الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ رضي الله عنه، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ:"قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"(1).
أما عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، فكنيته أبو عيسى، واسم أبيه أبي ليلى: يَسارٌ، على الأصح المشهور، ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال بن بلبل بن أحيحةَ بن الجلاح بنِ الحريشِ بنِ جحجنا بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ مالكِ بنِ الأوس.
وعبدُ الرحمن هذا تابعيٌّ، ثقة، جليل، أنصاريٌّ، أوسيٌّ، كوفي، حضر حلقته جماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم استمعوا لحديثه، وأنصتوا له، فيهم البراء بن عازب رضي الله عنهما، وروي عنه قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم من الأنصار.
ولد لست بقيت من خلافة عمر، وروى عنه وعن الخليفتين بعده، وسعد بن أبي وقاص من العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
وأبوه أبو ليلى صحابي، لم يرو عنه غيرُ ابنه عبد الرحمن هذا، وابنُ أبي ليلى الفقيه، القاضي محمدُ بن عبد الرحمن هذا ضعيف، ومات عبد الرحمن سنة ثلاث وثمانين، وروى له البخاري ومسلم (2).
(1) رواه البخاري (3190)، كتاب: الأنبياء، باب:"يزفون"، ومسلم (406) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد.
(2)
وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (6/ 109)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (4/ 350)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (10/ 199)، و"تهذيب الكمال" للمزي (17/ 372)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (3/ 262)، و"تذكرة الحفاظ" له أيضًا (1/ 58)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (6/ 234).
وأما كعبُ بن عُجرة، فكنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق، وهو من بني سالمِ بن عوف، وقيل: من بني سالم بنِ بليِّ بنِ الحاف بنِ قضاعةَ، حليفٌ لبني حارثة بنِ الحارث بنِ الخزرج، وقيل: هو حليفٌ لبني عوف بن الخزرج، وهم القواقلة، وقيل: إنه حليف لبني سالم من الأنصار، شهد بيعة الرضوان، وقال ابن الأثير: تأخر إسلامه.
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين، وروى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي؛ العبادلة، وجابرُ بن عبد الله، وطارقُ بن شهاب، وبنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع، وجماعة من التابعين، مات بالمدينة سنة اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: ثلاث وخمسين، وله خمس وسبعون سنة، روى له أصحاب السنن والمساند (1).
أما ألفاظه: فقوله: "ألا أهدي لك هديةً" الهديةُ: ما يُتقرب به إلى المهدى إليه توددًا وإكرامًا من غير قصد عوض دنيوي، بل القصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعمل في المأكول والمشروب والملبوس، وقد يتجوز بها في العلوم اللفظية والمعنوية الشرعية؛ كما في هذا الحديث:"ألا أهدي لك هدية"، والهدية واحدة الهدايا؛ كالعطية والعطايا، والبرية والبرايا، وفيه إضمار؛ كأن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال له: نعم، فقال له كعب:"إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله" الحديث.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ" إلى آخره، صيغة الأمر في قوله ظاهرة في الوجوب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن
(1) وانظر ترجمته في: "الثقات" لابن حبان (3/ 351)، "والمستدرك" للحاكم (3/ 545)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 1321)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (50/ 139)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (4/ 454)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 377)، و"تهذيب الكمال" للمزي (24/ 179)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (3/ 52)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (5/ 599)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (8/ 390).
اختلف العلماء، فأكثرهم على وجوبها في العمر مرة، وقال بعضهم: يجب كلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الطحاوي من الحنفية، وأبي عبد الله الحليمي من الشافعية.
وقال الشافعي وأحمد: هي واجبة في التشهد الأخير عقبه قبل السلام، وهذا مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وهو قول الشعبي، وإسحاق، وقد نسب الشافعي جماعة في وجوبها في التشهد الأخير إلى مخالفة الإجماع، وهو غير صحيح، فإن الشعبي تابعي صغير، وهو من الفقهاء المعتد بقولهم، وخلافه ليس معه إجماع، كيف وهو منقول عن عمر وابنه، وجعل من نسب الشافعي إلى مخالفة الإجماع في ذلك أن قول أحمد وإسحاق في الوجوب على سبيل التبعية والتقليد للشافعي، لا استقلالًا.
واعلم أنه ليس في الحديث تنصيص على أن هذا الأمر مخصوص بالصلاة، وقد استدل الفقهاء كثيرًا على وجوبها في الصلاة بأنها واجبة بالإجماع، ولا تجب في غير الصلاة بالإجماع، فتعين وجوبها فيها، وهو ضعيف جدًّا، ولأن قولهم: لا تجب في غير الصلاة بالاجماع إن أرادوا به عينًا، فهو صحيح، لكنه لا يلزم منه أن يجب في الصلاة عينًا؛ لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من العينين خارج الصلاة وداخلها.
