الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية
وبعد أن تَمَّت الغلبة لرجال الديمقراطية، وهيجان الشعوب من ورائهم، للإفلات التامّ من الماضي البغيض المتمثِّل في الإقطاعيين والرأسماليين والبابوات، والدين الذي أحلَّهم تلك المنازل حسب تصورهم التامّ عن الدين، واصل الأوربيون مسيراتهم القوية، فما إن يتحقق لهم مكسب إلّا وتطلعوا إلى ما وراءه في خطوات ممتابعة لم تمهل طبقات السيادة أن يلتقطوا أنفاسهم، وبدأ الأمر في ظاهره أن د عاة الديمقراطية قد حقَّقوا كل شيء، وأن الشعوب قد نالت كل ما تتمناه، وأن مجموع تلك المكاسب قد أصبحت تشكل مذهبًا متكاملًا لا ينقصه إلّا التطبيق والتصدير اسمه "الديمقراطية".
فما هي المكاسب التي تحقَّقَت لهم؟ وهل هي كذلك مكاسب حقيقية أبعدت الشعوب عن شبح ذلك الطغيان القديم حقيقة؟ وأنهم وصلوا إلى تلك الأحلام السعيدة التي كانت تراودهم في أنفسهم؟ أم لم يتحقق ذلك؟ سوف تتضح إن شاء الله أهم الجوانب لتلك الأمور فيما يلي:
- المكاسب التي حققها دعاة الديمقراطية في أوربا:
لقد تحقَّقَ لدعاة الديمقراطية في أوربا مكاسب ثمينة جدًّا وكانت بالنسبة لهم أفضل مما كانوا عليه فيما سبق، ووجدوا فيها عزاء ما تبدو للناظر السطحي، ومن أهمِّ تلك المكاسب التي ظهت إثر تلك الصراعات المريرة للشعوب ضد زعمائهم ووجهائهم الأمور الآتية:
1-
تَمَّ لهم الهرب بعيدًا عن قبضة طغاة الكنيسة وجبروتهم، وإخضاعهم لسلطة وضعية ليس لها علاقة بالقداسة الإلهية التي كانت يمارس باسمها رجال الكنيسة كل ما يريدونه من أنواع الظلم والعلوّ، وتم الأمر بقيام سلطة وضعية لا تدَّعي القداسة الإلهية، بل ولا تعترف بها أيضًا.
2-
حصلوا على حقِّ إخضاع تصرفات الحكومة لرقابة المجالس النيابية عليهم؛ إذ لم يعد من حق الحكومة الاستئثار بالسلطة دون منازع أو رقيب كما كان الحال سابقًا.
3-
تحقَّق لهم الأمن من إصدار السلطات العليا أوامر الضرائب دون مبرر حقيقي، وهو ما كان يعاني منه الفقراء وسائر طبقات المجتمع الويلات؛ لعدم إحساس السلطات والبابوات بالرحمة نحو شعوبهم، ثم تمكَّنت الشعوب في أوربا من إبطاله؛ إذ لم يعد ذلك حقًّا تملكه السلطة دون موافقة ممثلي الشعب، وبعد قيام الديمقراطية التي طالبوا بها، فحصل التخفيف عن الفقراء قدر الإمكان، وبالتالي إيقاعها على الأغنياء الذين كانوا في زمن الإقطاع على النقيض من ذلك، حيث كانوا يسيرون حسبما أفاده كتابهم المقدس عندهم "الغني يزاد له والفقير يؤخذ منه".
4-
تراخي قبضة السلطة العليا على المواطنين؛ إذ توزَّعت تلك السلطة بين السلطة العليا وبين ممثلي الشعب في المجالس النيابية والبرلمانية
الذين يحاولون جاهدين إرضاء منتخبيهم عنهم بما يبذلون من الدفاع عن أيّ ضرر يلحقهم أو بناحيتهم، وما يقومون به من المطالبة بتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية.
