الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الغسل للمحرم
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ حُنينٍ: أَن عَبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ، وَالمِسوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ، اخْتَلَفَا بالأَبْواءِ، فَقَالَ ابْنُ عَباسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وقَالَ المِسوَرُ: لا يَغسِلُ المُحْرِمُ رأْسَهُ، قَالَ: فَأرْسَلَني ابنُ عَباس إلى أَبي أَيوبَ الأَنْصَارِي، فَوَجَدْتُهُ يَغتَسِلُ بينَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يستترُ بِثَوْبٍ، فَسَلمْتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَني الَيْكَ ابْنُ عَباسِ، يَسألكَ: كَيفَ كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيوبَ يَدَه عَلَى الثوْبِ، فَطَأطَاَهُ حَتى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُم قَالَ لإنْسَانِ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: اصْبُبْ، فَصَب عَلَى رَأْسِهِ، ثُم حَركَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَر، ثُم قَالَ: هَكَذَا رَأيْتُهُ صلى الله عليه وسلم يفعَلُ (1).
وفي رواية: قَالَ المِسوَرُ لابنِ عَباس: لَا أمَارِيكَ أبدًا (2).
القَرْنَان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة.
أما عَبدُ اللهِ بنُ حُنينٍ، فهو قرشي هاشمي، مولاهم، المشهور أنه مولى عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، ويقال: مولى علي بن أبي طالب، وهو تابعي ثقة، روى له البخاري ومسلم، وكان قليل الحديث.
وأما أبوه حنين: فهو بضم الحاء المهملة، وفتح النون، وياء مثناة تحت
(1) رواه البخاري (1743)، كتاب: الحج، باب: الاغتسال للمحرم، ومسلم (1205)، كتاب: الحج، باب: جواز غسل المحرم بدنه ورأسه.
(2)
رواه مسلم (1205)، (2/ 864)، كتاب: الحج، باب: جواز غسل المحرم بدنه ورأسه.
ساكنة ثم نون، قيل: إنه مولى مثقب، ومثقب مولى مسحل، ومسحل مولى شماس، وشماس مولى ابن عباس (1).
وأَما ابن عباس وأبو أيوب الأنصاري، فتقدَّم ذكرهما.
وأما المِسْوَر: فهو بكسر الميم وسكون السين المهملة، وفتح الواو المخففة، ثم راء، وأبوه مَخْرمَةُ بميمين مفتوحتين بينهما خاء معجمة ساكنة، ثم راء مفتوحة، وآخره تاء تأنيث.
ويشتبه مِسْور -بكسر الميم- بمُسَوَّر -بضمها وفتح السين المهملة المخففة، وتشديد الواو المفتوحة، ثم الراء-، ويشتبه مخرمة بمخرفة -بالفاء بدل الميم الثانية-، والمسور بن مخرمة وأبوه صحابيان.
أما المِسْور: فكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عثمان بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وأمه الشيقاء بنت عوف، أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح، وهو ابن ست سنين، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، وسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وصحَّ سماعه منه، وفي سنة مولده ولد مروان بن الحكم.
رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وعشرون حديثًا، اتَّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث، روى عنه: أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وخلق من التابعين الكبار، وغيرهم.
أصابه المنجنيق وهو يصلي في الحجر بمكة، في فتنة ابن الزبير، سنة ثلاث وسبعين، فمكث خمسة أيام، ثم مات في ربيع الآخر، وصلى عليه ابن الزبير، ودفن بالحجون، ثم قتل ابن الزبير بعده يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى، وقيل: في جمادى الآخرة، فكان سنُّ المِسْور وابنِ الزبير اثنتين
(1) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (5/ 286)، و"تهذيب الكمال" للمزي (14/ 439)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (5/ 169).
وسبعين سنة؛ لأنهما ولدا في عام واحد، المسور بمكة، وابن الزبير بالمدينة، وقتلا بمكة في عام واحد.
وروى للمسور أصحاب السنن والمساند (1).
