائي (85) إلى ذلك وأفرج لهم عن طريقهم (88)، فأغص منهم أهل هذه البلاد بريقهم (89) لحاجة كانت في نفسه من افساد هذه البلاد تعجل قضاءها، ووجد عند (90) الله بما لقيه من جزائها.
قال ابن بسّام في «الذخيرة» : لمّا تغلّب بنو عبيد الناجمون بافريقية على مصر فخلص لهم صميمها، وتمّ لهم ملكها ونعيمها، وأراد معدّ بن اسماعيل بن محمد بن عبيد الله المتلقّب (91) بالمعزّ لدين الله اقتعاد صهوتها (92) واثبات قدمه على ذروتها (93) دعا
(82) 1054 - 1055 م.
(83)
1057 - 1058 م.
(84)
حوصل كلام ابن خلدون، انظر كتاب العبر 6/ 28 - 35 و 325 - 326.
(85)
في الأصول: «الجرجاني» وفي الرحلة: «الجرجرائي الأقطع» وكذلك في كتاب العبر، قال ابن خلدون:«يلقّب بالأقطع، بما كان أقطعه الحاكم بجناية ظهرت عليه في الأعمال وانتهضته السيدة بنت الملك عمة المستنصر» 6/ 29.
(86)
زيادة من المؤلف.
(87)
في رحلة التجاني «فكرة» ص: 16.
(88)
أشرنا سابقا أن ابن خلدون ينفي هذا عن الجرجرائي ويحمله اليازوري.
(89)
في الأصول: «يريد بهم حاجة» والمثبت من الرحلة ص: 16.
(90)
ساقطة من الأصول.
(91)
بعدها في الأصول: «كان من الألقاب السلطانية» أسقطناها تقويما للسياق وطبقا للرحلة التي ينقل عنها المؤلف.
(92)
في ط: «صوتها، وفي ش: «صموتها» والمثبت من الرحلة.
(93)
في الأصول: «دولتها» والمثبت من الرحلة.
زيري بن مناد وهو يومئذ من صنهاجة بمكان السّنام من الغارب، وبمنزلة الوجدان من نفس الطّالب، وكان له عشر من الولد آساد شرى وأقمار سرى فقال له: ادع لي بنيك، فقد عملت رأيي فيهم وفيك، وكان أصغرهم سنّا، وأهونهم شأنا، يوسف بن زيري فدعا ولده ما عداه، والمعزّ ما يريد سواه، وكان عند المعزّ إثارة من علم الحدثان، وقد عرف بها مصاير أحواله، وأهل الغناء (94) من أعيان رجاله، وكانت عنده لخليفته على افريقية (95) إذا صار إليه ملك مصر علامة (96) يأنس بها أنس الكبير بذكر شبابه، ويعرفها عرف العاشق بدار / أحبابه، فنظر في وجوه بني زيري فأنكرها حين تفقد تلك العلامة، فلم يرها فقال لزيري: هل غادرت من أبنائك أحدا، فلست أرى لمن هاهنا منهم أيدا [ولا يدا] (97) فقال له: لا الا غلاما [وطفق](98) يصغّر شأنه، والمقدار قد عناه وأعانه، ويطوي أخباره والاختيار يدير عليه مداره، فقال له المعزّ: لا أراك حتى أراه، فلست أريد سواه، فلمّا رآه عرفه، وفوّض إليه من حينه واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور، وزاحمت مهابته الأهواء في الصّدور، وبعدت أسفاره، واشتهرت أخباره، واشتمل على طرف الليالي والأيام إيراده وإصداره، فبلغ بغزواته سبتة، ثم أجاب صوت مناديه، وخلع الامارة على أعطاف بنيه، حتى انتهت منهم إلى المعزّ بن باديس شرف (99) العشيرة، وآخر ملوكهم المشهورة، فأول ما افتتح به شأنه وأثبت به - فيما زعم (100) - سلطانه، قتل الرّافضة ومراسلة أمير المؤمنين ببغداد، فكتب إليه بعهده، وجاءت الخلعة (101) واللّقب من عنده، واتّصل ذلك بالجرجرائي وهو المتحكّم في الدّولة العبيدية، فاضطغنها عليه، وفوّق سهام مكروهه إليه (102)، وكان بطون من بني عامر بن صعصعة زغبة، والأثبج (103)، وعدي، ورياح، وغيرهم تنزل بالصّعيد لا يباح لها
(94) في الأصول: «العناية» والمثبت من الرحلة ص: 17.