5-
تحقَّق لهم الإشراف المباشر على مصارف موارد الدولة ومعرفة ميزانيتها وكيفية إنفاقها في المرافق العامة، وبمعرفة ممثلي الشعب بعد أن كانت تلك الموارد من اختصاص الدولة تنفقها حيث تشاء في رغباتها وشهواتها المختلفة، دون أيّ سؤال لهم من أيّ شخص، في حين غاب الخوف من الله تعالى في قلوب أصحاب السلطة، وغاب أيضًا الخوف من الشعب، فلمَّا ثارت الشعوب وتمكَّن أصحابها من الوصول إلى محاسبة الدولة أصبحت تلك الموارد تصرف على النفع العام، والمشروعات التي تعود فائدتها على الشعب، مما يُسمَّى بالبنية الأساسية والمرافق العامة؛ كبناء المدارس والمستشفيات وسفلتة الطرق وغير ذلك، إلّا أنه احتدم الخلاف بين مجالس النواب، هل يجب أن يكون التعليم حقًّا لكل أفراد الشعب أم لا، وعلى القول بتعميمه نتجت مشكلة أخرى، وهي من الذي سيقوم بالأعمال في المصانع والخدمة في البيوت والمزارع بعد أن يصبح الجميع متعلمين، وبالتالي مستكبرين عن مزاولة تلك الأعمال التي سيترفَّعون عنها حتمًا بعد شمول التعليم وحمل الشهادات، ولكن الوجهاء لم ينجحوا في إيقاف ذلك رغم هذا الاحتجاج وغلبتهم العامة.
6-
تحقق لهم الحصول على الضمانات التي تجعل كل أفراد الشعب
متساوين أمام القانون، لا امتياز للغني على الفقير، بينما كان الأغنياء والوجهاء طبقة عالية لا يصل إليها الفقراء، وقد تحقق هذ العامل إثر صراعات وشغب مرير ضدَّ السلطة صاحبة الامتياز الأول1.
7-
كما شملت تلك الحقوق جوانب عدة مثل: حق كل فرد من أفراد الشعب في التنقُّل أين يشاء داخل الوطن السياسي، وكان هذا ممنوعًا في ظل الإقطاع، فلا يستطيع العامل أن ينتقل إلّا برخصة من سيده الإقطاعي، وإلا كان محل تهمة يجب القبض عليه حتى يأتي بالمبرر الكافي.
8-
ومثل حق كل فرد في أن يعمل أين يشاء، في حين أنه لم يكن مقررًا من قبل في عصر الإقطاع الذي كان يعتبر الأرض ومن عليها ملكًا للإقطاعي، سار الآباء على ذلك ونشأ الأولاد عليه؛ إذ لا مفرَّ لهم من أن يعملوا إذا أرادوا الحفاظ علي حياتهم من الموت جوعًا، وكان يعين صاحب الأرض للفلاح القدر الذي يريده قلَّ أو كَثُر، وما علي العامل إلّا الرضى به، وما أن تحطَّم الإقطاع وأفلت المغلوبون على أمرهم إلّا وكان نصب أعينهم البحث عن العمل أينما وُجِدَ في المدينة أو في الريف، بحريته وبموافقته الشخصية في نوع العمل وفي مقدار الأجرة، إلّا أن مشكلة الحاجة والفقر بقيت دون حلٍّ جذري لها، فالدولة
1 وفي الإسلام: "الناس كلهم لآدم وآدم من تراب"، قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقال -صلى الله عليه سلم:"كلكم لآدم وأدم من تراب"، وقال خليفة المسلمين الأول رضي الله عنه:"القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له".
