المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب أفضل الصِّيام وغيره فيه أحاديث.   ‌ ‌الحديث الأوَّل عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو - العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار - جـ ٢

[ابن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الوتر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الذكر عقيب الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب العيدين

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الكسوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الاستسقاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب صلاة الخوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الجنائز

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌كتاب الزكاة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الصيام

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب الصوم في السفر وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السَّابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب أفضل الصِّيام وغيره

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثّاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السَّادس

- ‌الحديث السَّابع

- ‌الحديث الثَّامن

- ‌باب ليلة القدر

- ‌الحديث الأَوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌باب الاعتكاف

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌كتاب الحجّ

- ‌باب المواقيت

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌باب ما يَلْبسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّياب

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌بَابُ الفِدْيةِ

- ‌باب حُرمة مكَّة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌باب ما يجوز قتله

- ‌باب دخول مكَّة وغيره

- ‌الحديث الأوَّل

- ‌الحديث الثَّاني

- ‌الحديث الثَّالث

- ‌الحديث الرَّابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب التَّمتُّع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الهدي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الغسل للمحرم

- ‌باب فسخ الحجِّ إلى العُمْرَةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب المُحْرِم يأكل من صيد الحلال

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب ما نُهي عنه من البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب العرايا وغير ذلك

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب السَّلَمِ

- ‌الحديث الأول

- ‌باب الشروط في البيع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الرِّبَا والصرف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

الفصل: ‌ ‌باب أفضل الصِّيام وغيره فيه أحاديث.   ‌ ‌الحديث الأوَّل عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو

‌باب أفضل الصِّيام وغيره

فيه أحاديث.

‌الحديث الأوَّل

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أقولُ: والله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فقلتُ لَهُ: قَدْ قلتُهُ بأبِي أنْتَ وأُمِّي، فقال:"فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ"، قَالَ:"فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْر ثَلاثَةَ أَيَّامِ؛ فَإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَام الدَّهْرِ"، قُلتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قال:"فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ"، قُلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:"فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيامُ دَاوُدَ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَام"، فَقَالَ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ (1).

وفي رواية: "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ، شَطْرُ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا وأَفْطِرْ يَوْمًا (2).

(1) رواه البخاري (1875)، كتاب: الصوم، باب: صوم الدَّهر، ومسلم (1159)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، أو فوت به حقًّا.

(2)

رواه البخاري (1879)، كتاب: الصوم، باب: صوم داود عليه السلام، ومسلم (1159)، (2/ 817)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، أو فوت به حقًّا.

ص: 890

تقدَّم الكلام على عبد الله بن عمرو بن العاص.

أَمَّا قوله صلى الله عليه وسلم: "فَإنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ"؛ عدم الاستطاعة تطلق بمعنيين: أحدهما: المتعذر مطلقًا، الَّذي لا يمكن، والثاني: الشَّاق على الفاعل.

والحديث محمول على الثاني، وحمل بعضهم على الأول: قوله تعالى {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286]، حمله على المستحيل، حتى أخذ منه جواز تكليف ما لا يطاق، وحمل بعضهم الآية على ما يشق، وهو الأقرب، ويمكن أن يحمل الحديث على المتعذر الممتنع، إما لكبر السِّن، وأعلم النَّبي وأنَّه سيصير إلى سن لا يستطيع فعل ما التزمه، وإمَّا لاستحقاق الزمن الَّذي التزم فيه ما التزمه أمورًا يتعذر فعل ذلك فيها؛ حيث إنه صلى الله عليه وسلم علم أنه لا يستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعًا.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "وذلكَ مثلُ صيامِ الدَّهْرِ" اعلم أن المثليَّة ترد في الأحاديث كثيرًا، والمراد بها القول الحسِّي الواقع في الخارج؛ للحث على فعل المذكور من غير تضعيف الحسنات فيها؛ كالممثل به؛ حيث إنَّ المقدر لا يكون كالمحقق؛ فإنَّ القواعد اقتضت ذلك؛ فالحسنات تتفاوت بحسب تفاوت المصالح بالمشقة بالفعل وغيره؛ فكيف تستوي من فعل الشيء بمن قدرته؛ لكنَّ المراد في نظر الشارع في التَّقدير؛ الفعل المرتب عليه التضعيف في التَّحقيق.

