المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَن رَسُولَ اللهِ - العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار - جـ ٢

[ابن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الوتر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الذكر عقيب الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب العيدين

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الكسوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الاستسقاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب صلاة الخوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الجنائز

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌كتاب الزكاة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الصيام

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب الصوم في السفر وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السَّابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب أفضل الصِّيام وغيره

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثّاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السَّادس

- ‌الحديث السَّابع

- ‌الحديث الثَّامن

- ‌باب ليلة القدر

- ‌الحديث الأَوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌باب الاعتكاف

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌كتاب الحجّ

- ‌باب المواقيت

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌باب ما يَلْبسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّياب

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌بَابُ الفِدْيةِ

- ‌باب حُرمة مكَّة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌باب ما يجوز قتله

- ‌باب دخول مكَّة وغيره

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب التَّمتُّع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الهدي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الغسل للمحرم

- ‌باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب المُحْرِم يأكل من صيد الحلال

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب ما نُهي عنه من البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب العرايا وغير ذلك

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب السَّلَمِ

- ‌الحديث الأول

- ‌باب الشروط في البيع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الرِّبَا والصرف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

الفصل: ‌ ‌الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَن رَسُولَ اللهِ

‌الحديث الثاني

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا، فَهُوَ بِخير النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"(1). وفي لفظ: "وَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثًا"(2).

أَمَّا تَلَقِّي الرُّكبَان: فهو أن يتلقَّى طائفةً يحملون متاعًا، فيشتريه منهم قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا الأسعار، وهو من البيوع المنهي عنها للتحريم.

وأَمَّا قولهُ صلى الله عليه وسلم: "وَلَا يَبْع بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"؛ فهو مفسرٌ عند الشافعية بأن تقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهو حرام.

وكذا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع: افسخ البيع، وأنا اشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو ذلك.

وإنما كان تفسير البيع على بيع أخيه في مدة الخيار دون ما بعده حيث يتصور فسخ البيع يكون الخيار لهما أو لأحدهما، فيكون عقد البيع جائزًا، فيكون الفعل حرامًا.

والعقد صحيح عند من يرى: أن النهي الخارج عن ذات الشيء لا يقتضي فساده، أما إذا كان بعد انقضاء مدة الخيار، فالعقد لازم، والفعل حرام، ولا يصح البيع إجماعًا.

وخصص بعض الفقهاء هذا بما إذا لم يكن في البيع غبن فاحش، أما إذا كان المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، فله أن يعلمه ليفسخ ويبيع منه بأرخص، وفي معناه

(1) رواه البخاري (2043)، كتاب: البيوع، باب: النهي للبائع ألا يحفل الإبل والبقر والغم، مسلم (1515)، كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه.

(2)

رواه البخاري (2041)، كتاب، البيوع: باب: النهي للبائع ألا يحفل الإبل والبقر والغنم.

ص: 1094

ما إذا كان البائع مغبونًا، فيدعوه إلى الفسخ، فيشتريه منه بأكثر.

ومن الفقهاء من فسَّر البيع على البيع بالسوم على السوم، وهو: أن يتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، أو يكون المبيع في العرض عند المشتري بعد تقرير الثمن وقبل العقد، فيقول آخر للبائع: أنا اشتريته.

وكل هذا حرام بعد استقرار الثمن، فلو لم يستقر الثمن، وكانت السلعة تباع فيمن يزيد، فليس بحرام، وبعد الرضا بين المتساومين صريحًا، فلو وجد ما يدل على الرضا من غير تصريح، فوجهان، وليس السكوت من دلائل الرضا عند الأكثرين من الشافعية.

وقولهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَنَاجَشُوا"؛ النَّجْشُ: بفتح النون وسكون الجيم وبالشين المعجمة، وتناجشوا: تفاعلوا النجش، وهو عند الفقهاء: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره ويغره؛ ليزيد ويشتريها، وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجُشه -بضم الجيم- نجشًا: إذا استثرته، وسمي الناجش في السلعة ناجشًا؛ لأنه يثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها.

وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الختل؛ وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئًا فهو ناجش.

وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش: المدح والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول (1).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؛ الحاضر: المقيم بالبلد، والبادي: المقيم بالبادية، وفي معناه القروي: وهو المقيم بالقرى المضافة إلى البلاد.

