الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طاوس، والحسن البصري: لا يجوز بكل حال، سواء كراها بطعام أو ذهب أو فضة، أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق النهي عن كراء الأرض، إلا أن يمنحها أخاه، واعتمد الشافعي ومن وافقه صريحَ رواية رافع بن خديج، وثابت بن الضحاك، وسيأتي في جواز الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما، وتأولوا حديث النهي تأويلين:
أحدهما: حمله على الإجارة بها على الماذيانات والجداول، أو على الإجارة بزرع قطعة معينة، أو بالثلث والربع ونحو ذلك كما فسره الرواة في الأحاديث.
والثاني: حمله على كراهة التنزيه والإرشاد إلى عمارتها؛ كالنهي عن بيع الهر، فإنه محمول على التنزيه؛ حيث إن العادة أن الناس يتواهبونه، والله أعلم، وهذان لا بد منهما؛ جمعًا بين الأحاديث؛ فإنه أولى من إلغاء بعضها، وليس ثم دليل على نسخ بعضها، فتعين المصير إلى التأويل، لكن التأويل الثاني نقل معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأشار إليه البخاري وغيره، والله أعلم.
وفي الحديث دليل: على منع المخابرة والمحاقلة والمزابنة.
وعلى منع بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحِها.
وعلى منع بيعها بجنسها يابسًا، إلا في الرطب والعنب.
وعلى جواز بيعها بعد بُدوِّ صلاحِها بالذهب والفضة مطلقًا، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَعَنْ مَهْرِ البَغيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ (1).
تقدم الكلام على أبي مسعود واسمه ونسبته ونسبه وما يتعلق به.
(1) رواه البخاري (2122)، كتاب: البيوع، باب: ثمن الكلب، ومسلم (1567)، كتاب: المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي.
أمَّا نهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب: فمقتضاه تحريم بيعه، والعموم في كل كلب، سواء المعلَّم وغيره، وسواء ما يجوز اقتناؤه وغيره، وهو صريح في أنه لا يحل ثمنه، ويلزم من ذلك أنه لا قيمة على متلفه، وقد ورد في بعض الأحاديث النهي عن ثمن الكلب:"إلَّا كَلْبَ صيدٍ"(1)، وفي رواية:"إلا كَلْبًا ضاريًا"(2)، وأن عثمان رضي الله عنه: غرم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا (3)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن التغريم فيما أتلفه، وكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث، والعلَّة في منع ثمنه عند الشافعي نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعلَّم وغيره، ومن يرى طهارته اختلف قوله في المعلَّم منه، وعلة المنع غير عامَّة عنده.
وأمَّا نهيُهُ صلى الله عليه وسلم مَهرِ البَغِيِّ: فهو ما تعاطاه على الزنا، وسُمِّي مهرًا على سبيل المجاز، إما مجاز التشبيه صورة، وإما المجاز اللغوي إن كان وضعه فيها ذلك، وإلا كان للتشبيه إن لم يكن في الموضع ما يقابل به النكاح، والإجماع قائم في تحريم ذلك؛ لما فيه من مقابلة الزنا بالعوض.
وأَمَّا "حُلْوَانُ الكاهِنِ"؛ فهو ما يُعطاه على كهانته، وهو حرام؛ لما فيه من أخذ العوض على أمرٍ باطلٍ، وفي معنى ذلك ما يمنع منه الشرع من الرجم بالغيب.
والحلوان: مصدر حلوته حُلْوانًا: إذا أعطيتُه، قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو؛ من حيث إنه يأخذه سهلًا بلا كلفة، ولا في مقابلة مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته؛ كما يقال: عسلته: إذا أطعمته العسل، قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان -أيضًا- على غير هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته
(1) رواه مسلم (1574)، كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، عن ابن عمر رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري (5164)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
رواه الإمام الشافعي في "الأم"(3/ 12)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 7).
