الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرَّابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ".
وفي لفظٍ للبخاريِّ: "تُسَافِرُ مَسِيَرةَ يَوْمٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"(1).
اعلم أنَّ هذا الحديث روي في "الصَّحيح" على أوجه، منها:"لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا وَمعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"، وفي رواية:"فَوْقَ ثَلَاثٍ"، وفي رواية:"ثَلَاثَةٍ"، وفي رواية:"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"، وفي رواية:"لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ منها، أَوْ زَوْجُها"، وفي رواية: نهى أن تسافرَ المرأةُ مسيرةَ يومين، وفي رواية:"لا يحلُّ لا مرأةٍ مسلمةٍ تسافرُ مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعَها ذُو حرمةٍ منها"، وفي رواية:"لَا يَحِلُّ لِامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمِ"، وفي رواية:"مَسِيَرةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، وفي رواية:"لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
هذه روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود:"لا تسافرُ بريدًا"، والبريد: مسيرة نصف يوم (2).
قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السَّائلين، واختلاف
(1) رواه البخاري (1038)، كتاب: تقصير الصلاة، باب: في كم يقصر الصلاة؟ ومسلم (1339)، كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، وهذا لفظ مسلم.
(2)
انظر هذه الروايات في "صحيح البخاري"(1037)، و"مسلم"(1338)، (2/ 975) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
والبخاري (1139)، ومسلم (827)، (2/ 975 - 976)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
والبخاري (1763)، ومسلم (1341)، (2/ 978)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومسلم (1339)، (2/ 978)، وأبو داود (1724)، (2/ 140)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
المواطن، وليس في النَّهي عن الثَّلاثة تصريحٌ بإباحة اليوم أو اللَّيلة أو البريد.
قال البيهقيُّ: كأنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن المرأة، تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال:"لَا"، وَعَنْ يَوْمَيْنِ، فقال:"لَا"، وَعَنْ يَوْمٍ، فقال:"لَا"، وَكَذلكَ البريد، فأدَّى كلٌّ منهم ما سمعه (1)، وما جاء منها مختلفًا، عن راو واحد، فسمعه في مواطن، يروي تارة هذا، وتارة هذا، وكلُّه صحيح، وليس في هذا كلّه تحديد لأقلِّ ما يقع عليه اسم السَّفر، ولم يُرد صلى الله عليه وسلم تحديدَ أقل ما يسمَّى سفرًا، فالحاصل: أن كلَّ ما يسمى سفرًا تنتهي عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيَّام، أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السَّابقة:"لا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفرًا، والله أعلم.
واعلم: أنَّه لا بدَّ من تبيين المَحْرَمِ، ومعرفة حدِّه، وحقيقته:
قال العلماء من الشَّافعية: المحرم من النِّساء التي يجوز النَّظر إليها والخلوة بها، والمسافرة بها: كلُّ من حرم نكاحها على التَّأبيد بسبب مباح؛ لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت المرأة، وعمتها وخالتها ونحوهنَّ.
وقوله: بسبب مباح: احتراز من أمِّ الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنَّهما يحرَّمان على التَّأبيد وليستا محرَّمتين؛ لأن وطء الشُّبهة لا يوصف بالإباحة؛ حيث إنَّه ليس بفعل مكلَّف.
وقولنا: لحرمتها، احتراز من الملاعنة؛ فإنَّها محرَّمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظًا، والله أعلم.
أمَّا قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ"، فهو عامٌّ في كلِّ امرأة، سواء الشَّابة والعجوز.
وحكى القاضي عياض عن الباجي من المالكيَّة: أنَّه قال: هذا عندي في
(1) انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (3/ 139).
الشَّابة، فأمَّا الكبيرة غير الشابة، فتسافر كيف شاءت كلَّ الأسفار بلا زوج ولا محرم.
