الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: استحباب التكفين في ثلاثة أبواب، وقد ثبت في الصحيح أنها كانت سوابغ، قال العلماء: وأقل الواجب فيه ثوبٌ واحد ساتر لجميع البدن، وما زاد مستحبة.
ومنها: أن الورثة لا يضايق بعضهم بعضًا، بل كل من رأى تكفين الميت في المستحب يجاب، ولا يمنع، بل يتبع.
ومنها: استحباب كونها يمانية من قطن.
ومنها: كراهة القميص والعمامة في الأكفان.
ومنها: الاقتداء بآثاره صلى الله عليه وسلم في حياته وموته، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَت: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ:"اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الأَخِيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ، فآذِنَّنِي"، فَلمَّا فَرَغْنَا، آذَنْاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، فَقَالَ:"أَشْعِرْنَهَا بِهِ"؛ يَعْنِي: إزَارَه -وَفي رِوَايَةٍ: "أَوْ سَبْعًا"-، وَقَالَ:"ابْدَأْنَ بمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوضُوءِ مِنْهَا"، وإنَّ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وجَعَلْنَا رَأسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ (1).
أما أم عطية، فتقدم الكلام عليها في آخر باب العيدين.
وأما الابنة التي توفيت، فهي زينبُ بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو المشهور الذي رواه مسلم في "صحيحه"، وروى أبو داود في "سننه" من حديث ليلى بنت قانف الثقفية: أن التي غسلتها أم عطية هي أم كلثوم رضي الله عنها (2)، وذكره القاضي عياض عن بعض أهل السير، والأول أصح، ويحتمل أنها غسلت هذه،
(1) رواه البخاري (1196)، الجنائز، باب: ما يستحب أن يغسل وترًا، ومسلم (939)، كتاب: الجنائز، باب: في غسل الميت.
(2)
رواه أبو داود (3157)، كتاب: الجنائز، باب: في كفن المرأة.
وهذه؛ فإن أم عطية كانت غاسلة للميتات، وكانت من فاضلات الصحابيات.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا" معناه: اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتن إلى زيادة للإنقاء، فليكن خمسًا، على أن الإيتار مطلوب في غسل الميت، فإن حصل تعميمه وإنقاؤه بواحدة، كانت الثلاث مأمورًا بها ندبًا، وإن لم يحصل ذلك بواحدة، وحصل بالثلاث، كانت الثلاث واجبة، وندب الخمس، وقد اختلف أصحاب الأصول في جواز إرادة المعنيين المختلفين بصيغة الأمر؛ فقوله:"اغسلنها" صيغةُ أمر بالغسل، وقوله:"ثلاثًا" غير مستقل بنفسه، فإذا حصل المقصود بواحدة، كان قوله:"ثلاثًا أو خمسًا" غير داخل تحت صيغة الأمر بأصل الغسل، فيكون المراد به الاستحباب، فالوجوب مراد بالنسبة إلى أصل الغسل، والاستحباب بالنسبة إلى الإيتار عند عدم الحاجة إلى الزيادة على الواحدة أو الثلاث، وقد رواه مسلم بروايات:"اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك"، "اغسلنها وترًا: ثلاثًا أو خمسًا"، ولم يذكر الواحدة؛ لخروج الحديث على الغالب في الإنقاء والتعميم، لا على التحديد بعدد، ولهذا جعله صلى الله عليه وسلم مفوضًا إليهن على حسب الحاجة الشرعية، لا مجردة بحسب التشهي؛ فإن الأمر الوارد من الشرع يصان عن التشهي، خصوصًا إذا كان موصوفًا بصفة؛ لوجود الإسراف في التشهي، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن رأيتن ذلك"، فالكاف من "ذلكِ" مكسورة خطابًا لأم عطية رضي الله عنها، وأتى بالنون الثقيلة لجميع النساء؛ حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلا جماعة منهن، لكن نظر المصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهن، فيحسن جمعهن في الرواية، وإفراد أم عطية في الخطاب، ومعنى ذلك: إن احتجن إلى الزيادة، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهن.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "بماء وسدر" قد يوهم هذا اللفظ أن الماء المختط بالسدر يجوز التطهير به من غير ماء مطلق، وليس هو ظاهرًا في امتزاج السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ويكون أحدهما واردًا على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور" الحكمة في الكافور في غسل الميت الحفظُ لبدنه، ولعل ذلك السبب في جعله في الأخيرة؛ فإنه لو جعل في غسل غيرها من الغسلات قبلها، لأذهبه، فلا يحصل المقصود من ذلك، مع ما فيه من تطييب الميت وإكرامه وتبريد بدنه وتصليبه، وذلك يمنع إسراع الفساد إليه.