(95)
ساقطة من الأصول.
(96)
في الأصول: «علامات» والمثبت من الرحلة.
(97)
في الأصول: «يدا» والمثبت والاضافة من الرحلة ص: 17.
(98)
اضافة من الرحلة.
(99)
في الأصول: «مترف» والمثبت من الرحلة.
(100)
في الأصول: «زعم» والمثبت من الرحلة.
(101)
في الأصول: «الخلافة» والمثبت من الرحلة ص: 17.
(102)
كذا في ط وفي الرحلة، وفي ت وش:«عليه» .
(103)
في الأصول: «الأشج» والمثبت من الرحلة ص: 18.
بالرّحيل، ولا يخلّى بينها وبين إجازة النّيل، فأفرج لهم الجرجرائي عن السّبيل، وأذن لهم في المعزّ أمنية طالما سرت إليها أطماعهم، فغشيه / منهم سيل العرم، ورماه منهم بدؤلول (104) وابنة الرّقم (105) وتهاون المعزّ بهم أولا فشغلهم بخدمته، وأثقلهم بأعباء نعمته، وهم في خلال ذلك يتحرسون لحياته (106)، ويدبون إلى أنصاره وحماته، ويطلعون على مقاتله وعوراته، حتى بان لهم شأنه وهان (107) عليهم سلطانه، فجاهروه بالعداوة، وأرادوه على الإتاوة (108)، وجرت بينهم أثناء ذلك حروب كان من أفراها لأديمه، وألصقها بصميمه وقعة «حيدران» (109) سنة أربع وأربعين وأربعمائة (110) فانها أوهنت بطشه، وثلّت عرشه، وأحاط الأعراب بالقيروان وانبسطوا في البلاد يخطفون حريمها، ويتعرّضون راحلها ومقيمها، إلى أن أعطاهم الدّية (111) وناشدهم التقيّة، واشترط المهديّة، وقد كان نظر في ماله وفكر (فيمن بازائه من أقياله)(112) فزف إلى زعمائهم بنات كنّ نجوم اللّيالي، وأماني المغالي فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا، ثم استجاش من قبله، واحتمل حرمه وثقله وترك الملك لمن حماه وحمله (113)، وجاء بأنصاره فكانوا بحيث يسمعون نئيمه (114) ويمنعونه ممّن عساه أن يكيده أو يضيمه، حتى بلغ المهديّة أسقط من الشمس في الميزان (وأوهن من الفقر عند العيان)(115).
قوله في هذا الفصل فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به - فيما زعم (116) - سلطانه، قتل الرافضة، كان المعزّ لا يزال يتحامل على بني عبيد، ويلعنهم خفية، / ويؤذي
(104) في الأصول: «زهلول» والمثبت من الرحلة ص: 18.
(105)
في الأصول: «أرقم» .
(106)
في الرحلة «يتمرسون بجهاته» .
(107)
في الأصول: «وعز» .
(108)
في الأصول: «الاثارة» .
(109)
في ش: «جندار» والمثبت من الرحلة ص: 18.
(110)
1052 - 1053 م.
(111)
في الرحلة: «الدنية» .
(112)
في الأصول: «برأيه من إقباله» .
(113)
في الأصول: «حرمه» .
(114)
في الأصول: «قيمه» .
(115)
في الرحلة: «وأهون من الفقير على القيان» .