واعلم أن كل لفظ أُمرنا بالإتيان به على صيغة من الشارع يجب في العمل به مراعاة لفظه، ولا يجوز الإتيان به بمعناه، فالصلاة من الله تعالى معناها الرحمة، فإذا قلنا: اللهم صل على محمد، فكأننا سألنا الله تعالى الرحمة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا يسقط الأمر بقولنا: اللهم ارحم محمدًا، أو اللهم ترحمَّ على محمد، دون الصلاة، وقد وردت الرحمة مع الصلاة والتبريك في بعض الأحاديث الغريبة للنبي صلى الله عليه وسلم:"وارحم محمدًا وآل محمد، كما رحمت إبراهيم وآل إبراهيم"، واختلف علماء المالكية في قول ذلك، فقال بعضهم: لا يقال، وهو اختيار أبي عمر بن عبد البر، وأجازه بعضهم، وهو مذهب محمد بن أبي زيد، والمختار
عند أكثر العلماء عدم جوازه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الصلاة عليه، وليس فيها ذكر الرحمة، فيتعين لفظ الصلاة، وإن كان معناها السؤال والدعاء والتضرع له صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فلا تفرد بالذكر، والله أعلم.
وقد استدل بعض أصحاب الشافعي على وجوبها في الصلاة برواية في هذا الحديث في صيغة أنهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد" إلى آخره، وهذه الرواية صحيحة، رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن حبان البستي، والحاكم أبو عبد الله في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: هي زيادة صحيحة (1)، واحتجا بها على الوجوب، واحتجا أيضًا في "صحيحيهما" بما روياه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي لم يحمدِ الله ولم يمجِّدْه، ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عَجِلَ هذا"، ثم دعاه النبي فقال:"إذا صلَّى أحدكم، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، وليدع بعدُ بما شاء"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (2).
وهذان الحديثان، وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع؛ كالصلاة على الآل والذرية والدعاء، فلا يمتنع الاحتجاج بهما؛ فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ما تناوله الأمر عن الوجوب بدليل بقي الباقي على الوجوب، والله أعلم.
وأما الصلاة على الآل، فهو سنة، وفي مذهب الشافعي وجه شاذ أنها واجبة، وقد يتمسك لهذا الوجه بلفظة الأمر، لكنه محجوج بإجماع من قبله في عدم وجوب الصلاة على الآل، والله أعلم.
(1) رواه ابن حبان في "صحيحه"(1959)، والحاكم في "المستدرك"(988)، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 119)، وابن خزيمة في "صحيحه"(711)، والدارقطني في "سننه"(1/ 354)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 146)، عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(1960)، والحاكم في "المستدرك"(840)، وأبو داود (1481)، كتاب: الصلاة، باب: الدعاء، والترمذي (3477)، كتاب: الدعوات، باب:(65)، والإمام أحمد في "المسند"(6/ 18)، وابن خزيمة في "صحيحه"(710).
وقد اختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلم من هم؟ فاختار الشافعي أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، واختار الأكثرون والمحققون أنهم جميع الأمة وأهل دينه، قال الله تعالى:{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} [غافر: 46]، واختار آخرون أنهم أهل بيته صلى الله عليه وسلم، وذريته، والله أعلم.
وأما تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد، فتقدم في الكلام على الحديث قبله.
وقوله: "كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد"، أما إبراهيم، وإبراهام، وإبراهم -بضم الهاء وفتحها وكسرها-، فقال الماوردي: معناه بالسريانية أب رحيم، وقال غيره: فيه خمس لغات، وقال الجواليقي وغيره (1): أسماء الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- كلها عجمية إلا محمدًا، وصالحًا، وشعيبًا، وآدم، وقال ابن قتيبة: تحذف الألف من الأسماء الأعجمية كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل، استثقالًا كما ترك صرفها، وكذا سليمان، وهارون، قال: فأما ما لا يكثر استعماله منها؛ كهاروت، وماروت، وقارون، وطالوت، فلا تحذف الألف في شيء منه، ولا تحذف من داود، وإن كان مشهورًا؛ لأنه حذف منه إحدى الواوين، فلو حذفت الألف، أجحف به، وأما ما كان على وزن فاعِل، كصالح، ومالك، وخالد، فيجوز إثبات ألفه وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قل؛ كسالم، وحامد، وجابر، وحاتم، لم يجز حذف الألف، وما كثر استعماله ودخلته الألف واللام، تحذف ألفه معهما، وبإثباتها مع حذفهما، تقول: قال الحرث لئلا يشتبه بحرب، فلا تحذف من عمران، ويجوز حذفها وإثباتها في عثمان وسفيان ونحوهما بشرط كثرة استعمالها (2).
