الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة: العلمانية والاقتصاد
أما العلمانية والاقتصاد والدين، فلقد كان الاقتصاد هو العصى السحرية1 التي أسهمت في قيام المذهب العلماني، فقد كانت الحالة الاقتصادية في أوربا في أتعس وضع وأبأس حال، بسبب الوضع الاجتماعي المتخلِّف الذي أنتجته الديانة النصرانية وحكامها، ممثَّلة في البابوات وأصحاب الجاه والسلطان، الذين كانوا لا يهمهم إلّا ضمان استرقاق الشعوب النصرانية وإذلالها لطواغيت رجال الدين وأباطرة الدولة، ولتكن حالتهم بعد ذلك إلى النار، فالدولة ليست مسئولة عن الفقراء والبائسين.
فنشط النظام الإقطاعي واستبداد الطبقة العليا بمن دونها حسب النظام الجاهلي، وكان النظام الاقتصادي مكبَّلًا بتعاليم الكنيسة تحليلًا وتحريمًا، وكان قائمًا على ظلم الكادحين، وشَرِهَ رجال الكنيسة الذين احتووا جُلَّ مصادر الاقتصاد مضافًا إلى ذلك صنفوف الضرائب المفروضة على الفلاحين وغيرهم، الذين كانوا يُسَخَّرون كلهم كما يُسَخَّر العبيد.
وعاش المجتمع النصراني اقتصادًا ظالمًا متناقضًا غاية التناقض، منهم نخبة -الحكّام والرهبان- في الثُّريَّا، ومنهم قسم -بقية الشعوب- في الثرى، لا يملكون إلّا ما يسدُّ رمقهم في أحسن الظروف، وفشا النظام الإقطاعي بأجلى صوره، وأصبح فيه الأرِقَّاء لا يزد أحدهم عن كونه إحدى القطع، أو إحدى البهائم التي يملكها صاحب الإقطاعية من طبقة النبلاء،
1 هذا الأسلوب يستعمله بعض الكُتَّاب، ويرى البعض المنع من ذلك بحجَّة أن عصا موسى لم تكن سحرية، ولا شكَّ في صواب المنع إذا أريد هذا المفهوم.
وأوضاع أخرى بشعة، وظلم واستبداد لا نظير له، ولا ينكر شيء منها، وبطالة وكسادًا في كل نواحي الحياة، والملاحظ أن شياطين العلمانية قد فسَّروا كل تلك الأوضاع على أنها إحدى نتائج التدين، وأنَّ الدين وراء هذه الأوضاع السيئة كلها، بمباركته رجال الكنيسة هذا التسلُّط والجبروت، فإذا بالنظريات الإلحادية تقوم على محاربة وجود الله تعالى، ومحاربة رجال الدين، وأن الاقتصاد ينبغي أن يتحرَّر عن كل أغلال الكنيسة، وأن يتَّجه صوب الأفكار التحررية التي يجود بها زعماء التحررية بعيدًا عن الدين، وفي الوقت نفسه، لم يكن لدى رجال الدين الكنسيّ ما يسعفهم بالدفاع عن دينهم إزاء هذه المسامير التي تُدَقُّ في نعشه.
وتكاثرت السكاكين على هذا الثور الميت، وارتفعت الأصوات من كل مكان تندد بالدين، وبطرقه الاقتصادية الجائرة، وتدعو إلى سرعة الانفلات عن تعاليمه التي أصبحت بالية، ولم تعد صالحة في عصر التطور وظهور النور، وبالتالي فلا سلطة لله تعالى، ولا لرجال الكنيسة على المارد الجديد الذي هبَّ ليدفع الظلم الذي رضيه الله -حسب زعم أقطاب العلمانية- لرجال الكنيسة، وبخبثٍ حوَّل هؤلاء الأقطاب العداء لرجال الدين، وللأوضاع السيئة إلى العداء للدين نفسه، وتحميله كل تلك المآسي دون أن يكلِّفوا أنفسهم البحث عن حقيقة هذا الدين الذي اتَّسع لقبول تلك المآسي كلها، وهل هو دين صحيح أم هو باطل وضلال وتلفيق من كبار المخادعين النصارى، فلم يهتموا بالالتفات لذلك لحاجةٍ في أنفسهم؛ لكي يحمِّلوا الدين تلك الأوضاع الاقتصادية المتردية.
والواقع أنه حينما أقصى العلمانيون الدين عن أي مجال من مجالات الحياة الاقتصادية، على أساس أنه لا يحقق الخير لأتباعه ولا يرفع الظلم عنهم، لم يأتوا هم أيضًا ببديل يرفع ذلك الكابوس، بل تخبَّطوا في حلقات مفرغة، وعاشوا أوضاعًا غاية في الفساد، لم يكن الرابح فيها غير المرابين والمحتكرين وتجار الرقيق وأصحاب الشَّرَه المادي، الذين لا يبالون بأحد، ولا توجد فيهم أدنى عاطفة على الفقراء والضعفاء الذين لم يصلوا إلى معرفة حذق المرابين وعباد المال، أو لم يكن لهم من المال ما يوصلهم إلى تلك المسالك الثعلبية.
وعاش عامَّة الناس في تعاسةٍ رغم تزاحم النظريات الاقتصادية -سنّة الله في الخارجين عن شرعه- ولم تنقذهم من تلك الحال لا الرأسمالية بنظامها الشَّرِه، الذي أطلق للناس الحبل على الغارب على طريقة "من عَزَّ بَزَّ، ومن غَلَبَ استَلَبَ"، ولا الشيوعية الماركسية التي كبَّلت الناس وجعلتهم عبيدًا يكدحون للدولة في مقابل مما تعطيهم لسد حاجة الجوع، ولا العلمانية التي لا يلوي فيها أحد على أحد.
مع أنهم ملئوا الدنيا صراخًا وعويلًا على العمل لإخراج الفقراء من فقرهم، وإيجاد اقتصاد حرِّ مزدهر يوازي الجنة التي وَعَدَ بها الرسل أتباعهم بزعمهم، ورغَّبوا الناس في عبادة الإله الجديد في الإلحاد، وهو المادة ورءوس الأموال، ولكن اتضح لكك ذي عينين أن المناداة شيء، والواقع شيء آخر.