الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفارَقَ ما إذا رَجَعَ قبلَ إحْرامِه فأحْرَم منه، فإنَّه لم يَتْرُكِ الإِحْرامَ منه، ولم يَهْتِكْهُ.
فصل:
ولو أفْسَدَ المُحْرِمُ مِن دُونِ المِيقاتِ حَجَّهُ، لم يَسْقُطْ عنه الدَّمُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّ القَضاءَ وَاجِبٌ. ولَنا، أنَّه وَاجِبٌ عليه بمُوجِبِ هذا الإِحْرامِ، فلم يَسْقُطْ بِوُجُوبِ القَضاءِ، كَبَقِيَّةِ المَنَاسِكِ، وكجَزَاءِ الصَّيْدِ.
فصل: فأمَّا المُجاوِزُ لِلْمِيقاتِ، مِمَّنْ لا يُرِيدُ النُّسُكَ، فعلَى قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، لا يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، بل يُرِيدُ حَاجَةً فيما سِوَاه، فهذا لا يَلْزَمُه الإِحْرامُ بغيرِ خِلافٍ، ولا شىءَ عليه في تَرْكِ الإِحْرامِ، وقد أتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحابُه بَدْرًا مَرَّتَيْنِ، وكانوا يُسافِرُونَ لِلْجِهادِ وغيرِه، فيَمُرُّونَ بذِى الحُلَيْفَةِ، فلا يُحْرِمُونَ، ولا يَرَوْنَ بذلك بَأْسًا. ثم مَتَى بدا لهذا الإِحْرامُ، وتَجَدَّدَ له العَزْمُ عليه، أحْرَمَ من مَوْضِعِه، ولا شىءَ عليه. هذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وبه يقولُ مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وصاحِبَا أبى حنيفةَ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، في الرَّجُلِ يَخْرُجُ لِحاجَةٍ، وهو لا يُرِيدُ الحَجَّ، فجاوَزَ ذا الحُلَيْفَة، [ثم أرَادَ الحَجَّ، يَرْجِعُ إلى ذِى الحلَيْفَة](4)، فيُحْرِمُ. وبه قال إسحاقُ. ولأنَّه أحْرَمَ مِن دُون المِيقاتِ، فلَزِمَهُ الدَّمُ، كالذى يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ. والأوَّلُ أصَحُّ. وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على مَن يُجاوِزُ المِيقاتَ مِمَّنْ يَجِبُ عليه الإِحْرامُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أوْ عُمْرَةً"(5). ولأنَّه حَصَل دون المِيقاتِ على وَجْهٍ مُبَاحٍ، فكان له الإِحْرامُ منه، كأهْلِ ذلك المكانِ. ولأنَّ هذا القولَ يُفْضِى إلى أنَّ مَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، إذا خَرَجَ إلى المِيقَاتِ، [ثم عَادَ إلى مَنْزِلِه، وأرَادَ الإِحْرَامَ، لَزِمَهُ الخُرُوجُ إلى المِيقَاتِ](6)، ولا قَائِلَ به. وهو مُخَالِفٌ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُه دُونَ المِيقَاتِ، فمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِه"(5). القسم الثاني، من يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، إمَّا إلى مَكَّةَ أو غيرِها، فهم على
(4) سقط من: الأصل.
(5)
تقدم في صفحة 56.
(6)
سقط من: أ.
ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مَن يَدْخُلُها لِقِتَالٍ مُباحٍ، أو من خَوْفٍ، أو لِحاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، كالحَشَّاشِ، والحَطَّابِ، ونَاقِلِ المِيرَةِ (7)، والفَيْجِ (8)، ومَن كانت له ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُه وخُرُوجُه (9) إليها، فهؤلاء لا إحْرامَ عليهم؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ يَوْمَ الفَتْحِ مَكَّةَ حَلَالًا وعلى رَأْسِه المِغْفَرُ، وكذلك أصْحابُه، ولم نَعْلَمْ أحَدًا منهم أحْرَمَ يَوْمَئِذٍ، ولو أوْجَبْنَا الإِحْرامَ على كلِّ مَن يَتَكَرَّرُ دُخُولُه، أفْضَى إلى أن يكونَ جَمِيعَ زَمَانِه مُحْرِمًا، فسَقَطَ لِلْحَرَجِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ لأحَدٍ دُخُولُ الحَرَمِ بغيرِ إحْرَامٍ، إلَّا مَن كان دُونَ المِيقَاتِ؛ لأنَّه يُجَاوِزُ المِيقاتَ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إحْرَامٍ كغيرِه. ولَنا، ما ذَكَرْنَاهُ، وقد رَوَى التِّرْمِذِىُّ (10)، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ يَوْمَ الفَتْحِ مَكَّةَ وعلى رَأْسِه عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ومتى أرَادَ هذا النُّسُكَ بعد مُجَاوَزَةِ المِيقَاتِ أحْرَمَ من مَوْضِعِه كالقِسْمِ الذي قَبْلَه، وفيه من الخِلافِ ما فيه. النوع الثاني: مَن لا يُكَلَّفُ الحَجَّ كالعَبْدِ، والصَّبِيِّ، والكافِرِ إذا أَسْلَمَ بعد مُجاوَزَةِ المِيقَاتِ، أو عَتَقَ العَبْدُ، وبَلَغَ الصَّبِىُّ، وأرادُوا الإِحْرامَ، فإنَّهم يُحْرِمُونَ من مَوْضِعِهم، ولا دَمَ عليهم. وبهذا قال عَطاءٌ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ في الكافِرِ يُسْلِمُ (11)، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ، وقالوا في العَبْدِ: عليه دَمٌ.
(7) الميرة: الطعام يجمع للسفر ونحوه.
(8)
الفيج: هو رسول السلطان يسعى بالكتب، وقيل: الذي يحمل الأخبار من بلدٍ إلى بلدٍ، فارسى معرب.
(9)
سقط من: الأصل.
(10)
في: باب ما جاء في الألوية، من أبواب الجهاد، وفي: باب ما جاء في العمامة السوداء، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 177، 243.
كما أخرجه مسلم، في: باب جواز دخول مكة بغير إحرام، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 990. وأبو داود، في: باب في العمائم، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 376. والنسائى، في: باب دخول مكة بغير إحرام، من كتاب المناسك، وفى: باب لبس العمائم السود، من كتاب الزينة. المجتبى 5/ 159، 8/ 186. وابن ماجه، في: باب لبس العمائم في الحرب، من كتاب الجهاد، وفي: باب العمامة السوداء، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 942، 1186. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 363، 387.
(11)
من هنا إلى آخر قوله: "يسلم" الآتي سقط من: أ.