الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِن دَهْنِ الرَّأْسِ: فيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه [مُزِيلٌ لِلشَّعَثِ](4)، أشْبَهَ ما لو كان مُطَيَّبًا. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ الفِدْيَةِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ فيه مِن نَصٍّ ولا إجْمَاعٍ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الطِّيبِ، فإنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الفِدْيَةَ، وإن لم يُزِلْ شَعَثًا، ويَسْتَوِى فيه الرَّأْسُ وغيرُه، والدَّهْنُ بِخِلَافِه، ولأنَّه مَائِعٌ لا تَجِبُ الفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِه فى البَدَنِ (5)، فلم تَجِبْ بِاسْتِعْمَالِه فى الرَّأْسِ، كالماءِ.
588 - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَعَمَّدُ لِشَمِّ الطِّيبِ)
أى لا يَقْصِدُ شَمَّه مِن غيرِه بِفِعْلٍ منه، نحو أن يَجْلِسَ عندَ العَطَّارِينَ لذلك، أو يَدْخُلَ الكَعْبَةَ حال تَجْمِيرِها، لِيَشمَّ طِيبَها، أو يَحْمِلَ معه عُقْدَةً فيها مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَها. قال أحمدُ: سُبْحَانَ اللهِ، كيف يجوزُ هذا؟ وأباحَ الشَّافِعِىُّ ذلك، إلَّا العُقْدَةَ تكونُ معه يَشمُّها، فإنَّ (1) أصْحَابَه اخْتَلَفُوا فيها؛ لأنَّه يَشَمُّ الطِّيبَ من غيرِه، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْهُ. ولَنا، أنَّه شَمَّ الطِّيبَ قَاصِدًا مُبْتَدِئًا به فى الإِحْرَامِ، فحُرِّمَ، كما لو بَاشَرَهُ، يُحَقِّقُه أنَّ القَصْدَ شَمُّه لا مُباشَرَتُه، بِدَلِيلِ ما لو مَسَّ اليابِسَ الذى لا يَعْلَقُ بِيَدِه لم يكنْ عليه شىءٌ، ولو رَفَعَهُ بِخِرْقَةٍ وشَمَّهُ لَوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، ولو لم يُبَاشِرْهُ، فأمَّا شَمُّه من غيرِ قَصْدٍ، كالجالِسِ عندَ العَطَّارِ لِحَاجَتِه، ودَاخِلِ السُّوقِ، أو دَاخِلِ الكَعْبَةِ لِلتَّبَرُّكِ بها (2)، ومَن يَشْتَرِى طِيبًا لِنَفْسِه أو لِلتِّجَارَةِ (3) ولا يَمَسُّهُ، فغيرُ مَمْنُوعٍ منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من هذا، فعُفِىَ عنه، بِخِلافِ الأوَّلِ.
589 - مسألة؛ قال: (وَلَا يُغَطِّى شَيْئًا مِنْ رَأْسِه، وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من تَخْمِيرِ رَأْسِه.
(4) فى ب: "يزيل الشعث".
(5)
فى النسخ: "اليدين".
(1)
فى م: "فإنه" خطأ.
(2)
هكذا قال، رحمه الله، مع أنه لا يجوز التبرك بالمخلوق، لا الكحبة ولا غيرها، وما صح من تبرك الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، بما انفصل من جسم الرسول صلى الله عليه وسلم كعرقه وشعره وريقه، فهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم فى حياته.
(3)
فى أ، ب، م:"وللتجارة".
والأصْلُ فى ذلك نَهْىُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن لُبْسِ العَمَائِمِ والبَرَانِسِ (1). وقَوْلُه فى المُحْرِمِ الذى وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُه: "لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"(2). عَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِه بِبَقَائِه على إحْرَامِه، فعُلِمَ أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن (3) ذلك. وكان ابنُ عمرَ يقولُ: إحْرَامُ الرَّجُلِ فى رَأْسِه. وذَكَرَ القاضى، فى "الشَّرْحِ"، أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إحْرَامُ الرَّجُلِ فى رَأْسِه، وإحْرَامُ المَرْأةِ فِى وَجْهِهَا"(4). وأنَّه عليه السلام نَهَى أنْ يَشُدَّ المُحْرِمُ رَأْسَه بالسَّيْرِ. وقولُ الْخِرَقِىِّ: "والأُذُنَانِ مِن الرَّأْسِ". فائِدَتُه تَحْرِيمُ تَغْطِيَتِهمَا. وأباحَ ذلك الشَّافِعِىُّ. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:"الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ"(5). وقد ذَكَرْنَاهُ فى الطَّهارَةِ. وإذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُمْنَعُ من تَغْطِيَةِ بعضِ رَأْسِه، كما يُمْنَعُ من تَغْطِيَةِ جَمِيعِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ"(2). والمَنْهِىُّ عنه يَحْرُمُ فِعْلُ بَعْضِه، ولذلك لمَّا قال تعالى:{وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ} (7). حَرُمَ حَلْقُ بَعْضِه. وسَوَاءٌ غَطَّاهُ بِالمَلْبُوسِ المُعْتَادِ أو بغيرِه، مثل أن عَصَبَهُ بِعِصَابَةٍ، أو شَدَّهُ بِسَيْرٍ، أو جَعَلَ عليه قِرْطاسًا فيه دَوَاءٌ أو لا دَوَاءَ فيه، أو خَضَبَهُ بِحِنَّاءٍ، أو طَلَاهُ بِطِينٍ أو نُورَةٍ، أو جَعَلَ عليه دَوَاءً، فإنَّ جَمِيعَ ذلك سَتْرٌ له، وهو مَمْنُوعٌ منه. وسَوَاء كان ذلك لِعُذْرٍ أو غيرِه؛ فإنَّ العُذْرَ لا يُسْقِطُ الفِدْيَةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضًا أوْ بِهِ أَذّى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} (6). وقِصَّةِ كَعْبِ بن عُجْرَةَ. وبهذا كلِّه قال الشَّافِعِىُّ. وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ فى العِصابَةِ من الضَّرُورَةِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا تَسْقُطُ الفِدْيَةُ عنه بِالعُذْرِ، كما
(1) تقدم تخريجه فى صفحة 119.
(2)
تقدم تخريجه فى 3/ 376.
(3)
سقط من: ب، م.
(4)
أخرجه الدارقطنى، فى: كتاب الحج. سنن الدارقطنى 2/ 294. والبيهقى، فى: باب المرأة لا تنتقب. . .، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 47.
(5)
تقدم تخريجه فى 1/ 150.
(6)
سورة البقرة 196.