الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا بتلك الأنظمة المعادية للدين لم تقدِّم حقيقة للناس إلّا آمالًا خيالية وإلّا الإلحاد والإفلاس والغبن الفاحش، وانتزاع احترام الدين والتدين من قلوب أتابعه، وإحلال ضلالاتهم بدلًا عن ضلالات الدين النصراني البولسي، وصحَّ عليهما لمثل القائل:"إنك لا تجني من الشوك العنب"، وظهر سوء الاقتصاد وسوء التوزيع للثروات، وسوء التكافل الاجتماعي جليًّا في العلمانية، ولكنَّهم لا يعرفون بديلًا منقذًا في حال استكبارهم عن طريقة الإسلام في نظامه الاقتصادي.
المسألة الرابعة: العلمانية والعلم والتعليم والاكتشافات والدين
وكما أوجد دعاة اللادينية تلك النقلة المباينة بين الاقتصاد والدين، وأحكموا العدواة بينهما، أوجدوا كذلك عداوةً أخرى بين الدين وبين العلم، وجعلوهما نقيضان لا يمكن أن يجتمع أحدهما مع الآخر في أيِّ مجال، فإمَّا الدين بخرافاته وتخلفه وجوره الكنسي، وإما العلم بنوره واكتشافاته التي أثبت الواقع صدقها وكذب رجال الكنيسة.
وهكذا وجدد علماء اللادينية في اكتشافتهم العلمية التي كانت تدحض المعتقدات الخرافية لرجال دين النصرانية خير دليل، وأقوى حجة على بطلان الدين النصراني -خصوصًا- وأنَّ رجال الكنيسة كانوا قد جمدوا على معتقدات في الكون وطبيعة الحياة، لا يقرها عقل ولا منطق، جمدوا عليها وحكموا على كل من يتشَّكك فيها بالإحراق والشنق والسجن الطويل.
وجاءت الحركة العلمية التجريبية، فإذا بها تظهر حمق وبطلان تلك المعتقدات الدينية النصرانية، بما لا يجوز الشك فيه، وزادت النار اشتعالًا بين المفكرين وسدنة الكنائس، واتَّسع الخرق على الراقع، ووقع الفأس في الرأس، وهوت خرافات رجال الكنيسة ومعتقداتها إلى الحضيض، وارتفعت رايات العلم والعلماء الملاحدة على أنقاض التدين، وأيّ شيء له علاقة بالدين، وكانت الحرب كلها موجَّهة إلى رجال الدين بالدرجة الأولى، ثم توجَّهت إلى الدين الذي يحميهم ويحمونه أيضًا، إلى أن تَمَّ لِلَّادينيين، إقصاء الدين تمامًا، وإبعاد العلم عنه، بل وأصبح انتساب رجال العلم إلى الدين عيبًا ونقصًا في حقهم، وتقصيرًا في اتجاههم للإله الجديد -العلم ومكتشفاته- الذي سيجدون في ظله ازدهار الاقتصاد، وتمام الحرية، وغير ذلك مما وعد به هذا الإله البديل، غير إله الكنيسة الذي صوَّرته الديانة اليهودية والنصرانية بصورة رجل متردِّدٍ في أموره، يتوجَّس خيفة من تمرُّدِ الإنسان عليه، وبالتالي فهو يعامله معاملة ليست نقية، وليس فيها مودة، ثم اتخذ ابنًا له ليساعده في أموره، ولو رجع القارئ إلى التوارة بعهديها لرأى أوصاف الله تعالى فيهما، وأعماله، وأوامره، وتسرعه في الحكم، وندمه عليه، وحزنه وبكائه، وعدم علمه بالغيب، ومراجعة موسى عليه السلام له وثنيه عن كثيرٍ مما كان يَهِمُّ بفعله، فيرجع الله عنه ويندم، لو رجع القارئ إلى ذلك، وإلى غيره من الخرافات المدوَّنة في كتابهم المقدَّس؛ لرأي ثورة رجال الفكر عليه أمرًا طبيعيًّا ومنطقيًّا، خصوصًا محاباته رجال الدين وتشجيعه لظلمهم، وتدليله لشعبه بني إسرائيل، كما لاحظه أولئك المفكِّرون من خلال ما وجدوه في الكتاب المقدَّس، وما لمسوه من تصرفات رجال الدين من تطاول وعنجهيَّة، وجاءت
الاكتشافات لتبرهن هي الأخرى على بطلان تلك المفاهيم، سواء ما يتعلق منها بحقِّ الله تعالى، أو بقوانين الحياة والتعليل لوجودها.
