الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الشروط في البيع
الحديث الأول
عَن عَائشِةَ رضي الله عنها قَالَت: جَاءَتنِي بَرِيرَةُ فَقَالَت: كَاتَبتُ أَهلِي عَلَى تِسعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أوقِيةٌ، فَأعِينِيني، فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّها لَهُمْ، وَيكونَ وَلَاؤكِ لي، فَعَلتُ، فَذَهَبَت بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِها، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبوْا عَلَيْها، فَجَاءَت مِنْ عِنْدِهِم، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيهِم، فَأبوْا إلَّا أَنْ يكُونَ لَهمُ الوَلَاءُ، فَأخْبرَتْ عَائشِةَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ؛ فَإنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ"، فَفَعَلَتْ عَائشِةُ، ثُمَّ قَامَ الَّنبيُّ صلى الله عليه وسلم في الناسِ، فَحَمِدَ اللهَ وأثنَى عَلَيه، ثُم قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ: مَا بَالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرطٍ لَيس في كِتَاب اللهِ عز وجل، فَهُوَ بَاطِلٌ، وإن كَانَ مِئة شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أوْثَقُ، وإنما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"(1).
اعلم أن حديث بريرة هذا حديث كثير الفوائد، قد كثر الناس من الكلام عليه، وذكروا فيه إشكالات على مواضع منه يقتضي ظاهرُها -على مقتضى القواعد ومفاهيمهم- المخالفةَ له، وأجاب العلماء عنها، وبينوها أحسنَ بيان،
(1) رواه البخاري (2060)، كتاب: البيوع، باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل، ومسلم (1504)، كتاب: العتق، باب: إنما الولاه لمن أعتق.
وبلغوا بأحكامه عددًا كثيرًا، وقد صنف ابن جرير الطبري، وابن حزم الظاهري فيه تصنيفين كبيرين، وأنا أذكر -إن شاء الله تعالى- ما حضرني فيه، والله أعلم.
أما بريرة: فهي مولاة عائشة رضي الله عنها كانت لعتبة بن أبي لهب، وقد روى النسائي بإسناده إلى يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، عن بريرة رضي الله عنها: أنها قالت: كان في ثلاث سنين، قال النسائي: حديث يزيد بن رومان خطأ، وقال أبو عمر بن عبد البر: كانت -يعني: بريرة- مولاة لبعض بني هلال، فكاتبوها، ثم باعوها من عائشة، وجاء الحديث في شأنها؛ بأن الولاء لمن أعتق، وعتقت تحت زوج، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت سُنَّة (1).
واختلف في زوجها، هل كان عبدًا أو حرًّا؟ قال: روى عبد الخالق بن زيد بن واقد قال: حدثني أبي، قال: أبو عمر زيد بن واقد -يعني: أباه- هذا ثقة من ثقات الشاميين، لقي واثلة بن الأسقع، قال أبوه: إن عبد الملك بن مروان حدثه، قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن أَلي هذا الأمر، فكانت تقول لي: يا عبد الملك! إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته، فاحذر الدماء؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمه من دم يُريقه من مسلم بغير حَقّ"(2).
وأما قولها: "كاتَبْتُ"، فهو على فاعَلْتُ؛ من الكتابة؛ وهو العقد المشهور بين السيد وعبده، فإما أن يكون مأخوذًا من كتابة الخط التي لا تلازم هذا العقد فيما بين السيد وعبده، وإما أن يكون مأخوذًا من معنى الإلزام؛ كقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103].
(1) وانظر ترجمتها في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 256)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 38)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1795)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (7/ 37)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 600)، و"تهذيب الكمال" للمزي (35/ 136)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 297)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 535)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (12/ 432).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(24/ 205)، وفي "مسند الشاميين"(1214).
كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء، وكان العبد ألزم نفسه الأداء للمال الذي كاتبا عليه.
وأما الأواق والأوقية: فتقدم الكلام عليها في الزكاة، ومقدار التسع الأواقي ثلاث مئة وستون درهمًا شرعًا.