قال شيخنا أبو زكريَّا النَّوويُّ، -قدَّس الله روحه-: وهذا الذَّي قاله الباجي لا يوافق عليه؛ لأن المرأة مظنَّة الطَّمع فيها والشَّهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكلِّ ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء النَّاس وسقطتهم ما لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلَّة دينه ومروءته، وكثرة خيانته، ونحو ذلك، والله أعلم (1).
قال شيخنا أبو الفتح القاضي رحمه الله: والَّذي قال الباجي تخصيص للعموم بالنَّظر إلى المعنى، وخالفه بعض الشَّافعية المتأخِّرين، قال: وقد اختار هذا الشَّافعي: أن المرأة تسافر بالأمر ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها من جملة القافلة، وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث، والله أعلم (2).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ".
تنبيه: يوصف الإيمان بالله، واليوم الآخر على العمل بأحكام الشَّرع، والوقوف مع حدوده، في الظَّاهر والباطن، وأنَّ الحامل على ذلك إنَّما هو الإيمان لا غير، فإن من علم أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ بالذنب وأنَّه محاسب عليه يوم القيامة، حمله ذلك على التَّقيُّد بفعل المأمور، وترك المنهيِّ، وذلك هو المطلوب، والله أعلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أَنْ تُسَافِرَ" هو مطلق في كلِّ سفر، طويلًا كان أم قصيرًا، كما بيَّنَّاه في الكلام على روايات الحديث.
وهل هو عامٌّ في سفر كل طاعة، أم مخصَّص؟
أمَّا سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، فاتَّفق العلماء على وجوبه، وإن لم يكن معها أحد من محارمها.
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 105).
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 19).
وأمَّا سفر الحجِّ أو العمرة، فإن كانا واجبين، وهي مستطيعة كالرَّجل، فهل يشترط لاستطاعتها وجود محرم لها في سفرها لهما؟ فمذهب الشَّافعي في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعيُّ.
قال أصحاب الشَّافعيِّ: ويحصل الأمن بزوجٍ أو محرمٍ أو نسوة ثقاتٍ، ولا يلزمها الحجُّ إلا بأحد هذه الأشياء.
واشترط أبو حنيفة المحرم لوجوب الحجِّ عليها، إلَّا أن يكون بينها وبين مكَّة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث، وأصحاب الرَّأي، وحكي أيضًا عن الحسن البصريِّ والنَّخعي.
وإن كانا تطوعًا، أو سفر زيارة، أو تجارة، ونحوها من الأسفار التي ليست واجبةً، فقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوةٍ ثقات، كحجَّة الإسلام.
قال القاضي عياض رحمه الله: واتَّفق العلماء على أنَّه ليس لها أن تخرج في غير الحجِّ والعمرة، إلَّا مع ذي محرم، إلَّا الهجرة من دار الحرب، كما ذكرنا، قال: والفرق بينهما: أنَّ إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التَّأخر عن الحجِّ، كيف وهو مختلف في أنَّه على الفور، أم التَّراخي (1)، فالَّذين اشترطوا المحرم لوجوب الحجِّ، استدلوا بهذا الحديث، فإنَّ سفرها للحجِّ من جملة الأسفار الدَّاخلة تحته، فيمتنع إلَّا مع المحرم، والَّذين لم يشترطوه قالوا: المشترط الأمن على نفسها مع رفقةٍ مأمونين، رجالًا أو نساءً، كما تقدَّم. ولا شك أنَّ هذه المسألة تتعلَّق بالعامَّين إذا تعارضا، وكان كلُّ واحدٍ منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه: بيانه: أن قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] يدخل تحته الرِّجال والنِّساء، فيقتضي ذلك أنَّه إذا وجدت
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 104).
الاستطاعة المتَّفق عليها، أن يجب عليها الحجُّ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يَحِلُّ لاِمْرَأَة" الحديث خاص بالنِّساء، عام في الأسفار، فإذا قيل: وأخرج عنه سفر الحجِّ بقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، قال المخالف: ويعمل بقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، فتدخل المرأة فيه، ويخرج سفر الحجِّ عن النَّهي، فيقوم في كلِّ واحد من الحديثين عموم وخصوص، ويحتاج إلى التَّرجيح من خارج.