(116)
في الأصول: «عزم» .
أشياعهم حتى آل الأمر به إلى التصريح بلعنهم على المنابر (جهرة)(117) وقتل أشياعهم المرة بعد المرة، وتتبعهم في الأقطار بالقتل، وكان قبل ذلك يكاتب الوزير الجرجرائي مستميلا له ومعرضا بالتّحزّب معه على بني عبيد، وإنّما يفعل ذلك رمزا وتعريضا له [لعله](118) يرى منه قبولا له فيجد في السعي معه على القوم، وكتب إلى الجرجرائي مرّة بخطّه قطعة تمثّل بها منها:
[بسيط]
وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم
…
لولاك ما كنت أدري أنّهم خلقوا
يشير إلى بني عبيد الله، ويزعم أنه إنّما أبقى عليهم بعض الابقاء من أجل حبّه فيه، فلمّا وقف الجرجرائي عليها قال: ألا تعجبون من أمر (119) صبي مغربي بربري يحبّ أن يخدع شيخا بغداديّا عربيّا، وإنما اتّهمه بأنه فعل ذلك ليوقع بين القوم ووزيرهم إن عثروا على هذه الرّموز، ثم قال الجرجرائي: والله لا جيّشت له جيشا ولا تحمّلت فيه نصبا، وكلّف العرب العبور بمجاوزة النّيل، ولم يأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصاية، وكتب إليه معهم:«أما بعد فقد أرسلت إليك خيلا (120) فحولا، وحملنا (121) عليها رجالا كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا» (122)، وقد كان كتب إليه قبل ذلك كتاب تهديد ووعيد وقال فيه: إن لم ترجع عن رأيك أتتك الجيوش موصلة بسنابك خيلها، ناسخة بنقعها ووميضها (123) حكم نهارها وليلها.
وقوله: فأفرج لهم عن السبيل أمنية طالما سرت إليها أطماعهم، ليس كذلك، فالمنقول أنه لما كلّفهم العبور امتنعوا، / فجعل لكلّ عابر فروا ودينارا فحينئذ جازوا، ثم لمّا وصلوا إلى بلاد افريقية واستطابوها كتبوا لاخوانهم في اللحاق بهم فلم يتركهم الجرجرائي أو يؤدي كلّ عابر فروا ودينارا، فأخذ بذلك أكثر ممّا أعطى، وقوله: وكانت
(117) اضافة من المؤلف.
(118)
اضافة من الرحلة.
(119)
في الرحلة: «من هذا الأمير، صبي. . .» .
(120)
ساقطة من الأصول.
(121)
في الأصول: «مطلقا» .
(122)
سبق أن ذكر هذه القولة في النص الذي أخذه عن ابن خلدون وهي من التكرار الذي تعدد بالنسبة لعدة أحداث نقلها مرتين، مرّة عن ابن خلدون ومرة عن التجاني.
(123)
في الأصول: «ووبيضها» .
من أفراها لأديمه وقعة «حيدران» (124) - حيدران - (124) اسم جبل معروف بمقربة من القيروان، كانت الوقيعة به وكان جيش المعزّ ثلاثين ألفا ومبلغ جيش الأعراب ثلاثة آلاف، فهزم جيش المعزّ ومن سلم منهم من القتل لم يسلم من النّهب، وفي ذلك يقول علي بن رزق (125) الرّياحي أحد أولائك الأعراب من قصيدة (126).