وأما الإشكالات على الحديث، ففي مواضع:
الأول: أنه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة بأخذ بريرة من مواليها، واشتراط الولاء لهم، وجهه: أن يقال: كيف أذن النبي صلى الله عليه وسلم في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن لهم في وقوع البيع على هذا الشرط، ويدخل البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟ وفي ذلك نوع خداع من عائشة لهم في ذلك، ولذلك أنكر بعض العلماء هذا الحديث، وهو منقول عن يحيى بن أكثم؛ فإنه أنكر لفظة قوله صلى الله عليه وسلم:"اشْتَرِطي لَهُمُ الوَلَاء"، وجعلها ساقطة من الحديث، ونقل عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه قال: هذه اللفظة تفرَّدَ بروايتها هشام بن عروة، عن أبيه دون غيره من الثقات الأثبات، فإنهم لم يثبتوها، والذي قاله الأكثرون من الفقهاء والمحدثين: قبول مثل هذا، وإثبات هذه اللفظة، ثم تأولوها، [و] خرَّجوها على وجوه كثيرة صحيحة، وبعضها فيه ضعف:
أحدها: أن قوله: "اشترطي لهم"؛ أي: عليهم؛ كقوله تعالى: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} [غافر: 52] بمعنى: عليهم، وقوله تعالى:{وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]؛ أي: فعليها، ونقل ذلك عن الشافعي، والمزني، وغيرهما، وهو ضعيف؛ حيث أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الاشتراط، وأقر عائشة رضي الله عنها على فعلها، وقال:"إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، ولأن اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، وإذا دلت على المطلق، لم يبقَ فيها دليلٌ عليه، ولا على غيره؛ لأنه قد يكون، وقد لا يكون.
الثاني: أن يكون الاشتراط المذكور بمعنى ترك المخالفة لما شرطه البائعون، وعدم إظهار النزاع فيما دعوا إليه؛ مراعاة لمصلحة الشرع في العتق.
وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل، ألا ترى أنه أطلق لفظ الإذن من الله تعالى على التمكن من الفعل، والتخلية بين العبد وبينه سبحانه وتعالى، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي الإباحة والتجويز؟ وذلك موجود في كلام الله سبحانه وتعالى على ما قاله المفسرون في قوله تعالى:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، وليس المراد بالإذن إباحة الله تعالى للإضرار بالسحر، ولكنه لما خلى بينهم وبين ذلك الإضرار، أطلق عليه لفظ الإذن مجازًا، وهذا -وإن كان محتملًا- إلا أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث اللفظ.
الثالث: أن لفظة الاشتراط والشرط وما تصرف منها، يدل على الإعلام والإظهار، ومنه أشراط الساعة، والشرط اللغوي والشرعي، ومنه قول أوس بن حَجَر -بفتح الحاء والجيم-: فاشترط فيها نفسه؛ أي: أعلمها وأظهرها، وإذا كان كما ذكرنا: حمل "اشترطي" على معنى: أظهري حكم الولاء، وبينيه، واعلمي أنه لمن أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهمه من الحديث.
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أخبرهم بأن الولاء لمن أعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ والتنكيل لمخالفتهم الحكم الشرعي الذي علموه، وغاية ما في هذا: أنه أخرج لفظة الأمر عن ظاهرها.
وفي القرآن العزيز خروجها عن ظاهرها في غير موضع، وامتناعُ إجرائها عليه كقوله تعالى:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]، و {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، ومعلوم أنه ليس المراد إطلاق المشيئة منهم في عملهم وكفرهم، وعلى هذا لا يبقى في أمره صلى الله عليه وسلم غرر.
الخامس: أن يكون إبطال الشرط عقوبة؛ لمخالفتهم حكم الشرع؛ فإن إبطال الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من المالية المسامح بها لأجل الشرط، ويكون هذا من باب العقوبة بالمال؛ كحرمان القاتل الميراث.