ولا شكَّ أن القارئ يدرك كما ذكرنا سابقًا أنَّ كل ذلك الهرب عن الدين، ومطالبة الناس بإقصائه عن حياتهم، وعن كل شئونهم، لا شكَّ أن ذلك كان وراءه ما يبرره في الدين النصراني المحرَّف الذي قام على أكتاف ملاحِدة من المجوس، وغلاة اليهود، وعباقرة الوثنية، وفلسفات كبار أذكياء الحضارة اليونانية على يد بولس وغيره ممن جاء بعده، وكذلك لم يوجد في مقابل هذا السيل الجارف ما يردّه أو يقلِّل من حدَّته، وأقصد بهذا المقابل أنه لم يوجد -كما أتصور- من علماء المسلمين، ولا من علماء النصارى، من نشط في وقته لإنقاذ الأمم النصرانية من هذا المصير المظلم، والهوة السحيقة التي تردَّوْا فيها بسبب تراكم الجهل، وعدم إيصال نور الإسلام إليهم بطريقة واضحة صحيحة، وكذلك لوجود الإفلاس التامِّ عند علماء النصارى، كما أنَّ علمهم الذي أخبر الله عنه أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، حيث مكَّنهم الله من معرفته، كان هو الآخر من معاول الهدم في أوربَّا بما سبَّبه من كبرياء وغرور في أوربا، أبعدهم عن الرجوع إلى أيِّ حق، فأصمَّهم وأعمى أبصارهم، وما أنين الشرق والغرب من الأسلحة الفتَّاكة التي نشأت على كاهل العلم إلّا دليل على أنَّ علمهم لم يأت بإسعاد البشرية كما كانوا يتوقعون، هكذا قامت معارك طاحنة بين العلمانية والتعليم الديني، فقد وقفت العلمانية ضده أحيانًا مجابهة، وأحيانًا أخرى بدراسة الدين عند التلاميذ وربطه بالفكر العلماني في مختلف المراحل الدراسية، وذلك عن طريق
استغلال أيِّ نصٍّ يمكن أن يوافق مع فكر العلمانية وشرحه بإسهاب، وعن طريق تحريف معاني النصوص وجعلها تتوافق مع الفكر العلماني، واستبعاد كل نصٍّ يهاجم الفكر العلماني بصورة واضحة في الوقت الذي لا يعطى لتدريس الدين إلّا زمنًا قصيرًا لا يكفي لفهم نصوصه فهمًا صحيحًا، مع اختيار مدرس الدين اختيارًا خاصًّا، كأن يكون جاهلًا به حقيقة، أو يكون شخصًا مستهترًا لا يعبأ به ولا بشرحه، واستبعاد أيّ مدرس كفء ناجح في تدريسه لئلَّا يضع النقاط على الحروف، فيفضح الفكر العلماني ويبطل شبهاته، وبحيث يكون نصيب تعليم الدين اختياريًّا للطلاب، وتزهيدهم عنه، وعدم ترتيب أي رسوب على عدم معرفته في الاختبارات، بالإضافة إلى اختيار مدرس الدين مِمَّن يوحي ظاهره بالتنفير عنه، وممن يوحي شكله ومظهره برثاثة الدين وتخلفه.
ومن الخطط التي أحكموها:
1-
تمييع الفوارق بين الدين ومختلف الاتجاهات، فلا فرق بين أن يكون الشخص متدينًا أو غير متديِّن، مسلمًا أو غير مسلم، واخترعوا رباطًا يشمل جميع أفراد الشعب ودياناتهم المتعارضة، وهو رباط الوطنية الذي أحلُّوه محل رباط الإيمان والتقوى وعبادة الله وحده.
2-
ومنها الاستهزاء بالدين وتعاليمه والقائمين عليه، وتشجيع التحرر من كل فضيلة أو خلق أو عفة، واعتبار التمسُّك بأوامر الشرع ونواهيه تخلفًا وجمودًا، وعدم مسايرة تطور الحياة.
3-
اشتغال المسلمين بقضايا هامشية، بعد أن ضخَّموا أمرها وأضرموا الخلافات فيها؛ ليتلهَّى بها الناس فيما بينهم، لكي تبعدهم عن النظر إلى واقعهم، وما يُبَيَّتُ لهم من غزوٍ فكريٍّ قبل الغزو الفعلي.
4-
ومنها صرامتهم في مراجعة كل حركة تؤدي إلى إحياء الدين في نفوس الناس، سواء كانت عن طريق الكلام أو الكتابة أو الصحافة، واعتبار كل مَنْ له اهتمام بالدين والدعوة إليه متخلفًا أو عدوًّا للشعب، وغير ذلك من إلصاق شتَّى التُّهَم بأهل الخير والإصلاح والتديُّن.
5-
تضخيم كل ما يتوصَّلون إليه عن طريق العلم وإطرائه بشتَّى المدائح، وربطه بالتمسُّك بالعلمانية، والتحرُّر من كل قيود الدين المتخلف.
ولكن كان يجب عليهم البحث عن الدين الذي لا يقرّ الخرافات ولا أهلها، فما بالهم يحمِّولنه ما لم يقر به؟
وقد لخَّص المستشار علي جريشه علمنة التعليم فيما يلي:
أولًا: القضاء على التعليم الديني:
أ- التطويق من الخارج:
1-
الازدراء بالتعليم الديني.
2-
ازدراء معلمه وطلابه.
3-
قفل الوظائف اللامعة في وجوه خريجيه.
4-
خفض رواتبهم.
ب- التطويق من الداخل:
1-
تقليص التعليم الديني.
2-
ازدياد التعليم العلماني.
ثانيًا: نشر التعليم العلماني:
1-
اهتمام الدولة به.
2-
الابتعاث.
3-
المدارس الأجنبية.
4-
الاختلاط1.
1 انظر "الاتجاهات الفكرية المعاصرة" ص111.