(1) انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (1/ 199)، و"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 5)، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (20/ 5)، و"لسان العرب" لابن منظور (6/ 315)، (مادة: نجش)، و "شرح مسلم" للنووي (10/ 159)، "تحرير ألفاظ التنبيه" له أيضًا (ص: 184).

ص: 1095

وصورة بيع الحاضر للبادي المنهي عنه: أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي؛ لأبيعه على التدريج بزيادة سعر، وذلك إضرارٌ بأهلِ البلدِ، وحرامٌ إن علم بالنهي.

وتصرف الفقهاء من الشافعية في ذلك، وقيدوا عدم التحريم بشروط:

منها: ألا يكون المتاع المجلوب إلى البلد محتاجًا إليه في البلد، ولا يؤثر فيه لقلة ذلك المجلوب.

ومنها: عدم علم البلدي بالنهي.

ومنها: ألَّا يكون المتاع مما تعم به الحاجة إليه في البلد، دون ما لا يحتاج إليه إلا نادرًا.

ومنها: ألَّا يدعو البدوي البلدي إلى تأخير بيعه عند حاجة أهل البلد، فلو دعا البلدي البدوي، أو كان المجلوب مما بأهل البلد حاجة إليه في ذلك الوقت، أو كان عالمًا بتحريمه، أو كانت الحاجة إليه غالبة، أو كان المجلوب يؤثر في دفع ضرورة أهل البلد إليه لقلته، كان حرامًا، وإلا فلا يحرم.

واعلم: أن المعنى في تحريم بيع الحاضر للبادي وسببه: الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، ومنع من تلقِّيه، نظرًا إلى المصلحة العامة للناس، واغتفار عدم مفسدة مصلحة واحد على الجماعة، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع ببيعه جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، قدَّمَ الشرع مصلحتهم على مصلحته، ولما كان المتلقي ينتفع هو خاصة دون الناس، حرم عليه التلقي، ومنع منه؛ نظرًا لمصلحة الناس عليه، فكل من البادي والمتلقي متفق في الحكمة والمصلحة، والله أعلم.

واعلم: أن أكثر الأحكام تدور بين اعتبار المعنى، واتباع اللفظ، وينبغي أن ينظر في المعنى إلى ظهوره وخفائه، فإن ظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وإن خفي ولم يظهر ظهورًا قويًّا، فاتباع اللفظ أولى.

ص: 1096

قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي رحمه الله (1): فأما ما ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك، فلا يقوى؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه؛ فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرًا، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه، فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله صلى الله عليه وسلم:"دعوا الناسَ يرزقُ اللهُ بعضَهم من بعضٍ"(2). وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك -أيضًا- هو متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد.

وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه؛ كشرطنا العلم بالنهي والإشكال فيه، ومنها ما يوجد باستنباط المعنى، فيخرج على قاعدة أصولية، وهي: أن النص إذا استنبط منه معنى يوعد عليه بالتخصيص، هل يصح أو لا؟ يظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط، هذا آخر كلامه، والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ"؛ الذي عليه أهل التحقيق من الرواية وأهل اللغة والغريب في ضبط "تُصَرُّوا" أنه بضم التاء وفتح الصاد ونصب لفظة الغنم، مأخوذ من التصرية، وهي الجمع، يقال: صَرَّى يُصَرِّي تصرية، وصرَّاها يُصَرِّيها تصريةً، فهي مُصَرَّاة؛ كغشَّاها يغشِّيها تغشية فهي مُغَشَّاة، وزكاها يزكيها تزكية فهي مُزَكَّاة، وروي في غير الصحيح:"تَصُرُّوا" -بفتح التاء وضم الصاد- من الصرة، ورواه بعضهم "تُصَرُّ" بضم التاء من غير واو الجمع بعد الراء، وبرفع الغنم، على ما لم يُسمَّ؛ فاعله من الصَّرِّ -أيضًا-، وهذا لا يصح رفعه مع اتصال الفاعل، وإنما يصح مع اتصال الفعل، ولا يعلم رواية حذف فيها هذا الضمير.

(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام"(3/ 115).

(2)

رواه مسلم (1522)، كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي، عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ:"دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".

ص: 1097

والصواب المشهور في ضبطه هو الأول؛ ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعُها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة، ومنه قول العرب: صريت الماء [في] الحوض، وصرَّيته -بالتشديد والتخفيف-؛ أي: جمعته، وصرَّى الماءَ في ظهره؛ أي: حبسه فلم يتزوج.