السادس: أن ذلك خاص بهذه القضية، لا عامٌّ في سائر الصور، وسبب التخصيص إبطال هذا الشرط مبالغة في الزجر عن اشتراطه؛ لمخالفته الشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بتلك الواقعة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، صحح هذا ورجحه شيخنا أبو زكريا النواوي رحمه الله في تأويل الحديث، قال: وقد تُحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة أرجح منها عظيمة، والله أعلم (1).
الثاني من مواضع الإشكالات:
قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وهو يدل على أن كلمة "إنما" تقتضي الحصر؛ لأنها لو لم تكن له، لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم يعتق، وذكرت في الحديث لبيان نفيه عمن لم يعتق، فدل على أن مقتضاه الحصر.
وقد أثبت العلماء الولاء في صور بغير العتق، لكنها في معناه؛ وهي: أنه لو باعه نفسه، أو أعتقه على مال، ثبت له عليه الولاء، وكذا لو كاتبه، أو استولدها وعتقت بموته، ثبت الولاء، لا نعلم في ذلك جميعه خلافًا، ويثبت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه، وإن كانا لا يتوارثان في الحال؛ لعموم الحديث.
وقد ذكروا صورًا مختلفة في إثبات الولاء بها، واستدلوا على إبطاله بالحصر في الحديث، مع اتفاقهم على إثباته للمعتق، حتى اختلفوا فيمن أعتق، وشرط أن لا ولاء له، وهو المسمى بالسائبة، ومذهب الشافعي وموافقيه: ثبوت الولاء، وأن الشرط لاغ؛ لثبوت الولاء بالشرع، فإذا شرطه، لغا؛ كالميراث، ولا شك في حصر الولاء للمعتق في الحديث، ويستلزم ذلك الحصر في السبيية، فيقتضي ذلك أن لا ولاء بالحلف والموالاة، ولا بالإسلام؛ وهو بأن يسلم الرجل على يدي الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين العلماء، وسيأتي في الأحكام.
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 140).
الثالث من مواضع الإشكالات:
قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: "مَا بَالُ أَقوَامٍ يشتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كِتَاب اللهِ؟ مَا كَانَ مِن شَرطٍ ليسَ في كِتَابِ اللهِ، فهُوَ بَاطِلٌ، وإنْ كَانَ مِئه شَرطٍ"؛ مقتضاه: أن كل شرط ليس في كتاب الله أنه باطل "ولو كان مائة شرط" مبالغة في إبطال جميع الشروط التي ليست في كتاب الله، ولا شك أن من الشروط ما هو صحيح، ومنها ما هو باطل، وكل شرط اقتضاه إطلاق العقد من غير شرط إذا شرطه، كان صحيحًا، وكذا ما كان للشارع طلب له وحث عليه وترغيب فيه إذا شرطه، وكذا ما كان فيه مصلحة تدعو إليه الحاجة؛ كاشتراط الرهن والضمين والخيار وتأجيل الثمن، وكل ذلك صحيح.
ومعلوم أن ذلك جميعه ليس في كتاب الله، وظاهر لفظ الحديث يقتضي بطلانه، فحينئذ يجب تعريف قوله صلى الله عليه وسلم:"ليست في كتابِ الله"، فذكر العلماء في ذلك احتمالين:
أحدهما: أن المراد بكتاب الله: حكم الله، وهو أعم من أن يكون في كتاب الله أو مستنبطًا منه.
والثاني: أن المراد به: ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سننه، أو استنبطه العلماء منها، فيكون المراد بالحديث: نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغيرها؛ حيث إن الشريعة كلها في كتاب الله، فالذي في كتاب الله تعالى هو المنصوص عليه فيه من الأحكام بغير واسطة، والذي هو بواسطة؛ كقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله تعالى:{وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [التغابن:12] وقوله تعالي: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، والله أعلم.
أما ما كان من الشروط منافيًا لمقتضى العقد؛ كشرط استثناء منفعة المبيع أو بيعه، أو إجارته، أو أن يبيعه شيئًا آخر، ونحو ذلك، فكل ذلك باطل مبطل
للعقد، فمتى قارن شرط واحد منها للعقد، أبطله عند جمهور العلماء، وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
الأول: جواز الاستعانة على نجوم الكتابة بأهل الخير والفضل.
