المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية - المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها - جـ ٢

[د. غالب بن علي عواجي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌المجلد الثاني

- ‌الباب العاشر: العلمانية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: حقيقة التسمية

- ‌الفصل الثاني: التعريف الصريح للعلمانية

- ‌الفصل الثالث: نشأة العلمانية وموقف دعاتها من الدين، وبيان الأدوار التي مرَّت بها

- ‌الفصل الرابع: الردّ على من زعم أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين

- ‌الفصل السادس: هل العالم الإسلامي في حاجة إلى العلمانية؟ وأسباب ذلك

- ‌الفصل السابع: انتشار العلمانية في ديار المسلمين، وبيان أسباب ذلك

- ‌الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين

- ‌مدخل

- ‌المسألة الاولى: العلمانية في الحكم

- ‌المسألة الثانية: هل يوجد فرق في الإسلام بين الدين والسياسة

- ‌المسألة الثالثة: العلمانية والاقتصاد

- ‌المسألة الرابعة: العلمانية والعلم والتعليم والاكتشافات والدين

- ‌المسألة الخامسة: العلمانية في السلوك

- ‌الفصل التاسع: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين

- ‌مدخل

- ‌العمل العام عند المسلمين بالعلمانية

- ‌ ظهور الولاءات المختلفة:

- ‌ ظهور أفكار العلمانية كحلول حتمية:

- ‌ الاختلاف في الدراسة والشهادة:

- ‌ ظهور التأثر في الأسماء:

- ‌ الهجوم على اللغة العربية:

- ‌ التأثر في التعليلات:

- ‌ التأثر في الأخلاق:

- ‌ العلمانية والآداب:

- ‌ علمنة الإعلام:

- ‌ تعقيب على ما سبق:

- ‌الباب الحادي عشر: الديمقراطية والشورى ونظرية السيادة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: منزلة الديمقراطية في الحضارة الغربية

- ‌الفصل الثاني: معنى الديمقراطية ونشأتها

- ‌الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية

- ‌الفصل الرابع: هل حقق الأوربيون مطالبهم في الديمقراطية حقيقة

- ‌الفصل الخامس: الحكم على الديمقراطية

- ‌الفصل السادس: هل المسلمون في حاجة إلى الديمقراطية الغربية

- ‌الفصل السابع: الديمقراطية والشورى

- ‌الفصل الثامن: حكم من يتمسَّك بالديمقراطية الغربية

- ‌الفصل التاسع: نظرية السيادة

- ‌المبحث الأول: ما هي نظرية السيادة

- ‌المبحث الثاني: أساس قيام نظرية السيادة

- ‌المبحث الثالث: ما مدى صحة نظرية سيادة الشعب

- ‌المبحث الرابع: المسلمون ونظرية السيادة

- ‌المبحث الخامس: حكم السيادة في الإسلام

- ‌الباب الثاني عشر: الإنسانية أو العالمية أو الأممية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: بيان المقصود بالإنسانية أو العالمية أو الأممية

- ‌الفصل الثاني: سبب انتشار دعوى الإنسانية

- ‌الفصل الثالث: أماكن انتشارها

- ‌الفصل الرابع: هل يحقق مذهب الإنسانية السعادة

- ‌الفصل الخامس: هل تحققت دعاوَى الإنسانية بالفعل

- ‌الفصل السادس: هل تقبل الدعوى إلى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين

- ‌الفصل السابع: الإنسانية والمغريات

- ‌الفصل الثامن: الإنسانية والقومية والوطنية

- ‌الفصل التاسع: تناقض دعاة الإنسانية

- ‌الفصل العاشر: زعماء الدعوة الإنسانية

- ‌الفصل الحادي عشر: الإنسانية الحقيقية، والرحمة الصادقة هي في الإسلام

- ‌الباب الثالث عشر: الوجودية

- ‌الفصل الأول: التعريف بالوجودية

- ‌الفصل الثاني: أقسام الوجودية

- ‌الفصل الثالث: ظهور الوجودية وأبرز زعمائها

- ‌الفصل الرابع: من هو سارتر

- ‌الفصل الخامس: الوجودية هي الفوضى

- ‌الفصل السادس: أسباب انتشار الوجودية

- ‌الفصل السابع: الرد على الوجوديين

- ‌الباب الرابع عشر: الروحية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: تعريف الروح