وقال الشافعي رحمه الله: التصرية: ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها؛ ليزيد المشتري في ثمنها بسبب ذلك؛ لظنَّه أنه عادة لها.

وقال أبو عبيد: هو من صَرَّى اللبنَ في ضَرعِها: إذا حبسه، وأصل التصرية: حبسُ الماء، قال أبو عبيد: ولو كانت من الربط، لكانت مصرورة، أو مُصَرَّرة.

قال الخطابي: وقول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح، قال: والعرب تصرُّ ضروعَ المحلوبات، واستدل لصحة قول الشافعي بقول العرب: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلبَ والصرَّ، وبقول مالك بن نويرة:

فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ

مُصَرَّرَةٌ أَخلافُهَا لم تجرَّدِ

قال: واحتمل أن أصل المصراة: مصرَّرة، أبدلت إحدى الراءين ألفًا؛ كقوله تعالى:{خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 10]؛ أي. دسَّسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس، والله أعلم. وإنما كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف، وإن كانت في الصورة حرفين؛ لكون الحرف المشدد عندهم بحرفين في اللفظ (1).

وهذا الحديث الذي ذكره المصنف في تصرية الغنم خاصة، وفي "الصحيح" ذكر الإبل والغنم، ولا شك أنَّ كلًّا من الإبل والغنم محل للتصرية، فثبت بهما الخيار، وهل يتعدى ثبوته إلى باقي النعم خاصة، وهي البقر، أو إلى كل حيوان مأكول اللحم؟

(1) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (2/ 240 - 242)، "معالم السنن" للخطابي (6/ 84 - 85)، و"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 43)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 27)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 160 - 161)، و"تهذيب الأسماء واللغات" له أيضًا (3/ 166).

ص: 1098

فيه وجهان لأصحاب الشافعي:

أحدهما: لا يتعدى؛ جمودًا على ما ذكر في الحديث.

والثاني: يتعدى إلى باقي النعم، وإلى كل مأكول اللحم؛ نظرًا إلى المعنى؛ فإن مأكول اللحم يقصد لبنه، فيفوت بالتصرية المقصود الذي ظنه المشتري بالخديعة، فثبت له الخيار.

ومن أصحاب الشافعي رحمه الله من عداه إلى ما لا يؤكل لحمه؛ كالأتان، وقال: فيه وجهان:

أحدهما: لا يتعدى.

والثاني: يتعدى.

من قال: يتعدى، نظر إلى أنه مقصود لزينة الجحش، فمن اعتبر هذا المعنى، صحح هذا الوجه، ومن قال: لا يتعدى، نظر إلى [أن] لبن الأتان غير مقصود لشرب الآدمي، لكن الأمر المقصود لا يتعين لشرب ولا غيره، بل هو المعنى عام في كل مقصود غير ممنوع شرعًا.

وكذلك ذكروا الخلاف في لبن الآدميات لو حفلها، وإذا ثبت الخيار في الأتان، فالظاهر أنه لا يرد لأجل لبنها شيئًا، وهذا يبين أن الأتان لا يقاس على المنصوص عليه في الحديث، وهو الإبل والغنم؛ إذ شرط القياس اتحاد الحكم، فينبغي أن يكون إثبات الخيار فيها من القياس على قاعدة أخرى، وفي رد شيء لأجل لبن الآدمية خلاف.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ ابْتَاعَهَا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا" هذا الحديث مطلق في الحلبات، لكنها مقيدة في الرواية التي ذكرها في الكتاب بالخيار إلى ثلاثة أيام، سواء حلبها مرةً أو مراتٍ، واتفق أصحاب مالك على أنه: إذا حلبها مرة ثانية: أن له الرد إن أراده، واختلفوا في حلبها الثالثة، هل يكون رضي بمنع الرد، أم لا يمنع الرد؟ ورجحوه؛ لإطلاق الحديث، ولأن التصرية لا تتحقق إلا بثلات حلبات؛ لجواز

ص: 1099

أن يكون نقص الحلبة الثانية لاختلاف المرعى، أو لأمرٍ غير التصرية، فلا يتحقق إلا بعد الحلبة الثالثة، وإذا كانت لفظة "حلبها" مطلقة، فلا دلالة لها على الثانية والثالثة، وإنما يوجد ذلك من حديث آخر.

