الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيه دليل على تتبع السنن، ومعرفة أوقاتها، والمحافظة عليها.
وفيه دليل على أن أفعاله صلى الله عليه وسلم سنن عامة؛ كأقواله، وأنها شرع، ويحرم تقديم الأذان الثاني في رمضان على طلوع الفجر الثاني؛ لما يلزم منه من تحريم الأكل المحلَّل المشروع على الناس، وما كان وسيلة إلى الحرام، فهو حرام، بل إن اعتقد معتقد حل تقديمه إذا أوهم طلوع الفجر الثاني وتحريم السحور لا لمقصود شرعي، فهو كفر، والله أعلم، ولو فعل ذلك احتياطًا للصوم مع الاجتهاد التام في تحرير معرفة طلوعه، وخشي طلوعه من غير علمه لغيم أو تقصير فيه، فلا بأس به إذا لم يفحش، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَائِشَةَ وَأمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُدْرِكهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ (1).
تقدم الكلام على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
المقصود من ذكر هذا الحديث: الدلالة على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام، أو جماع، وكان فيه اختلاف بين الصحابة والتابعين، فذهب أبو هريرة إلى أنه: من أدركه الصبح جنبًا، فلا يصم، ورواه عن الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه مالك، وقال: أفطر، فلما بلغه حديث عائشة وأم سلمة، رجع إليه، وترك حديث الفضل، ورآه منسوخًا؛ لأنه في أول الأمر حين كان الجماع محرمًا في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب محرمًا، ثم نسخ ذلك، ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ، فرجع إليه، وهذا أحسن ما قيل فيه، ولذلك يقال جوابًا عمن قال به بعد أن بلغهم ورجعوا، قال طاوس، وعروة، والنخعي: إن علم بجنابته، لم يصح،
(1) رواه البخاري (1825)، كتاب: الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا، ومسلم (1109)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب.
وإلا، فيصح، وحكي مثله عن أبي هريرة، وحكي أيضًا عن الحسن البصري والنخعي: أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض، وحكي عن سالم بن عبد الله، والحسين بن صالح: أنه يصومه ويقضيه، ثم ارتفع الخلاف، ووقع الإجماع على صحة صوم الجنب، مع أنه قد قيل: إن أبا هريرة لم يرجع عن قوله بعدم صحة صوم الجنب، لكن الصحيح رجوعه، كيف والحديث بصحة صوم الجنب موافق للقرآن العزيز؛ فإن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، قال الله تعالى:{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، والمراد بالمباشرة: الجماع إجماعًا، ولهذا قال تعالى:{وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة:187]، فاقتضى ذلك جواز الجماع إلى طلوع الفجر، ولزم منه أن يصبح جنبًا، ويصح صومه؛ لقوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فلما أتم الصوم، وأبيح الجماع في ليلة الصوم مطلقًا إلى الوقت المقارن لطلوع الفجر، لزم الإصباح جنبًا، وإذا دل القرآن وفعلُ الرسول صلى الله عليه وسلم على جواز الصوم لمن أصبح جنبًا، وجب المصيرُ إليه، وصار ناسخًا لما قبله.
وقد أجيب عن حديث الفضل وأسامة على تقدير عدم نسخه بأنه إرشاد إلى الأفضل أنه يغتسل قبل الفجر، ولو خالف، جاز، وهذا جواب أصحاب الشافعي عن الحديث، ومذهبهم في حكم المسألة، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال أفضل، وهذا الحديث الصحيح على خلافه؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، وفعله صلى الله عليه وسلم الشيء بيانًا لجوازه أفضل في حقه؛ حيث إنه مأمور بالبيان؛ كما توضأ صلى الله عليه وسلم مرة مرة، وطاف على البعير، مع أن الوضوء ثلاثًا والطواف ماشيًا أفضل؛ لأنه المتكرر من فعله صلى الله عليه وسلم، ونظائر ذلك كثيرة.
وهذا الكلام راجع إلى مسألة أصولية، وهي أن الوجوب إذا نسخ هل ببقى الاستحباب؟ الصحيح بقاؤه، فالاغتسال قبل الفجر في الصوم للجنب كان واجبًا، فلما نسخ، بقي استحبابه. والله أعلم.