لنفسه، وذلك عيبٌ عند النساء، قالت امرأة تمدحُ زوجها:
لا يأخذ الحلوان عن بناتنا.
ونقل البغوي، والقاضي عياض إجماعَ المسلمين على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكلُ مالٍ بالباطل، وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحة للنوح، وما ثبت في "صحيح مسلم" من النهي عن كسب الإماء، فالمراد به كسبهن بالزنا وشبهه، لا بالغزل والخياطة ونحوهما، قال الخطابي: قال ابن الأعرابي: ويقال لحلوان الكاهن: الشنع والصهميم (1).
قال الخطابي: وحلوان العرَّاف أيضًا حرام، قال: والفرق بين الكاهن والعراف: أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف: هو الذي يدَّعِي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالَّة، ونحوهما من الأمور، هذا آخر كلامه في كتاب البيوع من "معالم السنن".
ثم ذكره في آخر الكتاب أبسط من هذا، فقال: الكاهن: هو الذي يدَّعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، قال: وكان في العرب كَهَنة يدَّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أنه له رئيًا من الجن، وتابعه يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهمه الذي أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافًا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسبابٍ يستدل بها على مواقعها؛ كالشيء يُسرق، فيعرف المظنونَ به السرقةُ، ويتهم المرأة بالزنية؛ فيعرف مَنْ صاحبُها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يسمي المنجم: كاهنًا، قال: وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على
(1) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 12)، و"غريب الحديث" للخطابي (1/ 649)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/ 435)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 231)، و"تهذيب الأسماء واللغات" له أيضًا (3/ 66).
النهي عن هؤلاء كلهم، وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم، ومنهم من كان يدعو الطبيب: كاهنًا، وربما سموه: عرَّافًا، فهذا غير داخل بالنهي، هذا آخر كلام الخطابي -رحمه الله تعالى- (1).
قلت: وكما أن الطب والطبيب لا يسمى كهانة ولا عرافًا، ولا يدخل في النهي، فكذلك أولياء الله تعالى الذين جَعل لهم نورًا وفراسة بطريق شرعية ظاهرة وباطنة، يخبرون بها أهلها غير مريدين بها الشهرة والكثرة والظهور والرفعة، قاصدين التحدث بنعم الله تعالى، أو حجة أو حاجة شرعية، لا يسمى هذا كهانة، ولا يسمى صاحبه عرَّافًا، ولا يدخل في النهي.
وليحذر كل الحذر من إلباس الكاهن والعراف بالولي، والشيطان بالملَك، والصادق بالكاذب، ويعرف صاحب الحق من الباطل في ذلك بقرائن متابعة الكتاب والسنة في ظاهره وباطنه، وظهور محبته على قلوب خلق الله تعالى من أهل العلم والمعرفة، دون أهل الضلالة والفسق والحسدة، ومن استبرأ لدينه وعرضه في جميع ما ذكرنا، عرف ذلك، والله يعلم المفسد من المصلح، والمحق من المبطل، والموضح من الملبس، وهو سبحانه أعلم بكل شيء، ولا يعلم الغيب أحد إلا الله، ومن علمه من خلقه، فبإعلام الله سبحانه وتعالى.
قال الإمام أبو الحسن الماوردي من الشافعية، في كتابه "الأحكام السلطانية" (2): ويمنع المحتسبُ مَنْ يكسب بالكهانة واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذ والمعطي، والله أعلم.
(1) انظر: "معالم السنن" للخطابي (5/ 370 - 371).
قلت: وهذه النقول التي ذكرها المؤلف رحمه الله هي بسياقها في "شرح مسلم" للنووي (10/ 232)، وكأني بالمؤلف رحمه الله يختصر عناء الرجوع إلى "معالم السنن"، و "غريب أبي عبيد" وغيرهما من الكتب التي يذكرها، فيسردها سردًا من كتب شيخه النووي رحمه الله، وغيره.
(2)
انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص: 388).