[طويل]
ثلاثة آلاف لنا غلبت له
…
ثلاثين ألفا انّ ذا لنكال (127)
واسم الجرجرائي أحمد بن علي، ويكنّى بأبي القاسم، كان أحد رجال الدّنيا سياسة ودهاء وبعد غور ونفوذ فكرة، ووزّر للظاهر العبيدي بمصر ثم لابنه المستنصر، وعتب عليه الظّاهر في أمر فقطع يديه معا فقطعتا فخرج من فوره وجلس بدسته لخدمته (128) على عادته، وقال: إن الخليفة إنما أمر بقطع يدي عقوبة لي ولم يعزلني، فاستعظم له الظّاهر ذلك وشرف لديه، وكان ذلك سببا لارتقائه إلى الوزارة، وكان كثير المصادرة للعمّال وربما صرّح لهم بقوله: أبيتم الا الخيانة، فقال فيه أبو طالب محمد بن عبد الله الأنصارى:
[مجزوء الكامل]
إغمد لسانك والتزم
…
طرق السّلامة (129) والصّيانة /
كم ذا تقول أبيتم
…
إلاّ الجناية (130) والخيانة
أتراهم قطعوا يديك على النّزاهة والأمانة
(124) في الأصول: «جندار» .
(125)
في الأصول: «زروق» .
(126)
في الرحلة: «من قصيدة اشتهرت في زماننا أولها» أي زمن التجاني.
(127)
وفي رواية أخرى: [طويل] ثلاثون ألفا منكم هزمتهم ثلاث آلاف اذا لنكال راجع البيان المغرب 1/ 290.
(128)
في الأصول: «لدست خدمته» والمثبت من الرحلة ص: 21.
(129)
في الأصول: «الصماتة» .
(130)
في ت: «الجيانة» ، وفي ش:«الجبانة» ، وفي ط:«الجباية» والمثبت من الرحلة.
وتوفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة (131).
ومن النّاس من نسب إجازة العرب لغير الجرجرائي واستدلّ على ذلك بما ذكر من تاريخ موت الجرجرائي، وإنما كان جواز العرب بعد ذلك بأعوام، وقال: إن المجيز لهم أبو محمد الحسن بن علي اليازوري، وقد كانت وزارته بعد الجرجرائي، ولا يبعد أن يكون هذا هو الصحيح» (132).
فلمّا رأى (133) المعزّ اختلال الأحوال، وتغلّب الأعراب على البلاد علم أن صبرة لا تحصّنه منهم، فبنى على الانتقال إلى المهديّة، فولّى ابنه تميما عليها، وذلك في سنة خمس وأربعين وأربعمائة (134)، وجعل ينقل إليها أهله وذخائره شيئا فشيئا، وكان رجاله وخاصّته حذروه من تولية ابنه تميما، وخوّفوه أن يستبدّ بنفسه ويمتنع بالمهديّة من أبيه، فلم يسمع منهم، ووصل تميم إلى المهديّة فوجد بها عبيدا لأبيه كان قد أعدّهم هنالك لضبطها، قد قويت شوكتهم، وكثر ملأهم (135)، فوقعت بين عبيده وبينهم فتنة ومنازعة، فأطلق عليهم أيدي العامّة فقتلوا أكثرهم، وفرّ من بقي منهم إلى المعزّ بصبرة، فأتبعهم تميم طائفة من الأعراب لحقوهم قبل وصولهم إلى صبرة فقتلوهم أجمعين، وبلغ المعزّ ذلك فقوي (136) في نفسه ما كان يذكر له عن تميم من الإستبداد والاستئثار / بما حصل لديه من الذّخائر ولكنّه لم يجد بدّا من مداراته، والاغضاء له عن فعلته.
فلما كانت سنة تسع وأربعين وأربعمائة (137) توجّه إلى المهديّة في خفارة رجلين من العرب قد كان صاهرهما ببنتيه يعرف أحدهما الفضل بن أبي علي وهو مرداسي، ويعرف الآخر بفارس بن أبي الغيث توجها إليه فاستخرجاه من صبرة سرّا، وأحس باقي الأعراب بخروجه فلحقوه في أثناء الطّريق فواقفهم (138) فارس بن أبي الغيث في جماعة من قومه، وجعل يؤنّبهم على الاستخفاف بخفارته، فقالوا له: إنك قد أعظمت التّحامل علينا في خفارة مثل المعزّ، وتركنا له عظيم، والفائدة في أخذه كبيرة فلا
(131) 1044 - 1045 م.