- ‌الفصل الثاني: ظهور الروحية

- ‌الفصل الثالث: إنتشار هذا المذهب

- ‌الفصل الرابع: منزلة فكرة "تحضير الأرواح

- ‌الفصل الخامس: أدلة دعاة تحضير الأرواح

- ‌الفصل السادس: مجمل عقائد الروحيين

- ‌الفصل السابع: حقيقة الروحية وأشهر زعمائها

- ‌الفصل الثامن: الروحية والملاحدة

- ‌الفصل التاسع: قضية الإلهام

- ‌الباب الخامس عشر: القومية

- ‌الفصل الأول: المقصود بالقومية

- ‌الفصل الثاني: دراستنا للقومية

- ‌الفصل الثالث: كيف ظهرت القومية

- ‌الفصل الرابع: متى ظهرت القومية

- ‌الفصل الخامس: كيف تسربت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية

- ‌الفصل السادس: نتيجة ظهور القومية بين المسلمين

- ‌الفصل السابع: ماذا يراد من وراء دعوى القومية

- ‌الفصل الثامن: هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية

- ‌الفصل التاسع: هل تحققت السعادة المزعومة في ظل القومية

- ‌الفصل العاشر: خداع القوميون

- ‌الفصل الحادي عشر: إبطال فكرة القومية

- ‌الفصل الثاني عشر: نقض الأسس التي قامت عليها القومية

- ‌الفصل الثالث عشر: الإسلام والقومية

- ‌الفصل الرابع عشر: مصادر دعم القومية

- ‌الفصل الخامس عشر: أهم مشاهير دعاة القومية العربية

- ‌مصطفى الشهابي:

- ‌محمد معروف الدواليبي

- ‌ جمال عبد الناصر:

- ‌ الخاتمة:

- ‌الباب السادس عشر: الوطنية

- ‌الفصل الأول: بيان حقيقة الوطنية

- ‌الفصل الثاني: القومية والوطنية

- ‌الفصل الثالث: كيف نشأت دعوى الوطنية

- ‌الفصل الرابع: هل نجحت الوطنية في تأليف القلوب

- ‌الفصل الخامس: الإسلام والوطنية

- ‌الفصل السادس: نتائج تقديس الوطنية

- ‌ تعقيب على ما سبق:

- ‌الباب السابع عشر: المذهب الوضعي

- ‌الفصل الأول: حقيقة المذهب الوضعي

- ‌الفصل الثاني: زعماء المذهب الوضعي

- ‌الباب الثامن عشر: الإلحاد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: المراد بالإلحاد

- ‌الفصل الثاني: كما تدرجوا في إظهار الإلحاد

- ‌الفصل الثالث: أقسام الإلحاد

- ‌الفصل الرابع: أسباب ظهور الإلحاد

- ‌الفصل الخامس: هل يلتقي الإسلام مع الأنظمة الإلحادية

- ‌الباب التاسع عشر: الاشتراكية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: معنى الاشتراكية

- ‌الفصل الثاني: أقسام الاشتراكية

- ‌الفصل الثالث: متى ظهرت الاشتراكية

- ‌الفصل الرابع: هل الاشتراكية هي الشيوعية

- ‌الفصل الخامس: مزاعم الاشتراكيين ودعاياتهم

- ‌الفصل السادس: قوانين الاشتراكية

- ‌الفصل السابع: خداع الاشتراكيين في زعمهم أن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام

- ‌الفصل الثامن: كيف غزت الإشتراكية بلدان المسلمين

- ‌الفصل التاسع: دعاة على أبواب جهنم

- ‌الباب العشرون: الشيوعية

- ‌الفصل الأول: دراسة عن الشيوعية

- ‌مدخل

- ‌ تمهيد عام عن الشيوعية:

- ‌المبحث الأول: قيام الشيوعية الأولى بقيادة رجل يسمَّى "مزدك

- ‌المبحث الثاني: من أكاذيب الشيوعيين

- ‌المبحث الثالث: رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى

- ‌المبحث الرابع: زعامة الشيوعية الماركسية

- ‌المبحث الخامس: الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية

- ‌مدخل

- ‌ المادية:

- ‌ الجدلية "الديالكيتك

- ‌ تعقيب:

- ‌ التطور:

- ‌المبحث السادس: التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها

- ‌مدخل

- ‌ مدى صحة الأطوار التي تزعمها الشيوعية:

- ‌ المشاعية البدائية:

- ‌ الرِّق:

- ‌ الإقطاع:

- ‌ الرأسمالية "البرجوازية

- ‌المبحث السابع: التفسير المادي للإنسان

- ‌المبحث الثامن: التفسير المادي للقيم الإنسانية

- ‌المبحث التاسع: حرب الأخلاق والقيم

- ‌المبحث العاشر: القضاء على الأسر

- ‌المبحث الحادي عشر: محاربة الدين

- ‌المبحث الثاني عشر: سبب قيام الحضارة الإلحادية على العداء للدين

- ‌المبحث الثالث عشر: هل يوجد بين الدين والعلم نزاع

- ‌المبحث الرابع عشر: إنكار وجود الله تعالى وتقدس

- ‌مدخل

- ‌ هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى

- ‌ شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى:

- ‌المبحث الخامس عشر: روافد أخرى

- ‌مدخل

- ‌ الإنسان التقدمي:

- ‌ الرجعية والجمود:

- ‌ الخرافة والتقاليد:

- ‌ الحرية والكبت:

- ‌ الإلحاد:

- ‌الفصل الثاني: الاقتصاد في الإسلام وفي المذاهب الوضعية

- ‌المبحث الأول: قضية الملكية الفردية والجماعية

- ‌المطلب الأول: الملكية في الإسلام

- ‌المطلب الثاني: الملكية في المذاهب الوضعية

- ‌المبحث الثاني: رد مزاعم الملاحدة الشيوعيين

- ‌المطلب الأول: رد مزاعمهم في الملكية الفردية

- ‌المطلب الثاني: رد مزاعمهم في نشأة الصراع الطبقي

- ‌تعقيب

- ‌المبحث الثالث: إيضاح بعض الجوانب الاقتصادية

- ‌المطلب الأول: التعريف بعلم الاقتصاد

- ‌المطلب الثاني: مدى أهمية العامل الاقتصادي في حياة الإنسان

- ‌المطلب الثالث: أهمية دراسة الأحوال الاقتصادية

- ‌المطلب الرابع: الغزو الفكري عن طريق الاقتصاد

- ‌المطلب الخامس: المال في الإسلام

- ‌المطلب السادس: وجود الموارد وندرتها

- ‌المطلب السابع: مدى صحة تعليل أصحاب النظام الوضعي للمشكلة الاقتصادية

- ‌المطلب الثامن: تنظيم الإسلام للشؤون المالية وطريقة معالجته لمشكلة الفقر

- ‌المبحث الرابع: التكافل في النظم البشرية

- ‌المطلب الأول: التكافل في الرأسمالية

- ‌المطلب الثاني: التكافل في النظام الشيوعي

- ‌المراجع:

- ‌قائمة بأسماء بعض المراجع:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية

‌الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية

وبعد أن تَمَّت الغلبة لرجال الديمقراطية، وهيجان الشعوب من ورائهم، للإفلات التامّ من الماضي البغيض المتمثِّل في الإقطاعيين والرأسماليين والبابوات، والدين الذي أحلَّهم تلك المنازل حسب تصورهم التامّ عن الدين، واصل الأوربيون مسيراتهم القوية، فما إن يتحقق لهم مكسب إلّا وتطلعوا إلى ما وراءه في خطوات ممتابعة لم تمهل طبقات السيادة أن يلتقطوا أنفاسهم، وبدأ الأمر في ظاهره أن د عاة الديمقراطية قد حقَّقوا كل شيء، وأن الشعوب قد نالت كل ما تتمناه، وأن مجموع تلك المكاسب قد أصبحت تشكل مذهبًا متكاملًا لا ينقصه إلّا التطبيق والتصدير اسمه "الديمقراطية".