ومن هاهنا استدلَّ على جواز صوم الدهر استحبابًا؛ من حيث إنَّ صوم ثلاثة أَيَّام من الشَّهر مرغَّب فيها؛ كترغيب صوم الدَّهر.

ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب هي جهة النَّهي، وسبيل الجواب في النَّهي عن صوم الدهر -عند من قال به- متعلَّق بالفعل الحقيقي، وهو في كلِّ الأوقات الجائز الصوم فيها، والمنهي عنه فيها، وجهة الثَّواب ها هنا حصوله على الوجه التَّقديري، وهو غير الحقيقي، فاختلف جهة الترغيب والنَّهي فإنَّ صوم الدَّهر حسًّا، غيرُ صومه شرعًا، والذين قالوا باستحبابه قالوا: بشرط ألا يعطل عن حق شرعي، فإن عطل، كان مكروهًا، وعليه نزل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صَامَ مَن صَامَ

ص: 891

الأَبَدَ" (1)، مع أنَّ الأبد لا يقتضي دخول الأيام المنهي عنها فيه. وهذا الاشتراط لا بأس به، لكنَّ الدليل الدَّال على كراهة صوم الدَّهر أقوى منه دلالة، فالعمل بالأقوى أولى وأوجب، والذين أجازوا صومه، حملوا النَّهي على من عجز عنه، أو اقترن به لزوم تعطيل مصالح راجحة عليه، أو متعلقة بحقِّ الغير؛ كالزوجة مثلًا.

وفي هذا الحديث أحكام:

منها: أنَّ الكبير العالم إذا بلغه عن بعض أصحابه أمر يخالف الأولى في حقه، أو مطلقًا، أن ينبهه عليه، [ويبينه] له.

ومنها: أنَّ التزام الطَّاعات الشَّاقات التي لا يستطاع القيام بها، أو الدَّوام عليها، غيرُ لازمة.

ومنها: أنَّ الإنسان إذا سئل عما نقل عنه، يجيب بالواقع، ولا يورِّي؛ خصوصًا فيما يتعلَّق بالعبادات.

ومنها: التفدية بالآباء والأمهات لكبار العلماء، وصدقهم، وجوابهم بأحسن العبارات.

ومنها: أنَّ الشخص لا يعمل إلا ما يستطيع الدَّوام عليه، ويراعي في ذلك حقَّ الله عز وجل، وحقَّ نفسه، وحقَّ غيره.

ومنها: بذل الوسع في الاجتهاد في العبادات على حسب الطاقة، وأداء غيرها من الطاعات.

ومنها: جواز صوم الدَّهر، غير الأيام الخمسة المنهي عنها، وهو مذهب الجمهور.

وقد سرد الصَّوم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه قبل موته بسنتين، وسرده

(1) رواه البخاري (1876)، كتاب: الصوم، باب: حق الأهل في الصوم، ومسلم (1159)، (2/ 814)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، أو فوت به حقًّا، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

ص: 892

أبو الدَّرداء، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة رضي الله عنهم زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسماء بنت أبي بكر، وجماعة من التَّابعين.

وقال الإمام الشَّافعي - رحمه الله تعالى -: فإن قوي على صوم الدَّهر، إذا أفطر الأيام التي نهى عنها الشَّرع، فحسن، ومنع أهل الظاهر صيام الدَّهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَد"(1)، أو:"مَا صَامَ وَلَا أَفْطَر"(2)، وتأوَّلهُ مخالفوهم على من صام الدَّهر بالأيام المنهي عنها، وهو جواب عائشة رضي الله عنها، وهو حقيقة صوم الأبد كما ذكرناه، فمن صام هذه الأيام مع غيرها، فهو صائم الأبد، ومن أفطرها، لم يصم الأبد.