الثاني: إعانة المكاتب في كتابته.
الثالث: جواز حكاية ما يقع من ذلك، خصوصًا إذا قصد به تعريف الأحكام.
الرابع: جواز تصرف المرأة في مالها بالشراء والاعتاق وغيرهما إذا كانت رشيدة.
الخامس: أن الكتابة تكون على نجوم؛ حيث إن كتابتها كانت على تسع أواق، في كل عام أوقية.
ومذهب الشافعي رحمه الله وغيره: أن الكتابة لا تجوز على نجم واحد، بل لا بد من نجمين فصاعدًا، وقال مالك والجمهور: يجوز على نجم، ويجوز على نجوم.
وليس في هذا الحديث دليل على اشتراط تعداد النجوم؛ حيث إنه ورد من بريرة على حكاية الحال، لا على تقرير حكم، ولا عدمه ممن لا يعتبر فعله.
السادس: جواز الكتابة واستحبابها.
السابع: المبادرة إلى إجابة السائل، وعرض ما يفعل من الخير معه عليه وعلى من يتعلق به إمضاء ذلك الخير.
الثامن: جواز فسخ الكتابة إذا عَجزَ المكاتَبُ نفسَه.
التاسع: جواز بيع المكاتب، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: جوازه، وهو قول عطاء، والنخعي، وأحمد، ومالك في رواية عنه؛
حيث إن بريرة كانت مكاتبة، وباعها الموالي، واشترتها عائشة رضي الله عنها، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم بيعها.
والثاني: منعه، وهو قول ابن مسعود، وربيعة، وأبي حنيفة، والشافعي، وبعض المالكية، ومالك في رواية عنه، وحملوا الحديث على أن بريرة عجَّزت نفسَها، وفسخوا الكتابة لعجزها وضعفها عن الأداء والكسب، ومنهم من حمل الحديث على أن عائشة اشترت الكتابة لا الرقبة، مستدلًا على ذلك بقول عائشة رضي الله عنها في بعض الروايات:"فَإنْ أَحَبَّ أَهلُكِ أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ"(1)، وذلك يشعر بأن المشترى هو الكتابة لا الرقبة.
والثالث: جوازه للعتق دون الاستخدام؛ لموافقة الحديث، فلا إشكال عنده؛ لأنه يقول: أنا أجيز بيعه للعتق.
العاشر: جواز اكتساب المكاتب بالسؤال.
الحادي عشر: احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، واحتمال مفسدة يسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة؛ على ما تقدم بيانه.
الثاني عشر: جواز بيع العبد بشرط العتق، وقد اختلف العلماء فيه، وللشافعي فيه قولان:
أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط ألَّا يبيعه ولا يهبه، وهو باطل.
والثاني: -وهو الصحيح-: أن العقد صحيح، والحديث يدل عليه، ومن منعه، منع أن تكون عائشة مشترية للرقبة، ويحمل الحديث على قضاء الكتابة عنها، أو على شرائها خاصة، ويضعف حمله على قضاء الكتابة؛ بقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات لعائشة:"ابتاعي"(2)، وهو ظاهر في الشراء دون القضاء فقط، ويحتاج من حمله على شرائها خاصة، أن يكون قد قيل بمنع البيع بشرط العتق،
(1) رواه البخاري (2422)، كتاب: العتق، باب: ما يجوز من شروط المكاتب، ومسلم (1504)، كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.
(2)
انظر: تخريج الحديث المتقدم.
مع جواز بيع الكتابة، ويكون قد ذهب إلى الجمع بين هذين ذاهب واحد معين.
الثالث عشر: صحة شرط العتق في البيع، ولا يفسد الشرط، إلا إذا قلنا بصحة البيع، وفيه قولان للشافعي؛ أصحهما: الصحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر إلا اشتراط الولاء، ولم يقع الانكار إلا للثاني، وهو عدم الولاء لمن أعتق، فينبغي أن يكون اشتراط العتق صحيحًا؛ لكونه مقررًا عليه، أو يكون مأخوذًا من لفظ الحديث؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم:"اشتَرِطي لَهُمُ الوَلَاءَ" من اشتراط الولاء من ضرورته اشتراط العتق، فيكون من لوازم اللفظ، لا من مجرد التقرير، ومعنى صحة العتق: أنه يلزم الوفاء به من جهة المشتري، فإن امتنع، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وإذا قلنا: لا يجبر، أثبتنا الخيار للبائع.