وقد كثر سؤال المتأخرين عن مقتضى المشبه به، وهو الصلاة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، والمشبه، وهو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، مع أن نبينا أفضلُ
(1) انظر: "المُعَرَّب من الكلام الأعجمي على حرف المعجم" لأبي منصور الجواليقي (ص: 13).
(2)
انظر: "تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص: 72)، و"تهذيب الأسماء واللغات" له أيضًا (1/ 112).
من إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فكيف تطلب صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تشبه بالصلاة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم؟ وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
أحدها: أن التشبيه بينهما إنما وقع في أصل الصلاة، لا في قدرها؛ لقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، فالتشبيه إنما وقع في أصل الصيام، لا في عينه ووقته، قال شيخنا أبو الفتح القاضي رحمه الله: وهذا ليس بالقوي (1).
الثاني: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة على الآل، فيكون الكلام تم عند قوله: اللهم صل على محمد، ويكون منقطعًا عن التشبيه، ويكون قوله: وعلى آل محمد متصلًا بما بعده، فيكون السؤال لهم مثل ما لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله آل النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وقد حكى هذا الوجه بعضُ أصحاب الشافعي عنه، قال شيخنا أبو الفتح القاضي رحمه الله: وفي هذا من الإشكال أن غير الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- لا يمكن أن يساويهم، فكيف يطلب ما لا يمكن وقوعه؟ (2).
الثالث: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة مقابلة للمجموع من النبي صلى الله عليه وسلم، وآله بالمجموع من إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، ومعظم الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - هم آل إبراهيم، فكأنه سأل مقابلة الجملة بالجملة، لا المقدار بالمقدار؛ لأنه إذا تعذر أن يكون لآل الرسول صلى الله عليه وسلم مثلُ ما لآل إبراهيم الذين هم الأتباع من الأنبياء وغيرهم، كان ما توفر من ذلك حاصلًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فيكون زائدًا على الحاصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان، ومن كانت في حقه أكثر، كان أفضل.
الرابع: أن الأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم للتكرار بالنسبة إلى كل صلاة في حق كل مصل، فإذا اقتضت في حق كل مصل حصول صلاة مساوية للصلاة على
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 74).
(2)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
إبراهيم، كان الحاصل للنبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافًا مضاعفة، لا ينتهي إليها العد والإحصاء.
فإن قيل: التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة، والفرد منها، فالإشكال حاصل، قال أبو الفتح شيخنا رحمه الله: متى يرد الإشكال؟ إذا كان الأمر للتكرار، وإذا لم يكن، الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن هذا الأمر للتكرار بالاتفاق، وإذا كان للتكرار، فالمطلوب من المجموع حصول مقدار لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار الحاصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم من المساواة أو عدم الرجحان عند السؤال، وإنما يلزم ذلك لو لم يكن الثابت للرسول صلى الله عليه وسلم صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، أو زائدة عليها، أما إذا كان كذلك، فالمسؤول من الصلاة إذا انضم إلى الثابت المتقرر للرسول صلى الله عليه وسلم، كان المجموع زائدًا في المقدار على القدر المسؤول، وصار هذا في المثال كما إذا ملك إنسان أربعة آلاف درهم، وملك آخر ألفين، فسألنا أن يعطي صاحب الأربعة آلاف مثل ما لذلك الآخر، وهو ألفان، فإذا حصل ذلك، انضمت الألفان إلى الأربعة آلاف، فالمجموع ستة آلاف، وهي زائدة على المسؤول الذي هو ألفان، والله أعلم (1).
وقوله: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" اختار المصنف هذا اللفظ من بين سائر ألفاظ الروايات في الصلاة والتبريك، فإنه ليس فيهما ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وإنما المشبه به آله فقط، وأكثر الروايات فيها ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، والله أعلم.
ومعنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: الثبات على ذلك؛ من قولهم: بركت الإبل؛ أي: ثبتت على الأرض، ومنه بركة الماء، وقيل: هي بمعنى التطهير من العيوب كلها والتزكية.
وقوله: "إنك حميد مجيد"؛ أي: حميد بصيغة المبالغة بمعنى المحمود،
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 74 - 75).
وهو المستحق لأنواع المحامد، وقيل: الذي تُحمد أفعاله، ومجيد: مبالغة في الماجد، وهو الذي كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة، يقال: مَجُدَ الرجلُ ومَجَدَ -بالضم والفتح- يمجُد -بالضم فيهما-، مَجدًا ومَجادة، فيكون مجيد كالتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد، ويحتمل أن يكون حميد مبالغة من حامد، ويكون ذلك كالتعليل للصلاة المطلوبة؛ فإن الحمد والشكر يتقاربان، فحميد قريب من معنى شكور، وذلك مناسب لزيادة الإفضال والإعطاء لما يراد من الأمور العظام، وكذلك المجد والشرف مناسبته لهذا المعنى ظاهرة، والله أعلم.