إلا أنَّ في هذا خروجًا عن الحقيقة الشَّرعية في مدلول لفظة "صام"؛ حيث إنَّها غير قابلة للصوم شرعًا، فإن وقعت المحافظة على حقيقة الأبد، فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظ:"صام الأبد" شرعًا، فيجب أنَّ يحملوا ذلك على الصَّوم اللُّغوي، وإذا دار اللَّفظ بين حمله على مدلول اللُّغة، ومدلولِ صاحب الشَّرع في ألفاظه، حُمل على الحقيقة الشرعية، مع أنَّ تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره أنَّ الأبد متعلِّق الحكم من حيث هو أمد، وإذا وقع الصَّوم في هذه الأيام، فعلَّته وقوعُه في الوقت المنهي عنه، فعلَّته ترتب الحكم، ويبقى ترتيبه على مسمى الأبد غير واقع؛ فإنه إذا صام هذه الأيام، تعلَّق به النَّهي، سواء صام غيرها، أو أفطر، فلا يبقى متعلق النَّهي، وعلَّته: صوم الأبد، بل صوم هذه الأيام، إلا أنَّه لمَّا كان صوم الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام، تعلَّق به النَّهي؛ لكونه ملزومًا للنهي عنه، فمن هنا نظر المؤولون لهذا التأويل، وتركوا التعليل بخصوص صوم الأبد.

تأويل ثانٍ: أنه محمول على من تضرَّر به، أو فوَّت حقًّا، كما ذكرنا.

(1) تقدم تخريجه قريبًا.

(2)

رواه مسلم (1162)، كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، عن أبي قتادة رضي الله عنه.

ص: 893

تأويل ثالث: أنَّ معنى "لا صام من صام الأبد": أنَّه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره ممن صام وأفطر، فيكون "لا صام الأبد" خبرًا، لا دعاءً، مع أنَّ نهي عبد الله بن عمرو وخطابه بذلك كان لعلم النَّبي صلى الله عليه وسلم بعجزه آخر عمره، فعجز وندم على كونه لم يقبل الرخصة، فنهيه عنه لعلمه بأنه سيعجز، وإقراره لحمزة بن عمرو؛ لعلمه بقدرته بلا ضرورة.

وقد اختلف الفقهاء في الأفضل من صوم يوم ويوم، أو صوم الدَّهر غير الأيام المنهي عنها، مع اتِّفاقهم على جواز الأمرين إذا لم يتضرَّر بواحد منهما، ولم يفوت حقًّا، فاستدلَّ من قال بأفضلية صوم يوم ويوم بهذا الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"وهو أَفْضَلُ الصِّيامِ"، وفي رواية:"أَحَبَّ الصِّيامِ إِلى اللهِ"، وهو أقوى الصيام في ذلك.

واستدلَّ من قال بأفضلية صوم الدَّهر بالشرط المذكور بأنَّ العمل كلَّما كان أكثر، كان الأجر أوفر، وهذا هو الأصل، فيحتاج إلى تأويل قول من قال بأفضلية يوم ويوم، ودليلهم.

فقيل: إنَّه أفضل بالنسبة إلى حال مَنْ حالُه مثل عبد الله بن عمرو ممَّن يتعذَّر عليه الصَّوم الأكثر وبين القيام بالحقوق.

وقال شيخنا الإمام أبو الفتح رحمه الله (1): والأقرب عندي أنَّ يجري على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود صلى الله عليه وسلم، والسَّبب فيه؛ أنَّ الأقوال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس ذلك معلومًا لنا، ولا منحصرًا، فإذا تعارضت المصالح والمفاسد، فمقدار كل واحد منهما في الحثِّ والمنع غير محقق لنا، فالطريق حينئذ؛ أنَّ يفوّض الحكم إلى صاحب الشَّرع، ويجري على ما دلَّ عليه ظاهر اللَّفظ مع قوَّة الظَّاهر هاهُنا.

وأَمَّا زيادة العمل، واقتضاء القاعدة زيادةَ الأجر بسببه، فيعارضه اقتضاء

(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 239).

ص: 894

العادة والجبلَّة والتَّقصير في حقوق يعارضها الصَّوم الدَّائم، ومقادير ذلك بالفائت مع مقادير الحاصل من الصَّوم، غير معلوم لنا.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ"؛ يحمل على أنَّه لا فوق في الفضيلة المسؤول عنها.