الرابع عشر: صحة اشتراط الولاء للبائع، وهو ظاهر الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم:"واشتَرطِي لَهُم الوَلَاء"، ولا يأذن صلى الله عليه وسلم في عقد باطل، وإذا صح العقد، فهل يفسد الشرط؟ فيه اختلاف في مذهب الشافعي، والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث وسياقه، وموافق -أيضًا- للقياس من وجه، وهو أن القياس يقتضي أن الأثر مختص بمن صدر منه السبب، والولاء من آثار العتق، فيختص بمن صدر منه، وهو المشتري المعتق، وتقدم الكلام على الاشكال في الأمر باشتراط الولاء مع عدم إمضاء حكمه إلا لمن أعتق، والله أعلم.
قال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أقسام:
أحدها: شرط يقتضيه العقد عند إطلاقه؛ كتسليم المبيع إلى المشتري، أو تبقية الثمرة على الشجر إلى أوان الجِداد، أو الرد بالعيب.
الثاني: شَرْط فيه مصلحة، وتدعو إليه حاجة؛ كاشتراط الرهن، والضمين، والخيار، وتأجيل الثمن، ونحو ذلك، فهذان القسمان جائزان، ولا يؤثران في صحة العقد، بلا خلاف.
الثالث: اشتراط العتق في العبد المبيع أو الأمة، وهو جائز عند الجمهور؛ لهذا الحديث، وترغيبًا في العتق لقوته وشرايته.
الرابع: ما سوى ذلك؛ كاشتراط ما ينافي مقتضى العقد من عدم قبضه والتصرف فيه، ونحو ذلك، فهذا باطل، والله أعلم.
الخامس عشر: ثبوت الولاء للمعتق، وقد أجمع المسلمون عليه، سواء كان عبدًا أو أمةً، إذا أعتقه عن نفسه، وأجمعوا على أنه يرث به، وأما العتيق، فلا يرث سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرث به؛ كعكسه.
السادس عشر: لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، ولا لملتقط لقيطة، ولا لمن خلف إنسانًا على المناصرة، وبهذا كله قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وداود، وجماهير العلماء، قالوا: وإذا لم يكن لأحد من هؤلاء المذكورين وارث، فماله لبيت المال، قال المحققون من الشافعية وغيرهم: بشرط أن يكون مصرف بيت المال مستقيمًا، والمتصرف فيه عادلًا، وقال ربيعة، والليث، وأبو حنيفة، وأصحابه: من أسلم على يديه رجل، فولاؤه له، وقال إسحاق: يثبت للملتقط الولاء على اللقيط، وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بالحلف، ويتوارثان به.
والحديث يدل للجمهور على أن لا ولاء لأحدٍ من هؤلاء؛ حيث قال: "إِنما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَق"، وتقدم ما يتعلق بذلك في الكلام على الإشكالات، والله أعلم.
السابع عشر: ثبوت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه؛ لعموم الحديث في كل من أعتق.
الثامن عشر: ائتمار المأمور بأمر الآمر القدوة، والمبادرة إليه.
التاسع عشر: شرعية الخطب للأئمة والكبار، للأمر يحدث من وقوع بدعة أو مخالفة للشرع؛ ليتبين ذلك للناس صوابه من خطئه منكرًا على ما يخالف الشرع.
العشرون: استعمال الأدب في الخطبة وحسن العشرة، وجميل الموعظة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:"مَا بَالُ أَقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطًا لَيْسَتْ في كتابِ اللهِ؟! " ولم يواجه صاحب الشرط المخالف بعينه؛ حيث إن المقصود يحصل له ولغيره من غير فضيحة وشناعة عليه.