لم تكن قد اهتمَّت بهذا الجانب؛ لأنه ليس من لوازمها حسب ما كان معروفًا، ولا شأن لها بالعاطلين عن العمل؛ إذ أن ذلك مسئوليتهم عن أنفسهم، ولا تسأل بعد ذلك عمَّا كان يحلّ بهم من الفقر والحاجة والبطالة، وفي الوقت الذي لم يجدوا فيه من يعطف عليهم، لا الحكومة ولا الأغنياء ولا أصحاب المصانع الأثريا، فوقعوا مرةً أخرى تحت سيطرة أصحاب المال من أهل الجاه والمال، فاضطر أولئك البؤساء إلى أن يعملوا شيئًا ما للفت النظر إلى حالهم التعيس، فاهتدوا إلى القيام بين فترة أخرى بالمظاهرات والشغب، واستمرَّ حالهم بين مَدٍّ وجَزْرٍ إلى أن وجدوا خيوط أمل النجاة تقع في أيديهم، فاضطر أصحاب التجارة والمصانع والأثرياء، وأيقنوا أن عليهم الرضوخ لمطالب أولئك البؤساء، استمرَّ الحال ينمو تدريجيًّا وببطء شديد الضعف من جانب العاطلين وأصحاب الأجور البسيطة، والتنازل رويدًا رويدًا من جانب الأثرياء والوجهاء، إلى أن وصل أولئك الفقراء إلى تحقيق أنه يجب أن تدفع الأجرة لكل عامل من قبل صاحب العمل حسب الاتفاق.
9-
ثم بدأ الجميع يعملون رجالًا ونساء، إلّا أنَّ المرأة كانت تعطى نصف أجرة الرجل، ومع مرور الوقت تنبَّهت المرأة لهذا الغبن، ووجدت من يصيح إلى جانبها بمنع هذا الظلم والجور، ومن هنا نشأت الدعوى لمساواة المرأة بالرجل، ومعنى هذا أن هذه الدعوى للمساواة لم تنشأ عن رحمة أو ضمير حيٍّ، وإنما نشأت عن ظلمٍ ظاهرٍ واقع على المرأة
يستلزم رفعه عنها، ولم يهدأ طلب العمال للمزيد من الديمقراطية في حق تشغليهم من قِبَلِ الدولة، إلى أن حصلوا على مطلبهم في حده الأدنى، وهو إحساس الدولة بمسئوليتها عن حق العمل لكل مواطن.
وبعد أن حقَّق العمال الفقراء ذلك الحد الأدنى من إيجاد الاهتمام من قِبَلِ الدولة بشئونهم، التفتوا إلى جانب من أهم الجوانب ومن أكثرها حرمانًا لهم منه، ألَا وهو حق التعليم؛ إذ كان هذا الجانب كغيره من الجوانب الأخرى نسيًا منسيًّا في أذهان الحكومات، ومن هنا فقد حُرِمَ الفقراء وأبناؤهم من التعليم في ظلِّ سيطرة الإقطاعيين الذين كانوا ينظرون إلى مَنْ دونهم كأدوات استهلاكية للقيام بخدمتهم، والقيام على مصالحهم، فكان أولاد الأثرياء هم الذين ينالون حظوظهم من التعليم، وكان لهذا الحرمان أثره القوي في دفع أولئك المحرومين إلى الثورة في وجوه الطبقات الحاكمة والأثرياء، وكان لقيام الثورة الفرنسية أيضًا متنفسًا لهم والتفاتة منهم إلى الحكومات، فتعالت الصيحات والاحتجاجات لإجبار الحكومة على فتح باب التعليم للجميع1، ولم يجد هؤلاء الثائرون الطريق مفروشًا بالورود أمامهم، بل عانوا مشقَّات ومصاعب جمَّة، كان في أولها وقوف طبقة الأثرياء والوجهاء في طريقهم كما أشرنا إلى ذلك؛ إذ كان هؤلاء هم المستفيدون من تجهيل الشعب كي يخدموهم ويقوموا بمصالحهم، فلو انضمُّوا إلى المتعلمين لبقي فراغ كبير بالنسبة لهم، ومن هنا وضعوا العراقيل المختلفة في طريق دعاة تعميم التعليم، متذرِّعين بالتكاليف المالية الباهظة، واستمرَّ هؤلاء وهؤلاء بين مَدٍّ وجَزْرٍ إلى أن تَمَّتْ الغلبة للفقراء بجعل التعليم عامًّا وعلى نفقة الدولة أيضًا.
1 أما الإسلام فإنه يوجب التعلم قبل العمل، ويفرضه على كل مسلم ومسلمة دون تمييز.
