المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ ‌ ‌الحديث الأول عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدَ اللهِ - العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار - جـ ٢

[ابن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الوتر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الذكر عقيب الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب العيدين

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الكسوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الاستسقاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب صلاة الخوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الجنائز

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌كتاب الزكاة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الصيام

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب الصوم في السفر وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السَّابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب أفضل الصِّيام وغيره

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثّاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السَّادس

- ‌الحديث السَّابع

- ‌الحديث الثَّامن

- ‌باب ليلة القدر

- ‌الحديث الأَوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌باب الاعتكاف

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌كتاب الحجّ

- ‌باب المواقيت

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌باب ما يَلْبسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّياب

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌بَابُ الفِدْيةِ

- ‌باب حُرمة مكَّة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌باب ما يجوز قتله

- ‌باب دخول مكَّة وغيره

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب التَّمتُّع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الهدي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الغسل للمحرم

- ‌باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب المُحْرِم يأكل من صيد الحلال

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب ما نُهي عنه من البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب العرايا وغير ذلك

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب السَّلَمِ

- ‌الحديث الأول

- ‌باب الشروط في البيع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الرِّبَا والصرف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

الفصل: ‌ ‌باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ ‌ ‌الحديث الأول عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدَ اللهِ

‌باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ

‌الحديث الأول

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدَ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَد مِنْهُمْ هَدْيٌ غيْرَ النبِي صلى الله عليه وسلم وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِي مِنَ اليَمَن، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بمَا أَهَلَّ بِهِ النبي صلى الله عليه وسلم، فأمَرَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَة، فَيَطُوفُوا ثُمَّ يقصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يقْطُرُ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ، لأَحْلَلتُ"، وَحَاضتْ عَائشِةُ، فنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهاَ، غيْرَ أنها لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ، طَافَتْ بِالبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! تَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ! فَأمَرَ عَبْدَ الرحمنِ بْنَ أَبي بكر أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَج (1).

أما جابر وعائشة، فتقدم ذكرهما، وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر تقدم ذكره في باب: السواك.

أما قوله: "أَهَلَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ"؛ أصل الإهلال: رفع الصوت، ثم استعمل في التلبية استعمالًا شائعًا، ويعبر به عن الإحرام، قال القاضي عياض رحمه الله: هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ حيث أحرم به

(1) رواه البخاري (1568)، كتاب: الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، ومسلم (1250)، كتاب: الحج، باب: إهلال النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وهذا لفظ البخاري.

ص: 1044

النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مفرِدًا، ويؤيده توقفهم على التحلل بالعمرة ما لم يتحلل، حتى أغضبوه واعتذر إليهم بسبب سوق الهدي، ومثله تعليق علي وأبي موسى إحرامهما على إحرام النبي صلى الله عليه وسلم (1).

وقولُه: "وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النبي صلى الله عليه وسلم وَطَلْحَة"؛ هذا الكلام كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة إذا لم يكن هدي، وتقدم ذكر الهدي.

وأما طلحة: فهو أحد العشرة رضي الله عنهم المشهود لهم بالجنة، وكنيته أبو محمد، ولقَّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلحة الخير يومَ أحد، وطلحة الفياض، وطلحة الجود يوم حنين، وهو ابن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب السابع، أمه: الصعبة بنة الحضرمي -واسمه: عبد الله- أختُ العلاء بن الحضرمي، أسلمت رضي الله عنها، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين كعب بن مالك رضي الله عنهما.

لم يشهد بَدْرًا، لكن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه منها، وشهد أُحُدًا وما بعدها من المشاهد، وهو من المهاجرين الأولين، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر رضي الله عنه، والستة أصحاب الشورى، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه قبل أن يقتل:"طلحةُ ممن قضى نحبه وما بدلوا تبديلًا"(2).

رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على

(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (8/ 172).

(2)

رواه الترمذي (3740)، كتاب: المناقب، باب: مناقب طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وقال: غريب، وابن ماجه (126)، في المقدمة، باب: فضل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، والطبراني في (المعجم الكبير)(19/ 324)، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

ص: 1045

حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، روى عنه السائب بن يزيد، وجمع كثير من كبار التابعين، وأولاده: موسى، ويحيى، وعيسى، وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند.

قُتل رضي الله عنه يوم الجمل يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة، وقيل: في رجب سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة وهو ابن أربع، وقيل: اثنتين وستين سنة، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: ستين، وقيل غير ذلك، قتله مروان بن الحكم (1).

