الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بلغت سن الحيض، لا وجوده، والوجوب شرعًا المنع من الترك، وحمله على الندب أو تأكيد النفل خلافُ الظاهر إذا لم يعارضه دليلٌ آخر، فحينئذ يكون الجمع بين الأدلة التي ظاهرها الاختلاف وإعمالُها أولى من إلغائها، خصوصًا إذا أمكن الجمع بوجه سائغ. والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ:"صَلَّيْتَ يا فُلانُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ:"قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ"(1).
تقدم الكلام على جابر.
والرجل المبهم هو معين في رواية في "صحيح مسلم"(2)، وهو سُلَيْكٌ الغَطَفاني، وقال الخطيب في "المبهمات" وغيره: وقيل: هو النعمان بن قوقل، والأول هو المشهور (3).
وهذا الحديث حجة لمن يقول باستحباب تحية المسجد لمن دخله والإمامُ يخطب، وهو مذهب الشافعي، وأحمدَ، وإسحاقَ، وفقهاء المحدثين، وقال به الحسن البصري وغيره من المتقدمين، وغير هذا الحديث أصرحُ في الدلالة، وهو ما ثبت في "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال صلى الله عليه وسلم بعد أمره لسليك: "قم فاركعْ ركعتين وتجوَّزْ فيهما"، ثم قال:"إذا جاءَ أحدُكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطبُ، فليركعْ ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما"(4).
(1) رواه البخاري (888)، كتاب الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين، ومسلم (875)، كتاب: الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب، وهذا لفظ البخاري.
(2)
تقدم تخريجه في حديث الباب.
(3)
وانظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (1/ 62).
(4)
رواه مسلم (875)، (2/ 597)، كتاب: الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب.
وقال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وهو مروي عن عمر وعثمان: لا يصليهما؛ لوجوب الاشتغال بالإنصات للخطبة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قلتَ لصاحبِكَ والإمامُ يخطبُ: أنصتْ، فقد لَغَوْتَ"(1).
قالوا: فإذا منع من الكلمة، وهي: أنصت، مع كونها أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر في زمن يسير، فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين في زمن طويل من باب الأولى.
واعتذروا عن الأحاديث المذكورة من أمره للرجل الداخل أنه مخصوص به؛ لأنه كان فقيرًا، فأريد قيامه لتستشرفه العيون، ويتصدق عليه، وأيدوا ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم له بالقيام؛ لأن ركعتي التحية تفوت بالجلوس، وقد تمَّ، وبأن الحديث المذكور خبر واحد، والمالكية تقدم عملَ أهل المدينة عليه، ويرون العمل به أولى من خبر الواحد، والحنفية ترده فيما تعم البلوى به.
والجواب عن ذلك بأن التخصيص على خلاف الأصل يبعد الحمل عليه مع صيغة العموم في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدُكم الجمعةَ والإمامُ يخطب"؛ فإنه تعميم يزيل توهم التخصيص بهذا الرجل، ومذهبُ المالكية معروف في رد خبر الواحد بعمل أهل المدينة، [ومذهب] الحنفية معروف -أيضًا- في رده بما تعم به البلوى، وبالقياس الجلي في كتب أصول الفقه.
وأما الجلوس قبل أن يركعهما، فمكروه للعالم بأنها سنة، وأما الجاهل، فيستحب له تداركها على قرب، ولا تسقط بمجرد الجلوس، ولا بالنسيان إذا ذكرها على قرب، والاشتغال بالركعتين للداخل مستثنى من عموم الأمر بالإنصات للخطبة، والله أعلم.
(1) رواه البخاري (892)، كتاب: الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة والامام يخطب، ومسلم (851)، كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم"(1): وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث إلى الجمع بين الأمرين، فخير الداخل بين الركوع وتركه، وهو قول من تعارض عنده الخبر والعمل، والله أعلم.
وفي هذا الحديث:
جواز تأخير المجيء إلى الجمعة والإمام يخطب على المنبر.
وفيه: جواز الكلام للخطيب في الخطبة لحاجة التعليم ونحوه.
وفيه: جواز جوابه للمستمع وغيره.
وفيه: الأمر بالمعروف، والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن.
وفيه: أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل حكمها.
وفيه: أن تحية المسجد ونوافل النهار ركعتان.
وفيه: أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل. وقد أطلق أصحاب الشافعي فواتها بالجلوس، وهو محمول على من طال جلوسه كما ذكرنا عالمًا بأنها سنة.
وقد يستنبط منه أن تحية المسجد وغيرها من الصلوات ذوات الأسباب المباحة لا تكره في وقت من الأوقات، وكذلك كل ذات سبب واجب؛ كقضاء فائتة ونحوه؛ لأنها لو سقطت في حال من الأحوال، لكان حال استماع الخطبة أولى بالسقوط، فلما لم تترك في حال هو واجب، وتركه محرم، وقطعت الخطبة من أجله، وأمره بفعله بعد أن قعد؛ لجهله بحكمها، دل على تأكدها، وأنها لا تترك بحال، ولا في وقت من الأوقات، وباقي الصلوات ذوات الأسباب يقاس عليها، والله أعلم.
* * *
(1) انظر: "المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" للقرطبي (2/ 514).