(132)
نقل بتصرف يسير في الالفاظ واسقاط بعض الجمل من الرحلة 16 - 22.
(133)
الانتقال إلى ص: 328 من الرحلة.
(134)
1053 - 1054 م.
(135)
في الأصول: «مالهم» والمثبت من الرحلة ص: 329.
(136)
في الأصول: «فقرأ» .
(137)
1057 - 1058 م.
(138)
في الأصول: «يدافعهم» .
تمنعنا منه، فلم يزل يواقفهم (138) ويراجعهم إلى أن خلص المعزّ وصاحبه الفضل بن أبي علي ودخل المهديّة، ويقال أنه قد كان أخرج بعض قطعه البحرية وسيّرها في البحر محاذية له خوفا ممّا عساه أن يعرض له في طريقه، فلمّا لحقه الأعراب ناداه أرباب القطع بالبدار إليهم ليعتصم بالبحر من أولائك الأعراب فلجّ في السّير وأبى من الدخول إليهم (وأنفت منه نفسه)(139)، إلى أن خلص، فدخل المهديّة وهو خائف من ولده تميم أن يقبض عليه، فخرج تميم للقائه، وترجّل وقبّل الأرض بين يديه، ومشى أمامه، ولم يزل في خدمته وبره إلى وفاته» (140).
«وكان (141) / أهل سوسة خالفوا على المعزّ سنة خمس وأربعين وأربعمائة (142) ومنعوه ما كانوا يحملون إليه من المال وقالوا: نحن أولى به لنذبّ عن بلدنا، وتوفّت أخت المعزّ عندهم فضمّوا أموالها، وأبوا توجيهها إليه، فبعث إليهم المعزّ في ذلك، فقالوا لرسوله: كيف ندفع له أموالا نتقوى بها نحن عن مدافعته وحربه، وبعث إليهم المعزّ من المهديّة أسطولا ضخما فأصبح بمرسى سوسة، فأحرق ما فيه من المراكب، وكانت نيّفا وستّين مركبا أكثرها لأهل سوسة، فعمد أهل سوسة إلى من كان عندهم من أهل القيروان فأخذوا أموالهم، وأهانوهم أشدّ الإهانة، فوجّه إليهم المعزّ جيشا فيه مائة فارس وأمرهم أن يتظافروا مع الأسطول على حصار سوسة ليأخذوا بمخنقها برّا وبحرا، فكان من قدر الله الغريب الاتفاق أن اجتاز على سوسة يوم خروج هذا الجيش أسطول من قبل صاحب صقليّة فتهيّبه (143) أسطول المعزّ، فانصرف راجعا إلى المهديّة ولا علم عند المعزّ بذلك، فوصل جيش المعزّ إلى سوسة فسألوا عن الأسطول فأخبروا باقلاعه، فسقط في أيديهم، فخرج أهل سوسة ومن حف بها من الأعراب فأدخلوهم إلى المهديّة وأعلوا (144) السّيف على جميعهم ونصبوا روؤسهم على السّور، قال ابن شرف: أخبرني من شاهدها أن عدتها نيّف وخمسون رأسا، وإنّما سلم من سلم من
(138) في الأصول: «يدافعهم» .
(139)
بعدها في الأصول: «فجد في السير» أسقطناها لأنها تكرر سابقتها، وفي رحلة التجاني التي ينقل عنها:«وأبى من الدخول إليهم أنفة منه وجلدا» .
(140)
رحلة التجاني بتصرف يسير 328 - 330.
(141)
ينتقل إلى موضع آخر من الرحلة ص: 28.
(142)
1053 - 1054 م.
(143)
في الأصول: «فتهيأ له» والمثبت من الرحلة ص: 29.
(144)
في رحلة التجاني: «فأجالوا» .