وتطلَّع الفقراء بعد ذلك إلى ما هو أبعد، وهو حقهم في المشاركة في الحكم، فانفتح للعمل والفقراء نفقًَا ضيقًا؛ فألغي اشتراط الثراء لدخول الانتخابات، ثم خرجوا من ذلك النفق منتصرين في النهاية ليجدوا طلبهم، مشاركة أيّ شخص في الانتخابات من عامَّة الشعب حقًّا مكفولًا إذا بلغ السن القانونية، وأن من حق الشعوب أن تصل إليه بواسطة البرلمانات والانتخابات المباشرة -ولكن يجب أن تعرف كيف يتمّ هذا الحق- ثمّ استطاعت الشعوب في أوربا أن تصل أيضًا إلى اعتراف الحكومات بحقّ حرية التعبير عن الرأي تأييدًا أو معارضة عن طريق وسائل الإعلام وغيرها، ولا تسأل بعد ذلك عمَّا انتجه تحقيق هذا المبدأ من شتات المفاهيم، ثم تحقَّق لهم كذلك حقّ المعارضة والاحتجاج بأية وسيلة بالإضراب عن العمل أو بالمظاهرات، وهذه المظاهرات إمَّا أن تتمَّ بالإذن المسبَّق لها، أو تتمَّ بدون إذن، وبالتالي تتصرَّف الحكومة حسبما تراه لقمع تلك المظاهرات وتفريق المتظاهرين أو تركهم بما لا يصل إلى تجريد السلاح والتنكيل، كما ضمن لهم القانون -بفعل جهادهم ويقظتهم- حرية الاجتماعات الجماعية في مقارِّ أحزابهم، أو في غيرها بعد أخذ الإذن من الحكومة إذا كانت الاجتماعات في غير مقارّ الأحزاب.
ومعنى هذا أن الأوضاع قد تغيَّرت في أوربا بعد أن أفاقت الشعوب على الظلم الواقع والفقر المدقع الجاثم عليها، واستطاعت بعده أن تحصل على ما تريد رويدًا رويدًا، وتغيَّرت الأحوال تمامًا فلم يعد بوسع الوجهاء والأثرياء أن يكبتوا تلك الطبقات التي كانت لا قيمة لها ولا وزن، بل ولا
حرج في القاء القبض على الشخص منهم دون إبداء المبرِّر الكافي، خصوصًا في حق اللفقراء الذين كانت تلهب ظهورهم من قِبَلِ الطبقات العليا بسبب أو بغير سبب؛ لكي يضمنوا ولاءهم واحترامهم لهم دائمًا.
أما مواجهة الحكومة بأدنى ما يغضبهم فقد كانت جريمة لا تغتفر، ولا بُدَّ من العقاب الرادع ليبقى تفكير الفقراء في النيل منهم بعيدًا عن مجرَّد تفكيرهم، ولكن بعد إفاقة الشعوب المظلومة تغير الحال جذريًّا، وبدأ عامَّة الشعب يرفعون رءوسهم ويصيحون بأعلى أصواتهم ضد كل الظملة، ووضعت القوانين لحماية المتهم فأصبح بريئًا حتى تثبت إدانته، ولا يحق سجنه إلّا بتهمة ظاهرة واضحة، وفوق هذا فمن حقه أن يطلب محاميًا عنه، وأن لا يتعرَّض لأيّ إكراه أثناء التحقيق معه، وأن يكون محاميه إلى جانبه متنبهًا لأي مزلق قد يصادفه المتَّهم من قِبَلِ المحقِّقِ فينبهه إليه، وقد يشير عليه بعدم إجابة المحقق إذا كان السؤال فيه حيف أو استثارة أو استدراج، كما أن من حقِّ المتَّهم أن يستدعي الشهود الذين يظن أن شهادتهم تنفعه، وحق المحامي في تأجيل الجلسة لمزيد من التحرِّيات ومشاورة المتَّهم، كما وجد حق المتَّهم في استئناف الحكم إذا تصوّر أن فيه جورًا عليه، كما وجدت الضمانات التي تنظم إيقاع العقوبة على المتَّهم دون زيادة أو نقص، مع وجود الضمانات الكافية لحسن معاملة السجين في فترة وجوده في السجن، فلا يهان ولا يعاقب جسديًّا إلّا إذا أخلَّ بنظام السجن، وأصبح من حقه أن توفَّر له الرعاية الطبية إذا مرض، ومن حقه أن يشكو إدارة السجن، وأن يطلب مقابلة محاميه في السجن، وأن يزروه أهله في السجن
بل ووصل الحال في بعض السجون أن يعطى السجين الحق في زيارة أهله في بيته في فترة محدودة تحت الحراسة، ثم يعود إلى السجن إلى أن تنتهي قضيته1.
