الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
وإن وَجَبَ عليه الصومُ، فلم يَشْرَعْ فيه (5) حتى قَدَرَ على الهَدْىِ، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهُما، لا يَلْزَمُهُ الانْتِقَالُ إليه. قال فى رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ (6): إذا لم يَصُمْ فى الحَجِّ فلْيَصُمْ إذا رَجَعَ. ولا يَرْجِعُ إلى الدَّمِ، وقد انْتَقَلَ فَرْضُه إلى الصيامِ؛ وذلك لأنَّ الصيامَ اسْتَقَرَّ فى ذِمَّتِه، لِوُجُوبِه حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ المُتَّصِلِ بشَرْطِه، وهو عَدَمُ الهَدْىِ. والثانية، يَلْزَمُهُ الانْتِقَالُ إليه. قال يعقوبُ: سألتُ أَحمدَ عن المُتَمَتِّعِ إذا لم يَصُمْ قبلَ يومِ النَّحْرِ؟ قال: عليه هَدْيانِ، يَبْعَثُ بهما إلى مَكَّةَ. أوْجَبَ عليه الهَدْىَ الأَصْلِىَّ، وهَدْيًا لِتَأْخِيرِه الصومَ عن وَقْتِه؛ لأنَّه قَدَرَ على المُبْدَلِ (7) قبلَ شُرُوعِهِ فى البَدَلِ، فلَزِمَهُ الانْتِقَالُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَدَ الماءَ.
فصل: ومن لَزِمَهُ صومُ المُتْعَةِ، فَماتَ قبلَ أن يَأْتِىَ به لِعُذْرٍ مَنَعَهُ (8) الصومَ، فلا شىءَ عليه. وإن كان لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عنه، كما يُطْعَمُ عن صومِ أيَّامِ رمضانَ. ولأنَّه صومٌ وَجَبَ بِأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ.
672 -
مسألة؛ قال: (والمَرْأَةُ إذَا دَخلَتْ مُتَمَتِّعَةً (1)، فحَاضَتْ، فَخشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ، أَهَلَّتْ بِالحَجِّ، وكَانَتْ قَارِنَةً، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ القُدُومِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُتَمَتِّعَةَ إذا حَاضَتْ قبلَ الطَّوَافِ لِلْعُمْرَةِ، لم يكنْ لها أن تَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ لأنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صلاةٌ، ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ من دُخُولِ المسجدِ، ولا يُمْكِنُها أن تَحِلَّ من عُمْرَتِهَا ما لم تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فإن خَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ
(5) سقط من: أ، ب، م.
(6)
فى النسخ: "المروزى". تحريف.
(7)
فى ب، م:"البدل".
(8)
فى أ، ب، م زيادة:"عن".
(1)
فى الأصل: "مكة".
أَحْرَمَتْ بِالحَجِّ مع عُمْرَتِها، وتَصِيرُ قَارِنَةً. وهذا قولُ مالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وكَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: تَرْفُضُ العُمْرَةَ، وتُهِلُّ بِالحَجِّ. قال أحمدُ: قال أبو حنيفةَ قد رَفَضَتِ العُمْرَةَ فصارَ (2) حَجًّا، وما قال هذا أحَدٌ غيرُ أبى حنيفةَ. وَاحْتَجَّ بما رَوَى عُرْوَةُ، عن عائشةَ، قالت: أهلَلْتُ (3) بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حَائِضٌ، لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ، ولا بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال:"انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وأَهِلِّى بِالْحَجِّ، وَدَعِى العُمْرَةَ". قالت: فَفَعَلْتُ. فلمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أرْسَلَنِى رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مع عبدِ الرحمن بن أبى بكرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه. فقال:"هذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". مُتَّفَقٌ عليه (4). وهذا يَدُلُّ على أنَّها رَفَضَتْ عُمْرَتها، وأحْرَمَتْ بِحَجٍّ من وُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها، قولُه:"دَعِى عُمْرَتَكِ". والثانى، قولُه:"وَامْتَشِطِى". والثالث، قوله:"هذه عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتكِ". ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: أقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ، حتى إذا كانت بِسَرِفٍ عَرَكَتْ (5)، ثم دَخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على عائِشةَ، فوَجَدَها تَبْكِى، فقال:"مَا شَأْنُكِ؟ " قالتْ: شَأْنِى أنِّى قد حِضْتُ، وقد حَلَّ النّاسُ، ولم أحِلَّ، ولم أَطُفْ بِالْبَيْتِ، والناسُ يَذْهَبُونَ إلى الحَجِّ الآن. فقال:"إنَّ هذَا أَمْرٌ (6) كَتَبَهُ اللَّه عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى، ثُمَّ أَهِلِّى بِالحَجِّ" فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ المَواقِفَ، حتى إذا طَهُرَتْ، طَافَتْ بالكَعْبَةِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ. ثم قال:"قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". قالتْ: يا رسولَ اللَّه، إنِّى أجِدُ (7) فى نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بِالْبَيْتِ (8)
(2) فى الأصل: "وصارت". وفى ا: "وصار".
(3)
فى أ، ب، م:"أهللنا".
(4)
تقدم تخريجه فى صفحة 242.
(5)
عرَكَت المرأة، تعرُك عَرْكًا وعراكًا وعُروكًا: حاضت.
(6)
سقط من: أ.
(7)
من الوجد، وهو الحزن.
(8)
سقط من: الأصل.