ولك أن تقول: ثبوت الخيار في ذلك ثلاثة أيام، يدل على إثبات الخيار بعد ثلاث حلبات؛ لأن الغالب أن الحيوان يُحلب في كل يوم مرة، فجعل أمد الخيار ثلاثة أيام لأجل تبين التصرية بالحلب ثلاثًا في ثلاثة أيام.

وقد تمسك العلماء بقوله: "وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا" على ثبوت الخيار بعيب التصرية، لكن اختلف أصحاب الشافعي، هل هو على الفور؛ قياسًا على خيار الرد بالعيب، ويتأول الحديث على تبين الحلبات في الأيام الثلاثة، أم تمتد إلى ثلاثة أيام؛ لظاهر الحديث، أو نصه في ثبوت الخيار ثلاثة أيام في التصرية؟ ولا شك أن الظاهر أو النص مقدم على القياس، خصوصًا إذا خولف القياس في أصل الحكم لأجل النص، فليتبع ذلك في جميع موارده.

فإن قيل: الخيار ثابت بعد الحلب؛ للحديث في قوله: "بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا"، والخيار ثابت قبله بوجود التصرية قبل الحلب إذا علمت.

والجواب: ثبوت الخيار والرد بالتصرية، أو الإمساك باختيار المشتري عدم الرد، وبعدمها لا يتحقق ثبوتُ ذلك إلا بعد الحلب؛ لتوقف الرد والإمساك عليه، والصاع عوض اللبن الذي من ضرورة، العوض عنه الحلب.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"؛ صريح في جواز الرد، ورد صاعًا من تمر معها، ومنع بعض المالكية ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"الخراجُ بالضمان"(1)؛ لأن الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهة يكون له بضمانه، فاللبن المحلوب إذا فات

(1) رواه أبو داود (3508)، كتاب: فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا، والنسائي (4990)، كتاب: البيوع، باب: الخراج بالضمان، والترمذي (1285)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله، ثم يجد به عيبًا، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (2243)، كتاب: التجارات، باب: الخراج بالضمان، والإمام الشافعي في "مسنده" (ص: 189)، والإمام أحمد في "المسند"(6/ 49)، عن عائشة رضي الله عنها.

ص: 1100

عليه، فليكن للمشتري، ولا يرد له بدلًا، لكن الصواب الرد؛ للحديث؛ إذ هو خاص لمعنى أن اللبن بعض المبيع، وليس من الغلة الحاصلة في يد المشتري، بل كان موجودًا عند البائع، وفي حال العقد، ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعًا، فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر اللبن؛ لاختلاطه بما حدث في ملك المشتري، فوجب رد عوضه، ثم لو سلم أنَّ اللبن غلة، لكان الخراج بالضمان عامًّا، والخاص يقضي على العام؛ على ما تقرر في أصول الفقه وغيره، والله أعلم.

ورد الصاع من التمر مع الشاة يقتضي تصريحه ذلك، لكن يلزم منه عدم رد اللبن، سواء كان باقيًا أو تالفًا، لكن قال أصحاب الشافعي: لو كان اللبن باقيًا، وأراد أن يرده على البائع، هل يلزمه قبوله؟ وجهان:

أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى مستحقه.

والثاني: لا؛ لأن طراوته ذهبت، فلا يلزمه قبولها، لكن اتباع لفظ الحديث أولى في تعيين الرد فيما نص عليه.

وزاد المالكية على ما قاله الشافعية، فقالوا: لو رضي البائع باللبن، هل يجوز له ذلك؟ فيه قولان، ووجهوا المنع؛ بأنه بيع للطعام قبل قبضه؛ من حيث إنه وجب له الصَّاع بمقتضى الحديث، فكأنه باعه اللبن قبل قبضه، وهو لا يجوز، ووجهوا الجواز بأنه بدل ليس بيعًا، بناء على عادتهم في اتباع المعاني دون اعتبار الألفاظ، ثم جنس التمر في المردود، و [هو] معتبر دون غيره من الأقوات، وهو الصواب؛ للنص عليه، كيف وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال:"وَصَاعًا مِنَ تَمْرِ لا سمراء"، وهي الحنطة، ومن العلماء من عداه إلى سائر الأقوات، ومنهم من عداه إلى غالب قوت البلد، والحديث رادٌّ عليهما، خصوصًا إن كانت السمراء غالب قوت أهل المدينة، دالٌّ على فساد قولهما، ثم تعيين الصاع مقدرًا في رده مطلقًا، سواء قل اللبن أو كثر، ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان:

أحدهما: هذا؛ لظاهر الخبر.