قلت: والذي تقتضيه الأدلَّة كلُّها، وفعل الصَّحابة رضي الله عنهم وغيرهم، وتقرير حمزة بن عمرو وغيره، وأمره صلى الله عليه وسلم بإكثار الصَّوم لمن لا يستمع التَّزوج، وسرده صلى الله عليه وسلم الصَّوم في بعض الشُّهور والإفطار في بعضها، وتخفيف المشقة في الصَّوم سردًا، والمشقة في تفريقه يومًا يومًا: أنَّ الأفضلية تختلف باختلاف الأشخاص، على حسب حاجتهم إليه، والقيام بحقوق الله عز وجل، وفي غيره لا [يتقدر] بصوم يوم يوم، ولا بالسَّرد؛ جمعًا بين الأدلة، والثَّواب وكثرته وقلَّته راجع إلى ما ذكرته، لا إلى كثرة العمل وقلَّته، بل إلى الإخلاص فيه والمقاصد، فربَّ عمل قليل أفضلُ من كثير، والذي ذكر من الترجيحات، إنَّما هو بالنِّسبة إلى الظاهر، والله سبحانه أعلم.

ومنها: استحباب صيام ثلاثة أيَّام من كل شهر، وقد اختلف العلماء في تعيينها اختلافًا كثيرًا، وهو اختلاف في تعيين الأحسن، والأفضل لا غير.

وليس في هذا الحديث شيء مما يدل على تعيين شيء، بل فيه تعليله بأنَّ الحسنة تضاعف بعشر أمثالها.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، ولم يكن يبالي من أي الشَّهر كان يصوم، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالصوم من سرة الشَّهر، ومن سرر الشَّهر، ولا شك أنَّ سرة الشَّهر وسطُه، فيكون المراد بالثلاثة: الأيامَ البيض؛ وهي الثالثَ عشرَ، والرابع عشر، والخامس عشر، وجاءت مبينة في حديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في التِّرمذي، وغيره (1).

ولعلَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نبه بسرة الشَّهر، وبحديث الترمذي في أيَّام البيض، على

(1) تقدم تخريجه.

ص: 895

أفضليتها، لا على كونها ثلاثًا من كل شهر، كما نبَّه على صوم الاثنين والخميس، ومعلوم أنهما متكرران في كل شهر، وسررُ الشَّهر أوله، وقيل: آخره، وقيل: وسطه، وخياره وأفضله لغة.

وقد وقع الأمر بصوم الثَّلاث أول الشَّهر، وقد وقع آخره، وكل ذلك يبين أنه لا حرج في ذلك، وأنَّ الاختلاف إنَّما هو في الأحسن الأفضل.

ومنها: كراهة قيام كل اللَّيل، ونقلت الكراهة عن جماعة، ودليلهم: رد النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك على من أراده، ولما يتعلق بفعله من الإجحاف بوظائف من الدِّين وغيره عديدة، وقال أصحاب الشَّافعي رحمهم الله: يُكره قيام كل اللَّيل دائما لكل واحد، وفرَّقوا بينه وبين صوم الدَّهر في حقِّ من لا يتضرَّر به، ولا يفوِّت حقًّا؛ بأن صلاة اللَّيل كلِّه لا بدَّ فيها من الإضرار بنفسه، وتفويت بعض الحقوق؛ لأنَّه إن لم ينم بالنَّهار، فهو ضرر ظاهر، وإن نام نومًا ينجبر فيه سهره، فوَّت بعض الحقوق، بخلاف من يصلِّي بعض اللَّيل؛ فإئه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئًا في النَّهار، كان يسيرًا لا يفوت به حق، وكذا من قام ليلة كاملة، كليلة العيد أو غيرها، لا دائمًا؛ فإنَّه لا كراهة في ذلك؛ لعدم الضرر فيه، والله أعلم.

وتأوَّل جماعة من المتعبدين من السَّلف وغيرهم ردَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قيام كلِّ اللَّيل والنَّهي عنه على الرِّفق بالمكلَّف فقط، لا على الكراهة الشرعية، والله أعلم.

ومنها: استدراج الشيخ المربي أتباعه في عبادات الصوم والصلاة وغيرها من الأخف إلى الأثقل؛ لتتمرَّن نفوسهم عليها من غير كراهة ولا ملل يؤدي إلى التَّرك بالكليَّة، وهذه سنَّة الله عز وجل في وحيه وتنزيله، ورسله - صلى الله عليهم وسلم -.

ومنها: مراعاته صلى الله عليه وسلم للأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - في الاتباع؛ حيث ذكرهم الله عز وجل في كتابه العزيز، وأمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم في قوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] الذين من جملتهم في الذكر داود صلى الله عليه وسلم.

ص: 896