فما هي المكاسب التي تحقَّقَت لهم؟ وهل هي كذلك مكاسب حقيقية أبعدت الشعوب عن شبح ذلك الطغيان القديم حقيقة؟ وأنهم وصلوا إلى تلك الأحلام السعيدة التي كانت تراودهم في أنفسهم؟ أم لم يتحقق ذلك؟ سوف تتضح إن شاء الله أهم الجوانب لتلك الأمور فيما يلي:

- المكاسب التي حققها دعاة الديمقراطية في أوربا:

لقد تحقَّقَ لدعاة الديمقراطية في أوربا مكاسب ثمينة جدًّا وكانت بالنسبة لهم أفضل مما كانوا عليه فيما سبق، ووجدوا فيها عزاء ما تبدو للناظر السطحي، ومن أهمِّ تلك المكاسب التي ظهت إثر تلك الصراعات المريرة للشعوب ضد زعمائهم ووجهائهم الأمور الآتية:

ص: 764

1-

تَمَّ لهم الهرب بعيدًا عن قبضة طغاة الكنيسة وجبروتهم، وإخضاعهم لسلطة وضعية ليس لها علاقة بالقداسة الإلهية التي كانت يمارس باسمها رجال الكنيسة كل ما يريدونه من أنواع الظلم والعلوّ، وتم الأمر بقيام سلطة وضعية لا تدَّعي القداسة الإلهية، بل ولا تعترف بها أيضًا.

2-

حصلوا على حقِّ إخضاع تصرفات الحكومة لرقابة المجالس النيابية عليهم؛ إذ لم يعد من حق الحكومة الاستئثار بالسلطة دون منازع أو رقيب كما كان الحال سابقًا.

3-

تحقَّق لهم الأمن من إصدار السلطات العليا أوامر الضرائب دون مبرر حقيقي، وهو ما كان يعاني منه الفقراء وسائر طبقات المجتمع الويلات؛ لعدم إحساس السلطات والبابوات بالرحمة نحو شعوبهم، ثم تمكَّنت الشعوب في أوربا من إبطاله؛ إذ لم يعد ذلك حقًّا تملكه السلطة دون موافقة ممثلي الشعب، وبعد قيام الديمقراطية التي طالبوا بها، فحصل التخفيف عن الفقراء قدر الإمكان، وبالتالي إيقاعها على الأغنياء الذين كانوا في زمن الإقطاع على النقيض من ذلك، حيث كانوا يسيرون حسبما أفاده كتابهم المقدس عندهم "الغني يزاد له والفقير يؤخذ منه".

4-

تراخي قبضة السلطة العليا على المواطنين؛ إذ توزَّعت تلك السلطة بين السلطة العليا وبين ممثلي الشعب في المجالس النيابية والبرلمانية

ص: 765

الذين يحاولون جاهدين إرضاء منتخبيهم عنهم بما يبذلون من الدفاع عن أيّ ضرر يلحقهم أو بناحيتهم، وما يقومون به من المطالبة بتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية.