وذكر بعض الظَّاهرية: أنَّه يذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله"(1)، ولا يتَّجه ذلك؛ لكونه عامًّا في المساجد، ويمكن أن يخرج عنه المسجد الَّذي يحتاج إلى السَّفر في الخروج إليه؛ لحديث النَّهي.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَسِيرةَ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ، إلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ" وللبخاريِّ: "مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" تقدَّم الكلام على اختلاف الرِّوايات، في مسيرة السَّفر، والمراد منها كلِّها، وعلى حقيقة المحرم.
ولا شكَّ أنَّ ذا المحرم عامٌّ في محرم النَّسب؛ كأبيها، وأخيها، وابن أخيها، وخالها، وعمِّها، ومحرم الرّضاع، ومحرم المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، واستثنى بعضهم ابنَ زوجها، وقال: يكره السَّفر معه؛ لغلبة الفساد في النَّاس بعد العصر الأوَّل؛ ولأنَّ كثيرًا من الناس لا ينزل زوجةَ الأب في النَّفرة عنها منزلةَ محارم النَّسب، والمرأة فتنة، إلا فيما جبل الله النفوسَ عليه في النفرة عن محارم النسب.
والحديث عامٌّ، فإن كانت الكراهة للتَّحريم إلَّا مع محرمية، لزم الزَّوج، وهو بعيد مخالف لظاهر الحديث، وإن كان للتنزيه للمعنى المذكور، فهو أقرب تشوقًا إليه، ويقويه استثناء السَّفر مع المحرم، فيصير التَّقدير: إلَّا مع ذي محرم، فيحلُّ.
(1) تقدم تخريجه.
ويبقى النَّظر في قولنا: يحلُّ، فهو يتناول المكروه، أم لا؛ بناء على أنَّ لفظ يحلُّ يقتضي الإباحة المستوية الطَّرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه، فهو قريب جدًّا في التَّخصيص، وإن قلنا: يتناوله، فهو مشكل، والله أعلم.
ثمَّ الحرمة في إحدى الرِّوايتين بمعنى: ذي المحرم، وإن استعمل استعمالًا لغويًّا فيما يقتضي الإحرام، فيدخل فيه الزَّوج لفظًا، فيلحق في الحكم بالمحرم في جواز السَّفر معه، وأولى بالجواز، والله أعلم.
هذا حكم السَّفر وما يتعلَّق به، والخلوة ملحقة بحكمه.
أمَّا إذا خلا الأجنبيُّ بالأجنبية من غير ثالث معهما، فهو حرام باتِّفاق العلماء، وكذلك لو كان معهما من لا يستحيا منه؛ لصغره؛ كابن سنتين وثلاث، ونحو ذلك، فإنَّ وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجالٌ بامرأةٍ أجنبيةٍ، فهو حرامٌ، بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوةٍ أجانب؛ فإنَّ الصَّحيح جوازه؛ لتواطؤ الرِّجال على المرأة، وعدم مواطأة النِّساء على الرَّجل الواحد.
والمختار: أنَّ الخلوة بالأمرد الأجنبيّ الحسن كالمرأة، فتحرم الخلوة به، حيث حرمت بالمرأة إلَّا إذا كان في جمع من الرِّجال المصونين، قال أصحاب الشَّافعيِّ: ولا فرق في تحريم الخلوة بحيث حرمناها بين الخلوة في صلاة أو غيرها.
ويستثنى من هذا كلِّه مواضعُ الضرورة، بأن يجد امرأةً منقطعةً في الطَّريق، أو نحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا خلاف فيه، ويدلُّ عليه حديث عائشة رضي الله عنها في قصَّة الإفك، والله أعلم.
* * *