وقول عليٍّ رضي الله عنه: "أَهْلَلْتُ بمَا أَهَل بِهِ النبي صلى الله عليه وسلم "، اعلم أنه ثبت أن عليًّا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما أحرم كل واحد منهما إحرامًا معلقًا؛ وهو أن يحرم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقد إحرامه، ويصير محرمًا بما أحرم به فلان، وهذا النوع أحد وجوه الإحرام الجائزة؛ وهي خمسة: الإفراد، والتمتع، والقران، والإطلاق، والتعليق، ولا شك أنه اختلف آخر إحرام أبي موسى وعلي في التحلل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا بالبقاء على إحرامه من غير تحلل؛ لأنه علق إحرامه بإحرام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معه صلى الله عليه وسلم الهدي، فشاركه عليٌّ في الهدي وعدم التحلل؛ بسبب الهدي، وصار قارنًا، وأما أبو موسى، فلم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يكن معه، وقد قال:"لَولا الهَدْيُ لجعلتُها عُمْرَةً وتحللت" فأمر أبا موسى بذلك، فاعتمر وتحلل لعدم الهدي، والله أعلم.

وفي إحرام علي وأبي موسى دليل لمذهب الشافعي وموافقيه: أنه يصح

(1) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (3/ 214)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 344)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4/ 471)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (1/ 87)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 764)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (25/ 54)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (3/ 84)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 239)، و "تهذيب الكمال" للمزي (13/ 412)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (1/ 23)، و "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (3/ 529)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (5/ 19).

ص: 1046

الإحرام معلقًا بإحرام الغير، وانعقاد إحرام المعلق بما أحرم به الآخر، فإن كان إحرام الغير بحج، كان هذا بحج، وإن كان بعمرة، فبعمرة، وإن كان بهما، فبهما، وإن كان مطلقًا، كان مطلقًا، ويصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، ولا يلزمه موافقةُ الغير في الصرف.

ومن العلماء من خص التعليق بصورة غير ما ذكره الشافعية، ومنعه غيره، ومن أبي التعليق قال: الحج مخصوص بأحكام ليست في غيره، ويجعل محل الخلاف منها، والله أعلم.

قولهُ: "فَأمَرَ النبِي صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً"؛ فيه عموم لجميع أصحابه، وهو مخصوص بأصحابه الذين لم يكن معهم هدي، وهو مبين في حديث آخر، وفسخ الحج إلى العمرة كان جائزًا بهذا الحديث؛ حسمًا لمادة الجاهلية في أن الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور.

وقد اختلف الناس -فيما بعد هذه الواقعة- هل يجوز فسخ الحج إلى العمرة؛ كما في هذه الواقعة، أم لا؟ فمنهم من جوزه، ومنهم من منعه، وجعله مخصوصًا بالصحابة، وروى فيه حديثًا عن أبي ذر رضي الله عنه، وعن الحارث بن بلال عن أبيه -أيضًا-، وتقدم ذلك، والله أعلم.

قوله: "فَلْيَطُوفُوا ثُم يقصِّرُوا" يحتمل أن يريد بالأمر بالطواف: الطوافَ بالبيت، والسعيَ بين الصفا والمروة؛ حيث إن العمرة لا بد فيها من السعي، ويحتمل أنه استعمل الطواف فيهما؛ حيث إن السعي يسمى طوافًا، قال الله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة: 158].

وقوله "فَقَالُوا: ننطْلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يقْطُرُ! "؛ المراد بقولهم هذا: المبالغةُ في الكلام، لا حقيقة الإمذاء أو الإنزال؛ لأنهم إذا حلوا من العمرة، وواقعوا النساء، كان ذلك قريبًا من إحرامهم بالحج؛ لقرب الزمان بين الإحرام والمواقعة والإنزال، فقيل مبالغة:"وذكر أحدنا يقطر" إشارة إلى اعتبار المعنى

ص: 1047

في الحج، وهو الشعث وترك الترفه، وطول زمن الإحرام يحصل هذا المقصود، وقصره يضعفه بعدم الشعث ووجود الترفه، وكأنهم استنكروا زوال المقصود وضعفه لقرب إحرامهم من تحللهم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمرِي مَا اسْتدبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ"؛ اعترض على ذلك بقوله: "إن لو تفتحُ عملَ الشيطان"، والجمع بينهما: أن المنع من قول: لو أني فعلت كذا، لكان كذا، ولو كان كذا وكذا، لما وقع كذا وكذا، إنما هو لما فيه من صورة عدم التوكل، ولنسبة الأفعال إلى القضاء والقدر فقط.