5-

تحقَّق لهم الإشراف المباشر على مصارف موارد الدولة ومعرفة ميزانيتها وكيفية إنفاقها في المرافق العامة، وبمعرفة ممثلي الشعب بعد أن كانت تلك الموارد من اختصاص الدولة تنفقها حيث تشاء في رغباتها وشهواتها المختلفة، دون أيّ سؤال لهم من أيّ شخص، في حين غاب الخوف من الله تعالى في قلوب أصحاب السلطة، وغاب أيضًا الخوف من الشعب، فلمَّا ثارت الشعوب وتمكَّن أصحابها من الوصول إلى محاسبة الدولة أصبحت تلك الموارد تصرف على النفع العام، والمشروعات التي تعود فائدتها على الشعب، مما يُسمَّى بالبنية الأساسية والمرافق العامة؛ كبناء المدارس والمستشفيات وسفلتة الطرق وغير ذلك، إلّا أنه احتدم الخلاف بين مجالس النواب، هل يجب أن يكون التعليم حقًّا لكل أفراد الشعب أم لا، وعلى القول بتعميمه نتجت مشكلة أخرى، وهي من الذي سيقوم بالأعمال في المصانع والخدمة في البيوت والمزارع بعد أن يصبح الجميع متعلمين، وبالتالي مستكبرين عن مزاولة تلك الأعمال التي سيترفَّعون عنها حتمًا بعد شمول التعليم وحمل الشهادات، ولكن الوجهاء لم ينجحوا في إيقاف ذلك رغم هذا الاحتجاج وغلبتهم العامة.

6-

تحقق لهم الحصول على الضمانات التي تجعل كل أفراد الشعب

ص: 766

متساوين أمام القانون، لا امتياز للغني على الفقير، بينما كان الأغنياء والوجهاء طبقة عالية لا يصل إليها الفقراء، وقد تحقق هذ العامل إثر صراعات وشغب مرير ضدَّ السلطة صاحبة الامتياز الأول1.

7-

كما شملت تلك الحقوق جوانب عدة مثل: حق كل فرد من أفراد الشعب في التنقُّل أين يشاء داخل الوطن السياسي، وكان هذا ممنوعًا في ظل الإقطاع، فلا يستطيع العامل أن ينتقل إلّا برخصة من سيده الإقطاعي، وإلا كان محل تهمة يجب القبض عليه حتى يأتي بالمبرر الكافي.

8-

ومثل حق كل فرد في أن يعمل أين يشاء، في حين أنه لم يكن مقررًا من قبل في عصر الإقطاع الذي كان يعتبر الأرض ومن عليها ملكًا للإقطاعي، سار الآباء على ذلك ونشأ الأولاد عليه؛ إذ لا مفرَّ لهم من أن يعملوا إذا أرادوا الحفاظ علي حياتهم من الموت جوعًا، وكان يعين صاحب الأرض للفلاح القدر الذي يريده قلَّ أو كَثُر، وما علي العامل إلّا الرضى به، وما أن تحطَّم الإقطاع وأفلت المغلوبون على أمرهم إلّا وكان نصب أعينهم البحث عن العمل أينما وُجِدَ في المدينة أو في الريف، بحريته وبموافقته الشخصية في نوع العمل وفي مقدار الأجرة، إلّا أن مشكلة الحاجة والفقر بقيت دون حلٍّ جذري لها، فالدولة

1 وفي الإسلام: "الناس كلهم لآدم وآدم من تراب"، قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقال -صلى الله عليه سلم:"كلكم لآدم وأدم من تراب"، وقال خليفة المسلمين الأول رضي الله عنه:"القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له".

ص: 767

لم تكن قد اهتمَّت بهذا الجانب؛ لأنه ليس من لوازمها حسب ما كان معروفًا، ولا شأن لها بالعاطلين عن العمل؛ إذ أن ذلك مسئوليتهم عن أنفسهم، ولا تسأل بعد ذلك عمَّا كان يحلّ بهم من الفقر والحاجة والبطالة، وفي الوقت الذي لم يجدوا فيه من يعطف عليهم، لا الحكومة ولا الأغنياء ولا أصحاب المصانع الأثريا، فوقعوا مرةً أخرى تحت سيطرة أصحاب المال من أهل الجاه والمال، فاضطر أولئك البؤساء إلى أن يعملوا شيئًا ما للفت النظر إلى حالهم التعيس، فاهتدوا إلى القيام بين فترة أخرى بالمظاهرات والشغب، واستمرَّ حالهم بين مَدٍّ وجَزْرٍ إلى أن وجدوا خيوط أمل النجاة تقع في أيديهم، فاضطر أصحاب التجارة والمصانع والأثرياء، وأيقنوا أن عليهم الرضوخ لمطالب أولئك البؤساء، استمرَّ الحال ينمو تدريجيًّا وببطء شديد الضعف من جانب العاطلين وأصحاب الأجور البسيطة، والتنازل رويدًا رويدًا من جانب الأثرياء والوجهاء، إلى أن وصل أولئك الفقراء إلى تحقيق أنه يجب أن تدفع الأجرة لكل عامل من قبل صاحب العمل حسب الاتفاق.