ص: 1101

والثاني: بتعذر تقدر اللبن؛ اتباعًا لقياس الغرامات، وهو ضعيف.

واعلم أن السنة إذا ثبتت، لم يعترض عليها بالمعقول، والفرق بين أهل السنة والبدعة: أن أهل السنة إذا سمعوها، علموا أنها حق، وإن قصرت عقولهم عن فهمها، ينسبون القصور عن فهمها إلى عقولهم، ويسعون في الوصول إلى فهمها بكل طريق إلى أن يصلوا إليه، بخلاف أهل البدعة؛ فإنهم: إذا سمعوا سنَّة تخالف عقولهم، بادروا إلى ردِّها، والطعن فيها من غير تدبر ولا سعي في فهم شيء مما يخالف عقولهم، والإجماع منعقد على أنه متى وجد نص في حكم من كتاب أو سنَّة، وجب المصير إليه، ولا تحل معارضته بالقياس، ولا الرجوع إليه إلا عند عدم النص، والله أعلم.

إذا علمت هذا، فاعلم أن الحكمة فيما يقدره الشارع على خلاف ما يظهر لك مخالفته للأصول العقلية رفعُ النزاع والخصام بين الناس، والمنعُ من كل ما سبيله ذلك، فلما كانت المصراة يقع بيعها في المواضع التي لا يوجد فيها من يعرف القيمة، ولا من يعتمد قوله فيها، واللبن قد يتلف، وقد يتنازع في قلته وكثرته وفي عينه، فجعل الشارع لهم ضابطًا لا نزاع معه، وهو صاع التمر، ونظير ذلك الدية؛ فإنها مئة بعير، ولا تختلف باختلاف حال القتيل في شرفه وعدمه في الدين والدنيا، ومثله الغُرة في الجناية على الجنين، سواء كان ذكرًا أو أنثى، تام الخلق أو ناقصه، جميلًا أو قبيحًا، ومنه مسألة الجبران في الزكاة بين السنين، جعله الشارع بشاتين، أو عشرين درهمًا؛ قطعًا للنزاع، سواء كان التفاوت بينهما قليلًا أو كثيرًا، والله أعلم.

وفي هذا الحديث أحكام:

منها: تحريم تلقي الركبان بشرطين قالهما الفقهاء:

أحدهما: أن يكون المتلقي قاصدًا له.

والثاني: أن يكون عالمًا بالتحريم، فلو خرج لشغل، فوجد الركبان مقبلين، فاشترى، ففي تأثيمه للشافعية وجهان: أظهرهما عندهم: التأثيم؛ لعموم النهي،

ص: 1102

ولو لم يعلم التحريم، لا يكون آثمًا، لكن ينبغي أن يكون في ذلك تفصيل: فإن كان يمكنه تعلم ذلك؛ بأن كان في بلدٍ فيه العلماء، ولم يتعلم حكم ذلك، كان آثمًا، وإلا فلا، ثم لو تلقى وباع، هل يكون البيع صحيحًا، والفعل حرامًا، أم يكون البيع فاسدًا من أصله؟

ينبني ذلك على أن النهي يدل على الفساد أم لا.

فمذهب الشافعي في بيع الركبان أنه صحيح، وإن كان الإثم فيه، وعند غيره من العلماء أن النهي للفساد، ومستند الشافعي أن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل هذا الفعل بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما النهي لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع.

واعلم أن النهي الذي يقتضي التحريم في الشرع على ثلاثة أضرب:

أحدها: يقتضي تحريمَ عين المنهي عنه بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الميتة، فذلك يقتضي: تحريم العين، وفساد العقد عليها.

الثاني: يقتضي تحريم وصف في المنهي داخل في ذات المنهي عنه؛ كنهيه صلى الله عليه وسلم عن الزنا، فذلك يقتضي: تحريم العقد، وفساده، ولا يقتضي تحريم المعقود عليه، بل يرجع كل واحد من المتعاقدين إلى أصل ماله.