وقولها: "فأعطانا حِقْوهُ " -بكسر الحاء وفتحها- لغتان: وهو الإزار، وأصل الحقو معقدُ الإزار، وسمي به الإزار مجازًا؛ لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما يلازمه، وجمع الحقو: أَحْقٍ وحِقًى، ويجمع -أيضًا- على أحقاء؛ كدلو وأدلاء ودِلًى (1).
وقولها: فقال: "أشعرنها إياه" معناه: اجعلنه شعارًا لها، والشعار ما يلي الجسد، والدثار ما فوقه، والحكمة في إشعارها به تبريكها بآثاره صلى الله عليه وسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" هذا أمر بإكرام ميامن الميت، ومواضع الطهارة من بدنه؛ تشريفًا لها على سائر البدن، فإن البدأة بالشيء يقتضي الاهتمام به، لكن إذا فعل ذلك، هل هو وضوء حقيقي، أو هو جزء من الغسل خُصت به المذكورات من الميامن ومواضع الوضوء تشريفًا؟ فيه كلام.
قولها: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون"؛ أي: ثلاث ضفائر، وتضمن ذلك تسريح شعر الميت وضفره.
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: أن العالم يجب عليه الابتداء بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم، أو يقصر في العمل به.
ومنها: أن النساء أحقُّ بغسل الميتة من زوجها، وقد يمنع ذلك من يتحقق أن
(1) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 46)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 275)، و"لسان العرب"، لابن منظور (14/ 190)، (مادة: حقو).
زوج زينب كان حاضرًا في وقت وفاتها، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوض الأمر إلى النسوة، ومذهب الشافعي والجمهور أن للزوج غسل زوجته، وقال الشعبي والثوري وأبو حنيفة: لا يجوز له غسلها، واختلف أصحاب الشافعي في أن النساء أحقُّ بغسل الميتة من زوجها على وجهين: أصحهما عندهم: أنهن أحق به منه، وأجمع العلماء على أن لها غسل زوجها.
ومنها: أن بعض العلماء استدل بهذا الحديث على أنه لا يجب الغسل من غسل الميت من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب، لذكره، وعدم الوجوب مذهب الشافعي والجمهور، ولكن قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه، وجمهور العلماء على استحبابه، وفي مذهب الشافعي وجه شاذ مردود: أنه واجب، وليس بشيء، والحديث المروي فيه من رواية أبي هريرة مرفوعًا:"من غسل ميتا فليغتسلْ، ومن مَسَّهُ فليتوضأ"(1) ضعيف بالاتفاق.
ومنها: شرعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة.
ومنها: تفويض الحاجة في ذلك إلى الغاسل على حسب المصلحة الشرعية من غير إسراف.
ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا علم أمرًا يتعلق بالمأمور به لا يمكن الائتمار به إلا بالفعل على صورة أن يقيد الأمر والتعليم بغاية ليوضع موضعه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا فرغتنَّ فآذنني"؛ أي: أَعلمنني.
ومنها: أنه ينبغي للمأمور التقيد بالأمر فورًا وغاية.
ومنها: استحباب السدر في غسل الميت، وهو متفق على استحبابه، ويكون في المرة الواجبة، وقيل: يجوز فيها.
(1) رواه الترمذي (993)، كتاب: الجنائز، باب: في الغسل من غسل الميت، وقال: حسن، وابن ماجه (1463)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في غسل الميت، والإمام أحمد في "المسند"(2/ 454)، وابن حبان في "صحيحه"(1161).