9-

ثم بدأ الجميع يعملون رجالًا ونساء، إلّا أنَّ المرأة كانت تعطى نصف أجرة الرجل، ومع مرور الوقت تنبَّهت المرأة لهذا الغبن، ووجدت من يصيح إلى جانبها بمنع هذا الظلم والجور، ومن هنا نشأت الدعوى لمساواة المرأة بالرجل، ومعنى هذا أن هذه الدعوى للمساواة لم تنشأ عن رحمة أو ضمير حيٍّ، وإنما نشأت عن ظلمٍ ظاهرٍ واقع على المرأة

ص: 768

يستلزم رفعه عنها، ولم يهدأ طلب العمال للمزيد من الديمقراطية في حق تشغليهم من قِبَلِ الدولة، إلى أن حصلوا على مطلبهم في حده الأدنى، وهو إحساس الدولة بمسئوليتها عن حق العمل لكل مواطن.

وبعد أن حقَّق العمال الفقراء ذلك الحد الأدنى من إيجاد الاهتمام من قِبَلِ الدولة بشئونهم، التفتوا إلى جانب من أهم الجوانب ومن أكثرها حرمانًا لهم منه، ألَا وهو حق التعليم؛ إذ كان هذا الجانب كغيره من الجوانب الأخرى نسيًا منسيًّا في أذهان الحكومات، ومن هنا فقد حُرِمَ الفقراء وأبناؤهم من التعليم في ظلِّ سيطرة الإقطاعيين الذين كانوا ينظرون إلى مَنْ دونهم كأدوات استهلاكية للقيام بخدمتهم، والقيام على مصالحهم، فكان أولاد الأثرياء هم الذين ينالون حظوظهم من التعليم، وكان لهذا الحرمان أثره القوي في دفع أولئك المحرومين إلى الثورة في وجوه الطبقات الحاكمة والأثرياء، وكان لقيام الثورة الفرنسية أيضًا متنفسًا لهم والتفاتة منهم إلى الحكومات، فتعالت الصيحات والاحتجاجات لإجبار الحكومة على فتح باب التعليم للجميع1، ولم يجد هؤلاء الثائرون الطريق مفروشًا بالورود أمامهم، بل عانوا مشقَّات ومصاعب جمَّة، كان في أولها وقوف طبقة الأثرياء والوجهاء في طريقهم كما أشرنا إلى ذلك؛ إذ كان هؤلاء هم المستفيدون من تجهيل الشعب كي يخدموهم ويقوموا بمصالحهم، فلو انضمُّوا إلى المتعلمين لبقي فراغ كبير بالنسبة لهم، ومن هنا وضعوا العراقيل المختلفة في طريق دعاة تعميم التعليم، متذرِّعين بالتكاليف المالية الباهظة، واستمرَّ هؤلاء وهؤلاء بين مَدٍّ وجَزْرٍ إلى أن تَمَّتْ الغلبة للفقراء بجعل التعليم عامًّا وعلى نفقة الدولة أيضًا.

1 أما الإسلام فإنه يوجب التعلم قبل العمل، ويفرضه على كل مسلم ومسلمة دون تمييز.