الثالث: يقتضي تحريم وصف في المنهي عنه خارج عن ذات المنهي عنه، إما لأجل البائع، أو المشتري، ونحوهما، وإما لأجل وصف في الآلة المستعملة؛ كالذهب والفضة إذا كانت آنية، والحرير إذا كان ملبوسًا لمن لا يجوز له لبسه، فتوضأ من الآنية، أو صلَّى في الحرير، وكبيع الركبان وما شاكله من العقود.

فهل يقتضي ذلك الصحة في الفعل والعقد، والتحريم بمعنى الإثم أو بمعنى فساد الفعل والعقد؟ اختلف العلماء في ذلك:

فمنهم: من حمل مطلق النهي على الفساد والتحريم.

ص: 1103

ومنهم: من حمله على التحريم فقط، وقال: يصح الفعل والعقد، ويكون آثمًا بفعله وعقده.

ومنهم: من فضَّل، فقال: إن كان الوصف لأجل ذات المنهي عنه؛ كالذهب والفضة والحرير، اقتضى التحريم، وفساد الفعل؛ لأن التحريم فيها للسرف والخيلاء، وما فيها من تغير الحكمة في الذهب والفضة عما وضعت له، وهو كونهما نقدًا قيمًا للأشياء، ومن تغير الحكمة في الحرير بجعله للإناث دون ذكورهم؛ حيث إن لبسه للرجال يورث الإتراف والخنوثة والكسل، وذلك جميعه مناف لصفة الرجال، وإن كان الوصف لأمرٍ خارج عن المنهي عنه؛ كبيع الركبان، والبيع وقت النداء، اقتضى التحريم وصحة العقد، والله أعلم.

واعلم: أنه إذا قلنا بصحة بيع الركبان وعدم الإثم؛ حيث لعلها لا عذر للركبان؛ بأن كانوا عالمين بالسعر، فلا خيار لهم، وإن لم يكونوا عالمين، واشترى منهم بأرخص من السعر في البلد، سواء أخبرهم به كاذبًا أم لم يخبرهم، فلهم الخيار، وإن اشترى منهم مثل سعر البلد أو أكثر، ففي ثبوت الخيار لهم وجهان في مذهب الشافعي: منهم من نظر إلى انتفاء العذر لهم والضرر، وهو معنى عدم النهي، فلم يثبت الخيار، ومنهم من نظر إلى عموم حديث ورد في ثبوت الخيار، فجرى على ظاهره، ولم يلتفت إلى المعنى، وحيث أثبتا الخيار، فهل يكون على الفور، أم يمتد إلى ثلاثة أيام؟ وجهان للشافعية، أظهرهما: الأول.

ومنها: تحريم البيع على بيع أخيه، وتقدم شرطه ومعناه وما يتعلق بذلك.

ومنها: تحريم النجش، وتقدم اشتقاقه ومعناه.

وأما إثبات الخيار للمشتري الذي غر بالنجش؛ فإن لم يكن عن مواطأة من البائع، فلا خيار عند أصحاب الشافعي، وإن كان عن مواطأة منه، فالفعل حرام من البائع والناجش؛ لما فيه من الخديعة، ويثبت للمشتري الخيار، ومن الفقهاء من قال: إن البيع باطل مطلقًا، وقال الشافعي: صحيح.

ص: 1104

ومنها: تحريم بيع الحاضر للبادي، وتقدم الكلام على تفسيره وما يتعلق به مبسوطًا.

ومنها: تحريم التصرية، وتقدم جميع ما يتعلق بها.

واعلم أن أبا حنيفة لم يقل بحديث المصراة، ورُوي عن مالك قول -أيضًا- بعدم القول به، ورأيت جماعة اعتذروا عن أبي حنيفة رضي الله عنه بأنه لم يبلغه حديث المصراة، ومقتضى مباحث الحنفية وكلامهم بلوغ الحديث إياه، حتى إن بعضهم طعن في حديث المصراة، وقال: أبو هريرة الذي روى هذا الحديث غير مقبول.

روى السمعاني في "مذيله على تاريخ بغداد" عن أبي المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الأزجي من لفظه، عن الفقيه الإمام أبي القاسم يوسف بن علي الزنجاني رحمه الله قال: سمعت شيخنا الإمام أبا إسحاق الشيرازي يقول: سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري رحمه الله يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة، وطالب بالدليل، فاحتجَّ المستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الوارد فيها، فقال الشاب -وكان حنفيًّا-: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتمَّ كلامه حتى سقطت عليه حيَّة عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب من يدها وهي تتبعه، فقيل له: تُبْ، فقال: تبت! فغابت الحية، فلم يرَ لها أثرًا، وهذا إسناد جليل صحيح، رواته كلهم أئمة جلة مبرزون حفاظ علماء متقنون (1).

