الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، لا يقتضي لغة إتباعهما ليوم الجمعة، وإن اقتضاه عرفًا؛ فإنَّ القبلية والبعدية تصدق، وإن لم يكونا تباعًا له، خصوصًا على الحكمة في كونهما جبرًا لما وقع من التَّقصير فيه، أمَّا من علَّل بتخفيف المشقَّة، فلا يتاتَّى ذلك.
قال أصحاب الشَّافعي: يكره إفراد يوم السَّبت بالصَّوم؛ لهذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود، والتِّرمذي، والنِّسائي، وابن ماجه، وابن حبَّان في "صحيحه"، وحسَّنه الترمذي، وقال النَّسائي: أحاديثه مضطربة، فيقتضي ذلك ضعفه عنده.
وقال أبو داود بعد روايته له: هذا الحديث منسوخ، ولعلَّ نسخه عنده بصوم السَّبت والأحد؛ لكونهما عيدين للمشركين. والمدعى إفراده بالصوم، فإذا صام الجمعة والسَّبت، زالت الكراهة فيهما، وكذا إذا صام السَّبت والأحد، زالت الكراهة اتِّفاقًا، والله أعلم.
وقد يقتضي هذا الحديث أنَّ العلَّة في النَّهي عن صوم الجمعة إفراده به بالقصد، ولا شكَّ أنَّ ذلك عامٌّ بالنِّسبة إلى كلِّ الأمة، وليس فيه دليل على جماعة غيره من الصَّوم وتخصيصه به، بل فيه دليل على جواز صوم غيره معه، إمَّا تباعًا، أو مفردًا على ما ذكرناه، والله أعلم.
* * *
الحديث السَّادس
عَنْ أَبي عُبَيْدٍ - مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ - واسمُهُ سَعْدُ بنُ عُبيدٍ، قالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب رضي الله عنه، فقال: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، واليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ (1).
أمَّا أبو عبيد: فهو تابعي مدني ثقة، زهريٌّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر بن
(1) رواه البخاري (1889)، كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الفطر، ومسلم (1137)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
عبد عوف، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، وهو ابن عمه، فإنَّ أزهر وعوفا أخوان، وهما ابنا عبد عوف، وسمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة.
روى عنه الزّهري، وسعد بن خالد القارطي، قال الزّهري: كان من القدماء وأهل الفقه، توفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وروى له البخاري ومسلم، وغيرهما (1).
قوله: "يَوْمُ فِطْرِكُمْ" مرفوع، إمَّا على أنَّه بدل من يومان، وإمَّا على أنه خبر مبتدأ تقديره: أحدهما، ووصفهما بالفطر والنُّسك؛ لتبيين العلة لفطرهما، وهو الفصل من الصوم واشتهار تمامه، وحده يفطر ما بعده، والآخر لأجل النُّسك المتقرّب بها فيه ليؤكل منها، ولو كان يوم صوم، لم يؤكل منها فيه ذلك اليوم، فلم يكن لنحره فيه معنى.
قيل: فطرهما شرع غير معلل.
والنُّسك هنا عبارة عن الذَّبيحة المتقرَّب بها إلى الله عز وجل، وفرق بعض الفقهاء بين الهدي والنُّسك، وأجاز الأكل، إلا من فدية الآدمي، ونذر المساكين، وهدي التَّطوُّع إذا عطب قبل محله.
وجعل الهدي جزاء الصَّيد، وما وجب لنقص في حج أو عمرة.
وفي هذا الحديث دليل على تحريم الصَّوم يومي العيد بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك؛ من قضاء فرض، أو متمتِّع، وهذا كله إجماع من الأئمة لا نزاع فيه.
ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه، فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى، فأجمعوا أنَّه لا يصومهما، وهل يلزم قضاؤهما؛ فيه خلاف للعلماء، وهو قولان للشافعي:
(1) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 60)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4/ 90)، و"الثقات" لابن حبان (4/ 295)، و"تهذيب الكمال" للمزي (10/ 288)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (3/ 414).
أصحُّهما: لا يجب القضاء؛ لأنَّ النَّهي يقتضي التحريم، والتحريم العائد على الوصف للشيء وذاته يقتضي الفساد، وإذا اقتضى ذلك لم يقتضِ القضاء؛ إذ القضاء لا يجب إلا بأمر محدد، وهو الرَّاجح عند الأصوليين.
أمَّا إذا نذر صومهما معتمدًا لعينهما، فقال الشَّافعي والجمهور: لا ينعقد نذره، ولا يلزمه قضاؤهما.
وقال أبو حنيفة: ينعقد قضاؤهما. قال: فإن صامهما، أجزأه، وخالف النَّاس كلَّهم في ذلك. ولا شكَّ أنَّ الحنفية قالوا: إذا نذر صوم العيد وأيام التَّشريق، صحَّ نذره، وخرج عن العهد بصوم ذلك، وطريقهم فيه: أنَّ الصَّوم له جهة عموم وجهة خصوص، فهو من حيث إنَّه صوم يقع الامتثال به، ومن أحيث، إنَّه يوم عيد يتعلَّق به النَّهي، والخروج عن العهدة يحصل جهة كونه صومًا.
ولا شكَّ أنَّ البحث في هذه المسألة يرجع إلى أمرين:
أحدهما: انفكاك النهي من هذا الصَّوم المنذور، فلا يصحُّ أنَّ يكون قربة، فلا يصحُّ نذره، فيتعلَّق النَّهي بصومه عن العيد، فلا يصحُّ مطلقًا. وهذا بخلاف الصَّلاة في الدَّار المغصوبة عند من يقول بصحَّتها؛ فإنَّ إيقاعها في مكان مغصوب ليس مأمورًا به في الشَّريعة، والأمر فيها وجه الأمر إلى مطلق الصَّلاة، والنهي إلى مطلق الغصب، وتلازمهما واجتماعهما إنَّما هو في فعل المكلف المتعلق بالأمر والنَّهي الشَّرعي، فلم يتعلَّق النَّهي شرعًا بخصوص الصَّلاة فيها، بخلاف صوم العيد؛ فإنَّ النَّهي ورد عن خصوصية، فتلازمت فيه جهة العموم والخصوص في الشَّريعة، وتعلَّق النهي بعين ما وقع به النذر، فلا يكون قربة.
الأمر الثَّاني: أنَّ النهي يدل على عدم الصحة، وإذا دل على ذلك، اقتضى الفساد من كل الوجوه.
ونقل عن محمَّد بن الحسن: أنَّ النَّهي لا بد فيه من إمكان المنهي عنه، فيدل على صحَّته؛ إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، وللإنسان لا تنطق، فإذًا هذا المنهي