ص: 769

وتطلَّع الفقراء بعد ذلك إلى ما هو أبعد، وهو حقهم في المشاركة في الحكم، فانفتح للعمل والفقراء نفقًَا ضيقًا؛ فألغي اشتراط الثراء لدخول الانتخابات، ثم خرجوا من ذلك النفق منتصرين في النهاية ليجدوا طلبهم، مشاركة أيّ شخص في الانتخابات من عامَّة الشعب حقًّا مكفولًا إذا بلغ السن القانونية، وأن من حق الشعوب أن تصل إليه بواسطة البرلمانات والانتخابات المباشرة -ولكن يجب أن تعرف كيف يتمّ هذا الحق- ثمّ استطاعت الشعوب في أوربا أن تصل أيضًا إلى اعتراف الحكومات بحقّ حرية التعبير عن الرأي تأييدًا أو معارضة عن طريق وسائل الإعلام وغيرها، ولا تسأل بعد ذلك عمَّا انتجه تحقيق هذا المبدأ من شتات المفاهيم، ثم تحقَّق لهم كذلك حقّ المعارضة والاحتجاج بأية وسيلة بالإضراب عن العمل أو بالمظاهرات، وهذه المظاهرات إمَّا أن تتمَّ بالإذن المسبَّق لها، أو تتمَّ بدون إذن، وبالتالي تتصرَّف الحكومة حسبما تراه لقمع تلك المظاهرات وتفريق المتظاهرين أو تركهم بما لا يصل إلى تجريد السلاح والتنكيل، كما ضمن لهم القانون -بفعل جهادهم ويقظتهم- حرية الاجتماعات الجماعية في مقارِّ أحزابهم، أو في غيرها بعد أخذ الإذن من الحكومة إذا كانت الاجتماعات في غير مقارّ الأحزاب.

ومعنى هذا أن الأوضاع قد تغيَّرت في أوربا بعد أن أفاقت الشعوب على الظلم الواقع والفقر المدقع الجاثم عليها، واستطاعت بعده أن تحصل على ما تريد رويدًا رويدًا، وتغيَّرت الأحوال تمامًا فلم يعد بوسع الوجهاء والأثرياء أن يكبتوا تلك الطبقات التي كانت لا قيمة لها ولا وزن، بل ولا

ص: 770

حرج في القاء القبض على الشخص منهم دون إبداء المبرِّر الكافي، خصوصًا في حق اللفقراء الذين كانت تلهب ظهورهم من قِبَلِ الطبقات العليا بسبب أو بغير سبب؛ لكي يضمنوا ولاءهم واحترامهم لهم دائمًا.

أما مواجهة الحكومة بأدنى ما يغضبهم فقد كانت جريمة لا تغتفر، ولا بُدَّ من العقاب الرادع ليبقى تفكير الفقراء في النيل منهم بعيدًا عن مجرَّد تفكيرهم، ولكن بعد إفاقة الشعوب المظلومة تغير الحال جذريًّا، وبدأ عامَّة الشعب يرفعون رءوسهم ويصيحون بأعلى أصواتهم ضد كل الظملة، ووضعت القوانين لحماية المتهم فأصبح بريئًا حتى تثبت إدانته، ولا يحق سجنه إلّا بتهمة ظاهرة واضحة، وفوق هذا فمن حقه أن يطلب محاميًا عنه، وأن لا يتعرَّض لأيّ إكراه أثناء التحقيق معه، وأن يكون محاميه إلى جانبه متنبهًا لأي مزلق قد يصادفه المتَّهم من قِبَلِ المحقِّقِ فينبهه إليه، وقد يشير عليه بعدم إجابة المحقق إذا كان السؤال فيه حيف أو استثارة أو استدراج، كما أن من حقِّ المتَّهم أن يستدعي الشهود الذين يظن أن شهادتهم تنفعه، وحق المحامي في تأجيل الجلسة لمزيد من التحرِّيات ومشاورة المتَّهم، كما وجد حق المتَّهم في استئناف الحكم إذا تصوّر أن فيه جورًا عليه، كما وجدت الضمانات التي تنظم إيقاع العقوبة على المتَّهم دون زيادة أو نقص، مع وجود الضمانات الكافية لحسن معاملة السجين في فترة وجوده في السجن، فلا يهان ولا يعاقب جسديًّا إلّا إذا أخلَّ بنظام السجن، وأصبح من حقه أن توفَّر له الرعاية الطبية إذا مرض، ومن حقه أن يشكو إدارة السجن، وأن يطلب مقابلة محاميه في السجن، وأن يزروه أهله في السجن