ولا شك أن كلام الحنفية عن إمامهم متناقض في العمل بخبر الواحد، والقياس عند تعارضهما، فرجح بعضهم العمل بالقياس الجلي على خبر الواحد، إذا كان الخبر مخالفًا لقياس الأصول المعلومة، فإن ما كان كذلك، لم يلزم

(1) انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 618 - 619).

ص: 1105

العمل به عندهم، ورجح بعضهم العمل بالحديث المرسل، مع أن العلماء اختلفوا في قبوله على القياس، وذلك مناقضة ظاهرة، فلينظر فيها نظر عارف منصف خال من الهوى والتعصب للمذاهب، ووجه ترجيحهم القياس على خبر الواحد في هذه المسألة من وجوه:

أحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المتلفات بالمثل، وضمان المتقومات بالقيمة من النقدين، وها هنا إن كان اللبن متلفًا، كان ينبغي على ما ذكروه ضمانة بمثله لبنًا، وإن كان متقومًا، ضمن بمثله من النقدين، وقد وقع هنا مضمونًا بالتمر، فهو خارج عن الأصلين جميعًا.

الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي ضمان المضمون بقدر التلف، والمضمون هنا مختلف مقدر الضمان بمقدار واحد، وهو الصاع مطلقًا، فخرج عن القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها وصفتها.

الثالث: إن كان موجودًا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد؛ كما لو أذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب، فإنه يمتنع الرد، وإن كان حادثًا بعد الشراء، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطًا، فما كان منه موجودًا عند العقد، منع الرد، وما كان حادثًا، لم يجز ضمانه.

الرابع: إثبات الخيار ثلاثًا من غير شرط مخالف للأصول؛ فإن الخيار الثابت بأصل الشرع من غير شرط لا يتقدر بالثلاث؛ لخيار العيب، وخيار الرؤية عند من يثبته، وخيار المجلس عند من يقول به.

الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمعُ بين الثمن والمثمن للبائع في بعض الصور، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعًا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها.

السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، وهو ما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعًا من تمر، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن،

ص: 1106

فيكون قد باع شاة وصاعًا بصاع، وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم، فإنكم تمنعون مثل ذلك.

السابع: إذا كان اللبن باقيًا، لم يكلف رده عندكم، فإذا أمسكه، فالحكم كما لو تلف، فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها، والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها؛ كالغصوب وسائر الضمونات.

الثامن: قال بعضهم: إذا ثبت الرد من غير عيب ولا شرط، فإن نقصان اللبن لو كان عيبًا، لثبت به الرد من غير تصرية، ولا يثبت في الشرع إلا بعيب أو شرط.

وجه آخر من ترجيحهم القياس على خبر الواحد: وهو أن ما كان من أخبار الآحاد مخالفًا لقياس الأصول المعلومة، لم يجب العمل به؛ لأن الأصول المعلومة مقطوع بها من الشرع، وخبر الواحد مظنون، والمظنون لا يعارض المعلوم، أجاب القائلون بظاهر الحديث بالطعن في الوجهين جميعًا؛ أعني: أنه مخالف للأصول به، وأنه إذا خالف الأصول، لم يجب العمل به:

أما الوجه الأول: وهو أنه مخالف للأصول، فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول ومخالفة قياس الأصول، وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة في الأصول، لا بمخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول، وسلك آخرون تخريج هذه الاعتراضات، والجواب عنها:

أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين على ما ذكرتموه؛ فإن الحر يضمن بالإبل، وليست بمثل له ولا قيمة، والجنين يضمن بالغرة، وليست بمثل له ولا قيمة، و -أيضًا- فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، وهاهنا تعذرت.

أما الأول: فمن أتلف شاة لبونًا، كان عليه قيمتها مع اللبن، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر؛ لتعذر المماثلة، وتعذرها؛ لأن ما يرده من اللبن عوضًا عن التالف لا تتحقق مماثلته له في المقدار؛ لجواز أن يكون حال رده وعند العقد أكثرَ من اللبن الموجود أو أقل.