أما إذا استعملت "لو" في معنى تمني القربات؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمرِي" في هذا الحديث، فلا كراهة فيه، ولا منع، ويلزم من ذلك أن يكون ما تمناه صلى الله عليه وسلم أفضل، وهو التمتع لو وقع، الجواب: أن الشيء قد يكون أفضل لذاته، وقد يكون أفضل لما يقترن به من مصلحة لا لذاته، فالتمتع مقصود للترفه ولجبره بالدم، لكنه لما اقترن به قصد موافقة الصحابة رضي الله عنهم في فسخ الحج إلى العمرة لما شق ذلك عليهم، وهو أمر زائد على مجرد التمتع، اقتضى ذلك أفضليته من هذا الوجه خاصة، لا من حيث هو هو، ولا يلزم من ذلك أن يكون التمتع بمجرده أفضل، فاقتضى ترجيحه لذلك، لا لذاته.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَن مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ" هذا معلل بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]؛ فإن فسخ الحج إلى العمرة يقتضي التحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة، ولو تحلل بالحلق عند فراغه منها، لحصل الحلق قبل بلوغ الهدي محله. وفي معنى الحلق التقصيرُ، فيمتنع كما يمتنع الحلق قبل بلوغ الهدي محله، وحينئذ يؤخذ من هذا: التمسكُ بالقياس، مع أن النص لم يرد إلا في الحلق، فلو وجب الاقتصار على النصِّ، لم يمتنع فسخ الحج إلى العمرة لأجل هذه العلة؛ فإنه حينئذ كان يمكن التحلل من العمرة بالتقصير، ويبقى النصُّ معمولًا به في منع الحلق حتى يبلغ الهدي محله، فحيث حكم بامتناع التحلل من العمرة، علل بهذه العلة، دل ذلك على أنه أجرى

ص: 1048

التقصير مجرى الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدي محله، مع أن النصَّ لم يدل عليه بلفظه، وإنما ألحق به بالمعنى.

وقوله: "وَحَاضَتْ عَائشِةُ رضي الله عنها فنسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غيْرَ أنهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ"؛ اعلم: أن ابتداء حيض عائشة رضي الله عنها هذا، كان يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر، وطهرها كان يوم السبت في يوم النحر عام حجة الوداع، ذكره ابن حزم في كتابه "حجة الوداع"(1)، وإنما لم تطف الحائض بالبيت، إما لذات الحيض، أو لملازمته لدخول المسجد.

وثبت في رواية أخرى صحيحة أنها بعد أن طَهُرت طافت وسعت، وأُخذ من ذلك أن السعي لا يصح إلا بعد طواف صحيح، فإنه لو صح، لما لزم من تأخير الطواف بالبيت تأخير السعي؛ لأنها قد فعلت المناسك كلها غير الطواف بالبيت؛ فلولا اشتراط تقدم الطواف على السعي، لفعلت في السعي ما فعلت في غيره من المناسك.

وحينئذ يكون في رواية الكتاب: "فَلَما طَهُرَتْ طَافَتْ بِالبَيْتِ"، حَذْف تقديره: وَسَعت، تبينه هذه الرواية في طوافها وسعيها بعد طهارتها، وكون السعي لا يكون إلا بعد طواف صحيحٍ إما واجب وإما مندوب، هو مذهب مالك، والشافعي، واتفق عليه أصحابهما.

غير أن المالكية زادوا قولًا واحدًا آخر: أن السعي لا بد أن يكون بعد طواف واجب، وإنما صححوه بعد طواف القدوم؛ لأنه عند القائل بصحة السعي بعده واجب، لا مندوب، والله أعلم.

وقولُها: "تَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ"؛ تريد: العمرة التي فسخوا الحج إليها، والحج الذي أنشؤوه من مكة.

وقولُها: "وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ"؛ هذا مشعر بأن عائشة رضي الله عنها لم تحصل لها العمرة؛ إما لأنها لم تتحلل بفسخ حجها الأول إلى العمرة، وإما بأنها فسخته

(1) انظر: "حجة الوداع" لابن حزم (ص: 124).

ص: 1049

ثم حاضت، فتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها، وإدراك الحج، فأحرمت به، فصارت مدخلة للحج على العمرة،، وقارنة، فالأول ظاهر قولها:"وَأَنْطْلِقُ بِحَجَّة"، لكنه لما ثبت في روايات أخر صحيحة اقتضت أن عائشة اعتمرت، حيث أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك عمرتها ونقض رأسها وامتشاطها، وبالإهلال بالحج لما حاضت لامتناع التحلل من العمرة بوجوه: منها: الحيض، ومنها: مزاحمة وقت الحج، ومنها: امتناع إتمام أعمال العمرة وهو الطواف ودخول المسجد، ولم يمكن: رفض العمرة، فأهلت بالحج مع بقاء العمرة، فصارت قارنة، فأشكل قولها:"تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج"، إذ هي على التقدير الثاني، قد حصل لها حج وعمرة، فهي قارنة، فاحتاج العلماء إلى تأويل ما أشكل على أن قولها:"تنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحجة"؛ أن المراد منه تنطلقون بحج مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حجة، وأنطلق بحجة غير مفردة عن عمرة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة؛ ليحصل لها قصدها في عمرة مفردة عن حجة، وحجة مفردة عن عمرة.