تعقيب:
علمت مما سبق كيف ظهرت الديمقراطية في العصر الحاضر، وكيف طالب العمَّال والفقراء بكل حقوقهم طلبًا متواصلًا وبشتَّى الأساليب، فما أن يحصلوا على شيء إلّا وتطلَّعوا إلى ما بعده تحت راية تجديد الديموقراطية التي نمت بفعل تلك المطالبات المستمرّة لدخول عامَّة المجتمع في المشاركة الفعلية في الحكم، وتَمَّ لهم ذلك بفعل المناداة بحق الانتخابات؛ إذ لم تكن الشعوب قبل إقامة الديمقراطية تحلم بأن لهم سبيلًا إلى الوصول إلى الحكام البابوات، أو التأثير عليهم، فضلًا عن مشاركتهم في يومٍ ما، فقد كانت الطبقات الحاكمة كلهم من ذوي الثراء، وليس للفقراء حتَّى مجرد المناداة للعدالة والحرية والمساواة وبناء الديمقراطية أن يصلوا، فلم يتمَّ كل ذلك من مبدأ الديمقراطية
1 بتصرف عن عدة مراجع.
ولا ريب أن القارئ يدرك ما وصلت إليه أوربا وأمريكا بخصوصهما في هذه الأيام العصيبة -بعد أن ضربت واشنطن ونيويورك- كيف ضربوا بتلك التعاليم الديمقراطية جانبًا، وكيف تحوَّل الأمر عندهم إلى غاية الجور والتعسُّف والشدة على العرب والمسلمين بخصوصهم؛ حيث يعاملونهم أسوأ المعاملة وأشد التجبر، وملئوا السجون بكلِّ من يريدونه دون أن يسمحوا لهم بالدفاع عن أنفسهم، فضلًا عن السماح بالمحامين لهم، وهي فتنة عظيمة نسأل الله تعالى أن تنتهي بخير، وأن يلطف بالمسلمين إنه سميع مجيب.
تلقائيًّا، بل انتزعت الشعوب من الإقطاعيين والوجهاء البابوات انتزاعًا، حتَّى أصبح في أوربا أمرًا مألوفًا أن يوجّه الشخص الانتقاد للمسئولين علنًا بلسانه أو بقلمه، عن طريقه هو أو عن طريق الصحافة، ولقد تَمَّ ذلك إثر صراع مرير وصبر طويل جعل الحكومات في أوربا ترضخ للأمر الواقع نتيجة للظلم الذي وقع على الطبقات الفقيرة في سالف عصورهم {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} 1.
وهكذا فقد وصل الفقراء والعمال المتدنية أجورهم بسبب مطالبتهم المستمرة وتصديهم بكل بسالة لما من شأنه تحسين أوضاعهم، والشغب المتواصل للنظر في أمورهم، لا أنَّ مذهب الديمقراطية هو الذي أوجد هذا الحال، ولم تقم المديمقراطية بدافع الرحمة أو بقيام منهج أو دراسة، وإنما قامت إثر صراعات متواصلة بين أفراد الشعوب وبين أصحاب الجاه والأثرياء والسلطات، وعلى الذين يتصورونها وكأنها وحي أن يعلموا ذلك؛ إذ لا رحمة من داخل القلب في النظم البشرية الوضعية، وربما يصدق عليهم قول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني
…
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
1 سورة فصلت، الآية:46.