الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
تعقيب على ما سبق:
لقد خرجت أوربا عن الدين واعتبرته العدو اللدود للحكم والاقتصاد وللعلم وللحياة الاجتماعية بأسرها، وللأخلاق وللآداب والفنون، بل في كل مجالات الحياة.
وتضافرت جهود علماء اللادينية وتعالت أصواتهم يصدِّق بعضها بعضًا في حملتهم على الدين والتدين والقائمين عليه، يصفونهم بالجهل والغباء والتزمُّت والتطرُّف ومعاداة الحياة السعيدة
…
إلى آخر ما جادت به قرائحهم من فنون السباب للدين وأهله، وللمتمسِّكين بالحشمة والحياء.
ثم ظهر نفاق جديد لدعاة اللادينية مفاده أن التمتُّع بالحريِّة كاملة يستوجب حرية التدين أو تركه، ويتظاهر هؤلاء أنهم حتَّى وإن كانوا ينادون باللادينية، إلّا أنهم ليسوا ضد الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فهذا هو شرع التمدُّن الجديد الذي لا حجر فيه على أيّ معتقد، فمن شاء أن يذهب إلى الكنيسة فليذهب، ثم ليخرج إلى حوانيت الخمَّارة، وأماكن الدعارة، ويمارس الفواشح كيفما يحلو له، كل هذا يتفق تمامًا مع التطور الجديد، وعلى أصحاب العقول أن يغطّوا نور عقولهم، ويصدقوا بإمكان وقوع هذا كله، أي أن يكون الإنسان دينيًّا وهو في نفس الوقت لا دين له، بل ومعادٍ للدين، ولا يكون تناقضًا!!
وهذا من غرائب ما اهتدى إليه اللادينيون بعقولهم التي انفلتت عن الأديان، بل عن الله عز وجل، وأحلَّت محل الله شركاءهم، فجعلوهم محلَّ التقديس والإكبار، تحت مسمَّى إنسانية الإنسان والطبيعة والصدفة
والقوانين الأخرى التي اكتشفوها وأحلَّوها محل الله عز وجل، وغير ذلك من الشركاء الذين جادوا بإيجاد هذا الكون وما فيه حسب تصوراتهم السقيمة.
ولقد ساعد هرب هؤلاء عن الدين ما يمارسه رجال الكهنوت في الكنائس الذين أصبح كلامهم ووعظهم حملًا ثقيلًا على كواهل الحاضرين، الذين لم يجدوا في تلك التراتيل الدينية ما يحرّك أدنى عاطفة نحو الخوف من الله والرغبة في التديُّن، وكيف يوجده أولئك الوعَّاظ في قلوب النَّاس، مع أنه مفقود تمامًا من قلوبهم أولًا، ولذلك فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه.
مواعظ الواعظ لن تقبلا
…
حتى يعيها قلبه أوَّلا
وما الذي سيجده طالب الدين من كنيسة تبارك فيها الرقص والاختلاط والقبلات والخلوة في الزوايا المظلمة، والدعوة إلى الاستمتاع علنًا وبصورة فاضحة لا تختلف كثيرًا عن دور الدعارة، ومن هنا فضَّل بعضهم البقاء في بيته على الذهاب إلى الكنيسة التي تزيد قلبه قساوة باسم الدين، فأيُّ دين هذا، وأيُّ مصير كالحٍ ينتظر هؤلاء، وأيُّ مبرِّر يدعو الشخص إلى حبِّ الدين ما دام هذا حال الدين والقائمين عليه؟!!
هذا إلى جانب ضجيج دعاة الحرية والفنّ والانطلاق، وبعد أن كان الشر منثورًا بين الناس أصبح منظَّمًا، وله قوانين ودعايات وكُتَّاب ملئوا الدنيا ضجيجًا بواسطة هذه الأجهزة التي أصبحت مصدر خطر، وأيَّما خطر على كل الفضائل؛ لأنَّهم أساءوا استعمالها، واستبدلوا فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير، وشبَّت أجيال على هذا الانحراف، ولا يدري إلّا الله تعالى أين سيقف دعاة العلمانية بالبشرية.