وهذا حاصل ما قيل في هذا الإشكال وجوابه، مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين روايات الحديث ألجأ العلماء إلى ذلك، وفيه جميعه دلالة على الرد على من يقول: القِران أفضل، والله أعلم.

وقولُه: "فَأمرَ عَبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ رضي الله عنهما أَن يَخرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعتَمَرَتْ بَعْدَ الحج"؛ يعني: أخا عائشة لأبويها، وكان أكبر أولاد أبي بكر، كما تقدم.

والتنعيم: مكان عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال -وقيل: أربعة- من مكة، سُمي بذلك؛ لأن عن يمينه جبلًا يقال له: نعيم، وعن شماله جبل يقال له: ناعم، والوادي نعمان.

والعلة في الإحرام بالعمرة من الحل؛ لقصد الجمع بين الحل والحرم في العمرة، كما وقع في الحج من الجمع بينهما؛ فإن عرفة من الحل خارج الحرم،

ص: 1050

والوقوف بها من أركان الحج، حتى لو أحرم بالعمرة من مكة، أو في الحرم، هل ينعقد ويكون صحيحًا ويلزمه دم، أو يكون باطلًا؟

وللشافعي في ذلك قولان، وقال مالك: لا يصح، وشذ بعضهم فشرط الخروج إلى التنعيم بعينه، دون الخروج إلى مطلق الحل، وليس بشيء؛ بل المفهوم منه الخروج إلى مطلق الحل، وإنما أمر عائشة رضي الله عنها بالخروج مع أخيها للعمرة إلى التنعيم؛ لقربه من الحرم؛ فإنه أقرب جهات الحل من الحرم، لا لعينه، والله أعلم.

وفي هذا الحديث أحكام:

منها: استحباب التلبية ورفع الصوت بها.

ومنها: وجوب الإحرام على من أراد الحج أو العمرة أو أرادهما.

ومنها: أن السنَّة سوق الهدي من الميقات.

ومنها: أن الأفضل: الإحرام بالحج مفردًا.

ومنها: جواز إدخال العمرة على الحج ويصير قارنًا.

ومنها: أن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل من العمرة.

ومنها: مخالفة الجاهلية وجواز الاعتمار في أشهر الحج.

ومنها: أن [على] العالم إذا حاول إحياء شرع أو سنَّة، أن يتلطف في ذلك بالاستدراج دون البغتة.

ومنها: جواز مخالفة الأفضل لمصلحة أهم منه.

ومنها: وجوب المبالغة ومخالفة العقول والطباع والعادات من أجلها.

ومنها: جواز المباحثة وذكر العلل لطلب الحق والرجوع إليه والعمل به.

ومنها: أن الحكم الخاص بزمن أو شخص لعلة يصير عامًّا، وإن لم توجد العلة.

ومنها: الاعتذار لمخالفة العادة.

ص: 1051

ومنها: جواز تسمية السعي طوافًا.

ومنها: جواز المبالغة في الكلام، وإن لم يكن حقيقة لمقصود شرعي.

ومنها: أن من عقل شيئًا من معاني الأحكام أن يذكرها بها للعلماء؛ ليقروه عليها، أو يردوه عنها.

ومنها: جواز تمني الأمور الأخروية.

ومنها: جواز استعمال "لو" فيها من غير كراهة، ولا يكون هذا تركًا للتوكل، ولا مخالفة للقضاء والقدر.

ومنها: ترك فعل الراجح مراعاة لموافقة الأصحاب، إذا لم يكن محذورًا.

ومنها: أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت.

ومنها: أن المحرم لا يحل له حلق رأسه أو تقصيره حتى يشرع في أسباب التحلل بمحله.

ومنها: تحريم المسجد على الحائض، والطواف، وغيره من الصلاة والاعتكاف، وسواء خافت تلويثه أم لا، وسواء المرور فيه وغيره.

ومنها: طلب الأفضل والأكمل في العبادة.

ومنها: جواز الخلوة بالمحارم، وأنَّه لا يجوز سفر المرأة إلا مع ذي محرم، وسواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا، وتقييد السفر بيوم أو ليلة أو بهما -في بعض الأحاديث- خرج على الغالب.

ومنها: الجمع بين الحل والحرم في الإحرام بالعمرة.

ومنها: أن الأفضل أن يحرم بها من الحل.

ومنها: أن من جملة جهات الحل للإحرام بها التنعيم، وليس في الحديث دليل على أنه أفضل الجهات للإحرام بها.

ومنها: أن العمرة المستقبلة لمن أفرد الحج، وأراد فعلها، لا يجوز إلا بعد الفراغ من الحج.

ص: 1052