ص: 1107

وأما الاعتراض الثاني: فقيل في جوابه: إن بعض الأصول لا تتقدر بما ذكرتموه؛ كالموضحة، فإن أَرْشَها مقدر مع اختلافِها بالكبر والصغر، والجنين مقدر، فأرشه لا يختص بالذكورة والأنوثة، واختلافِ الصفات، والحرُّ ديته مقدرة، وإن اختلفت بالصغر والكبر وسائر الصفات، والحكمة فيه إن ما يقع التشاجر فيه والتنازع بقصد قطع النزاع فيه بتقدير شيء معين، وتقدم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة، وتقدم معنى ذلك.

وأما الاعتراض الثالث: فجوابه أن يقال: متى يمتنع الرد بالنقص إذا كان لاستعلام العيب، وإذا لم يكن، والأول ممنوع، والثاني مسلم، وهذا النقص لاستعلام العيب، فلا يمتنع الرد.

وأما الاعتراض الرابع: فإنما يكون الشيء مخالفًا لغيره إذا كان مماثلًا له، وخولف في حكمه، وهذه الصورة هاهنا مندفعة عن غيرها؛ بأن الغالب أن هذه المدة هي التي تبين بها أن اللبن المجتمع بأصل الخلقة جبلة، واللبن المجتمع بالتدليس، فهي مدة يتوقف علم الغيب عليها غالبا، بخلاف خيار الرؤية والعيب؛ فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيهما، وخيار المجلس ليس للاستعلام.

وأما الاعتراض الخامس: فقيل فيه: إن الخبر وارد على العادة، والعادة ألا تباع شاة بصاع، وفيه ضعف، وقيل: إن صاع التمر بدل عن اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.

وأما الاعتراض السادس: فقيل في الجواب عنه: إن الربا إنما يعتبر في العقود، لا في هذا الفسوخ؛ بدليل أنهما لو تبايعا ذهبًا بفضةٍ، لم يجز أن يفترقا قبل القبض، ولو تقابلا في هذا العقد، جاز أن يفترقا قبل القبض.

وأما الاعتراض السابع: فقيل في جوابه: إن اللبن الذي كان في الضرع حال العقد يتعذر رده؛ لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وأحدهما للبائع، والآخر للمشتري، وتعذُّر الرَّدِّ لا يمنع من الضمان مع بقاء العين، كما لو غصب عبدًا

ص: 1108

فأبق، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد.

وأما الاعتراض الثامن: فقيل فيه: إن الخيار يثبت بالتدليس، كما لو باع رحا دائرة بماء قد جمعه لها، ولم يعلم به المشتري.

الوجه الثاني: في تقديم قياس الأصول لا تقديم الأصول على خبر الواحد، وهو أن خبر الواحد بنفسه يجب اعتباره؛ لأن الذي أوجب اعتبار الأصول نص صاحب الشرع عليها، وهو موجود في خبر الواحد، فيجب اعتباره.

أما تقديم القياس على الأصول باعتبار القطع، وكون خبر الواحد مظنونًا يتناول الأصل لمحل خبر الواحد غير المقطوع به؛ لجواز استثناء محل الخبر عن ذلك الأصل.

قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد الإمام -رحمه الله تعالى-: وعندي أن التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك بالاعتذارات عن الأول، ومن الناس من سلك طريقةً أخرى في الاعتذار عن الحديث، وهي ادِّعاء النسخ، وأنَّه يجوز أن يكون ذلك حيث كانت العقوبة بالمال جائزة، وهو ضعيف؛ فإنه إثبات نسخ بالاحتمال والتقدير، وهو غير سائغ، ومنهم من قال: يحمل الحديث على ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب خمسة أرطال مثلًا، وشرطا الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار، صحَّ العقد، وإن لم يتفقا، بطل.

وأما فلأنه كان قيمة اللبن في ذلك الوقت: وأجيب عنه: بأن الحديث يقتضي تعليق الحكم بالتصرية، وأما ما ذكر يقتضي تعليقه بفساد الشرط، سواء وجدت التصرية أم لا (1).

ومنها: ثبوت الخيار للمشتري بالتصرية.

ومنها: أن ثبوت الرد بها لا يكون إلا بعد حلبها إن اختاره المشتري.

ومنها: أن البدل عن لبن المصراة مقدر من الشرع بصاع تمر، سواء كان اللبن

(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 133 - 134).

ص: 1109