وأما أبو مخرمةُ: فكنيته أبو صفوان، وهو الأكثر، وقيل: أبو المسور، وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص بن أهيب، أحد العشرة. وكان من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، وكان له سن وعلم بأيام الناس، وبقريش خاصة، وكان يؤخذ عنه النسب، وعاش مئة وخمس عشرة سنة، وعمي في آخر عمره، وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة عمر رضي الله عنه، أرسله عمر، وأرسل معه أزهرَ بن عبد عوف، وسعيدَ بن يربوع، وحويطبَ بن عبد العزى، فجددوها، والله أعلم (2).
وأَما الأَبْواء: فهو بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة، وفتح الواو، وبمد الألف بعدها، وهو اسم قرية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثمانية وعشرون ميلًا، قال صاحب "المطالع": قال بعضهم: سميت بذلك لما فيها من الوباء. ولو كان كما قال، لقيل: الأوباء، أو يكون مقلوبًا
(1) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (7/ 410)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 297)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 394)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 1399)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (1/ 772)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (5/ 170)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 399)، و"تهذيب الكمال" للمزي (27/ 581)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (3/ 390)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (6/ 119)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (10/ 137).
(2)
وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (8/ 15)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 362)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 394)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 1380)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (57/ 147)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (5/ 119)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 392)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 542)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (6/ 50).
منه. والصحيح: أنها سميت بذلك لتبواء السيول بها، وبه توفيت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وقد فسر المصنف رحمه الله القرنين؛ وهما تثنية قرن، ولا ينحصر تفسيرهما بعمودين، بل لو كان عوضهما بناء، سميا قرنين، والله أعلم.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها، إذا غلب على ظنِّ كل واحد من المتناظرين حكم.
ومنها: الرجوع إلى من يُظنُّ أن عنده علمًا فيما اختلف فيه.
ومنها: وصول خبر الواحد، وأن العمل به سائغ شائع بين الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن ابن عباس أرسل إلى أبي أيوب عند اختلافه هو والمسور؛ ليستعلم منه حكم المسألة برسول واحد، وهو ابن حنين، ومن ضرورته قبول خبره عن أبي أيوب فيما أرسل فيه.
ومنها: أخذ الصحابي عن الصحابي بواسطة التابعي.
ومنها: وجوب الرجوع إلى النص عند الاجتهاد، والأخذ به.
ومنها: ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص، وهذا لا خلاف فيه عند أحد من العلماء.
ومنها: التستر عند الغسل.
ومنها: جواز الاستعانة للمتطهر بمن يستره، أو يصب عليه، وقد ثبت في الاستعانة أحاديث صحيحة، وما ورد في تركها لا يقابلها في الصحة، فيحمل على أن تركها أولى.
ومنها: جواز الكلام حال الطهارة.
(1) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 57).
ومنها: جواز السلام على المتطهر في الوضوء والغسل للحاجة، بخلاف الجالس على الحدث.
ومنها: جواز تحريك اليد على الرأس حال الغسل للمحرم، إذا لم يؤد إلى نتف الشعر.
ومنها: أن الإنسان إذا كان عنده علم من الشيء، ووقع فيه اختلاف، لا بأس أن يراجع غيره فيه ممن عنده علم به؛ لأن سؤال ابن عباس رضي الله عنه عن كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم، يشعر بأنه كان عنده علم به؛ إذ لا يحسن السؤال عن كيفية الشيء إلا بعد العلم بأصله.
ومنها: أن غسل البدن كان مقرر الجواز عنده في الإحرام؛ إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه موضع الإشكال في المسألة؛ لأن تحريك اليد على ما الشعر عليه، يخاف منه: الانتتاف.
ومنها: جواز اغتسال المحرم في رأسه وجسده، وهو مجمع عليه إذا كان الغسل واجبًا من جنابة أو حيض ونحوهما، وأما إذا كان لمجرد التبرد، فمذهب الشافعي، والجمهور: جوازه، وجوز أصحاب الشافعي الغسل بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرًا، ولا فدية عليه، وقال مالك وأبو حنيفة: هو حرام، وعليه الفدية؛ لأنه ترفه.
قال شيخنا أبو الفتح القاضي رحمه الله: فإن استدل بالحديث على هذا المختلف فيه، فلا يقوى؛ لأنه حكاية حال لا عموم فيه، وحكاية الحال يحتمل المختلف فيه، ويحتمل غيره، ومع الاحتمال لا تقوم الحجة، والله أعلم (1).
* * *
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 69).