ص: 771

بل ووصل الحال في بعض السجون أن يعطى السجين الحق في زيارة أهله في بيته في فترة محدودة تحت الحراسة، ثم يعود إلى السجن إلى أن تنتهي قضيته1.

تعقيب:

علمت مما سبق كيف ظهرت الديمقراطية في العصر الحاضر، وكيف طالب العمَّال والفقراء بكل حقوقهم طلبًا متواصلًا وبشتَّى الأساليب، فما أن يحصلوا على شيء إلّا وتطلَّعوا إلى ما بعده تحت راية تجديد الديموقراطية التي نمت بفعل تلك المطالبات المستمرّة لدخول عامَّة المجتمع في المشاركة الفعلية في الحكم، وتَمَّ لهم ذلك بفعل المناداة بحق الانتخابات؛ إذ لم تكن الشعوب قبل إقامة الديمقراطية تحلم بأن لهم سبيلًا إلى الوصول إلى الحكام البابوات، أو التأثير عليهم، فضلًا عن مشاركتهم في يومٍ ما، فقد كانت الطبقات الحاكمة كلهم من ذوي الثراء، وليس للفقراء حتَّى مجرد المناداة للعدالة والحرية والمساواة وبناء الديمقراطية أن يصلوا، فلم يتمَّ كل ذلك من مبدأ الديمقراطية

1 بتصرف عن عدة مراجع.

ولا ريب أن القارئ يدرك ما وصلت إليه أوربا وأمريكا بخصوصهما في هذه الأيام العصيبة -بعد أن ضربت واشنطن ونيويورك- كيف ضربوا بتلك التعاليم الديمقراطية جانبًا، وكيف تحوَّل الأمر عندهم إلى غاية الجور والتعسُّف والشدة على العرب والمسلمين بخصوصهم؛ حيث يعاملونهم أسوأ المعاملة وأشد التجبر، وملئوا السجون بكلِّ من يريدونه دون أن يسمحوا لهم بالدفاع عن أنفسهم، فضلًا عن السماح بالمحامين لهم، وهي فتنة عظيمة نسأل الله تعالى أن تنتهي بخير، وأن يلطف بالمسلمين إنه سميع مجيب.

ص: 772

تلقائيًّا، بل انتزعت الشعوب من الإقطاعيين والوجهاء البابوات انتزاعًا، حتَّى أصبح في أوربا أمرًا مألوفًا أن يوجّه الشخص الانتقاد للمسئولين علنًا بلسانه أو بقلمه، عن طريقه هو أو عن طريق الصحافة، ولقد تَمَّ ذلك إثر صراع مرير وصبر طويل جعل الحكومات في أوربا ترضخ للأمر الواقع نتيجة للظلم الذي وقع على الطبقات الفقيرة في سالف عصورهم {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} 1.

وهكذا فقد وصل الفقراء والعمال المتدنية أجورهم بسبب مطالبتهم المستمرة وتصديهم بكل بسالة لما من شأنه تحسين أوضاعهم، والشغب المتواصل للنظر في أمورهم، لا أنَّ مذهب الديمقراطية هو الذي أوجد هذا الحال، ولم تقم المديمقراطية بدافع الرحمة أو بقيام منهج أو دراسة، وإنما قامت إثر صراعات متواصلة بين أفراد الشعوب وبين أصحاب الجاه والأثرياء والسلطات، وعلى الذين يتصورونها وكأنها وحي أن يعلموا ذلك؛ إذ لا رحمة من داخل القلب في النظم البشرية الوضعية، وربما يصدق عليهم قول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

1 سورة فصلت، الآية:46.

ص: 773