حتى حَجَجْتُ. قال: "فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". ورَوَى طاوُسٌ، عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ.، فقَدِمْتُ ولم أَطُفْ حتى حِضْتُ، ونَسَكْتُ المَنَاسِكَ كُلَّها، وقد أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ. فقال لها النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يومَ النَّفْرِ:"يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". فأبَتْ، فبَعَثَ معها عبدَ الرَّحمنِ ابن أبى بكرٍ، فأعْمَرَهَا من التَّنْعِيمِ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (9). وهما يَدُلَّانِ على ما ذَكَرْنَا جَمِيعِه. ولأنَّ إدْخَالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ جَائِزٌ بالإِجْماعِ من غيرِ خَشْيَةِ الفَواتِ، فمع خَشْيَتِه (10) أوْلَى. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أَهْلِ العِلْمِ، أنَّ لمَن أهَلَّ بِعُمْرَةٍ أن يُدْخِلَ عليها الحَجَّ، ما لم يَفْتَتِحِ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ. وقد أمَرَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مَن كان معه هَدْىٌ (11) فى حَجَّةِ الوَدَاعِ، أن يُهِلَّ بِالحَجِّ مع العُمْرَةِ، ومع إمكانِ الحَجِّ مع بَقَاءِ العُمْرَةِ لا يجوزُ رَفْضُها؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (12). ولأنَّها مُتَمَكِّنَةٌ من إتْمَامِ عُمْرَتِها بلا ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ رَفْضُها، كغَيْرِ الحَائِضِ. فأمَّا حديثُ عُرْوَةَ، فإنَّ قَوْلَه:"انْقُضِى رَأْسَكِ، وامْتَشِطِى، وَدَعِى العُمْرَةَ". انْفَرَدَ به عُرْوَةُ، وخَالَفَ به سائِرَ مَن رَوَى عن عائشةَ حين حاضَتْ، وقد رَوَىَ ذلك (13) طَاوُسٌ، والقاسِمُ، والأسْوَدُ، وعَمْرَةُ، [عن عائشةَ](14)، ولم يَذْكُرُوا ذلك (15). وحَديثُ جابِرٍ،
(9) الأول فى: باب بيان وجوه الإِحرام. . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 881. وأبو داود، فى: باب إفراد الحج، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 414. والنسائى، فى: باب فى المهلة بالعمرة تحيض. . .، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 128.
والثانى تقدم تخريجه فى صفحة 242.
(10)
فى ب، م:"خشية الفوات".
(11)
سقط من: الأصل.
(12)
سورة البقرة 196.
(13)
فى ب، م:"عن".
(14)
فى ب، م:"وعائشة".
(15)
تقدم تخريج حديث عروة عن عائشة فى صفحة 242.
وأما روايات كل من طاوس والقاسم والأسود وعمرة فقد أخرجها مسلم، فى: باب بيان وجوه الإِحرام. . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 873 - 879.
وطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لهذه الزِّيَادَةِ. وقد رَوَى حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هِشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبِيه، عن عائشةَ، حديثَ حَيْضِهَا، فقال فيه: فحَدَّثَنِى (16) غيرُ وَاحِدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال لها:"دَعِى العُمْرَة (17)، وانْقُضِى رَأْسَكِ، وامْتَشِطِى". وذَكَرَ تَمَامَ الحَدِيثِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ عُرْوَةَ لم يَسْمَعْ هذه الزِّيَادَةَ من عائشةَ، وهو مع [ما ذَكَرْنَا من](18) مُخَالَفَتِه بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ، يَدُلُّ على (19) الوَهْمِ، مع مُخَالَفَتِها الكِتَابَ (20) والأُصُولَ، إذ ليس لنا مَوْضِعٌ آخَرُ يجوزُ فيه رَفْضُ العُمْرَةِ مع إمْكَانِ إتْمامِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه:"دَعِى العُمْرَةَ". أى دَعِيهَا بِحَالِها، وأهِلِّى بِالحَجِّ معها، أو دَعِى أفْعالَ العُمْرَةِ، فإنَّها تَدْخُلُ فى أَفْعَالِ الحَجِّ. وأمَّا إعْمارُها من التَّنْعِيمِ، فلم يَأْمُرْهَا به النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قالتْ للنَّبِىِّ (21) صلى الله عليه وسلم: إنِّى أجِدُ فى نَفْسِى أنِّى لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ حتى حَجَجْتُ. قال: "فَاذْهَبْ بهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن الأَسْوَدِ، عن عائشةَ، قالت (22): اعْتَمَرْتِ بعدَ الحَجِّ؟ قالتْ: واللهِ ما كانت عُمْرَةً، ما كانتْ إلَّا زِيَارَةً زُرْتُ البَيْتَ، إنَّما هى مثلُ نَفَقَتِها (23). قال أحمدُ: إنَّما أعْمَرَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عائشةَ حين ألَحَّتْ عليه، فقالت: يَرْجِعُ النّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وأرْجِعُ بِنُسُكٍ! فقال:"يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَعْمِرْهَا". فنَظَرَ إلى أدْنَى الحَرَمِ، فأعْمَرَها منه (24). وقَوْلُ الخِرَقِىِّ:"ولَمْ يَكُنْ عليها قَضَاءُ طَوَافِ القُدُومِ". وذلك لأنَّ طَوافَ القُدُومِ سُنَّةٌ
(16) فى ب، م:"حدثنى".
(17)
فى الأصل: "عمرتك".
(18)
فى أ: "ذكرناه فى".
(19)
فى ازيادة: "أن".
(20)
فى الأصل: "للكتاب".
(21)
فى ب، م:"له".
(22)
كذا بالنسخ، وما يأتى من قول من سألها.
(23)
لم نجده فيما بين أيدينا من كتب السنة.
(24)
تقدم تخريجه فى صفحة 242.