وقد احتج بهذا الحديث من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، فإن أراد بالجواز على سبيل التبعية لهم، فمسلم، وإن أراد على سبيل الاستقلال، فممنوع، مع أن الصلاة والتسليم لم يؤمر بهما على سبيل الجمع في الكتاب العزيز إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخبر الله تعالى عن نفسه الكريمة وعن ملائكته - صلى الله عليهم وسلم - بالصلاة فقط إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأما السلام فقط، فقد سلم الله تعالى في سورة الصافات على الأنبياء والمرسلين دون الصلاة، وقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالسلام على المؤمنين بالآيات إذا جاؤوه، فقال تعالى:{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54].
وقد أجمع العلماء على الصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالًا، وأما غير الأنبياء والملائكة من مؤمني الآدميين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اختلف العلماء في الصلاة عليهم استقلالًا، فذهب مالك والشافعي والأكثرون إلى أنهم لا يُصلَّى عليهم استقلالًا، فلا يقال: اللهم صل على أبي بكر، أو عمر، أو علي، أو غيرهم، ولكن يُصلَّى عليهم تبعًا، والحديث يدل على ذلك، خصوصًا على مذهب المحققين في أن الآل كل المؤمنين.
واختلف أصحاب الشافعي في هذا المنع هل هو للتحريم أم لكراهة التنزيه،
أم هو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أوجه، والصحيح الذي عليه الأكثرون منهم: أنه مكروه كراهة تنزيه، قالوا: لأنه شعار أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم، لكن المعتمد في دليل المنع أن الصلاة في لسان السلف صارت مخصوصة بالنبي وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- استقلالًا، كما أن قولنا: عز وجل مخصوص بالله سبحانه وتعالى، فكما لا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه، وإن كان معناه صحيحًا.
وذهب الإمام أحمد وجماعة إلى جواز الصلاة على كل واحد من المؤمنين استقلالًا، واحتجوا بقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} [الأحزاب: 43]، وبقوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم صلِّ على آل أبي أوفى"(1)؛ فإنه صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم، صلَّى عليهم، وأجاب الأكثرون بأن هذا النوع من الصلاة مأخوذ من التوقيف وعمل السلف، ولم ينقل استعمالُهم ذلك، بل خَصوا به الأنبياء كما ذكرنا، وأجابوا عن الآية الكريمة والحديث المذكورين وغيره من الأحاديث: أن ما كان من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو دعاء وترحم، وليس فيه معنى التعظيم والتوقير الذي يكون من غيرهما، واتفق العلماء على جواز جعل غير الأنبياء من الأتباع والذرية والأزواج تبعًا لهم في الصلاة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وفي الأمر به في أحاديث التشهد، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وفي السلام عليه، ولم يزل السلف على العمل به خارج الصلاة أيضًا.
وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: هو في معنى الصلاة، فإن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، فلا يقال: أبو بكر، أو عمر، أو علي عليه السلام، وإنما يقال ذلك خطابًا للأحياء والأموات، وأما الحاضر
(1) رواه البخاري (1426)، كتاب: الزكاة، باب: صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، ومسلم (1078)، كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقة، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
منهم، فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام -بالألف واللام-، والله أعلم (1).
وفي الحديث فوائد:
منها: استحبابُ ابتداء العالم أصحابَه بالعلم باستفتاح كلام يحملهم على أخذه بقبول.
ومنها: أنه يؤخذ العلم تؤدة شيئًا فشيئًا؛ ليفهم ويعمل به، فإذا علمه، أخبرنا العالم بأنه فهمه وعلمه، وسأله عن غيره، فإن الصحابة رضي الله عنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟
ومنها: أنه يستحب للإنسان أن يبدأ بنفسه في الدعاء؛ حيث قال: السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ومنها: تنزيل مراتبِ الأنبياء وغيرهم، ويقيس الإنسان مراتبَهم، فلا يقدم أخيرًا على أول.
ومنها: أن تقديم ذكر الشيء في كتاب الله تعالى لا يوجب العمل تقديمه، فإن الله تعالى قدم الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على السلام، والسلامُ مقدَّم في العمل إجماعًا، وهذا يدلك أن الواو تقتضي مطلق الجمع لا الترتيب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها: فضل النبي صلى الله عليه وسلم، وفضل الصلاة والتسليم، وقد روينا في فضلهما والترغيب فيهما وما يترتب عليهما من رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وتكثير الحسنات، وقضاء الحاجات، ورفع الحجب، واستجابة الدعوات أحاديثَ كثيرات، والله سبحانه وتعالى أعلم.
* * *
(1) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (4/ 128).