الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: سبب انتشار دعوى الإنسانية
لقد تبين أن ما يجذب الناس إلى قبول الإنسانية جهلهم بدينهم، ثم جهلهم بما تهدف إليه الدعوة الإنسانية، ثم انخداعهم بذلك الشعار الأجوف الذي ينادي به دعاة الإنسانية، وهو الاجتماع على الإنسانية بغضِّ النظر عن أي اعتبار من دين أو لون أو وطن، فالكل تتسع لهم مظلَّة الحرية والإخاء والمساواة التي يوفِّرها لهم مذهب الإنسانية.
وإن الذين يعتنقونها سيعيشون عيشة راضية، فانخدع الكثير بمثل هذه الدعايات البرّاقة، وقد عرفت أنها دعايات الماسونية الماكرة التي تتربَّص للقضاء على كل الأديان تحت شعارهم "اخلع عقيدتك على الباب كما تخلع نعليك"1 فمن المعلوم أن خلع العقيدة ووضعها على الباب إلى جانب النعال إنما يراد بها عقيدة من يسمونهم بـ"الجوييم" أو "الأمميين"، أما عقديتهم هم فهي التي يقوم عليها مذهب الإنسانية، وهي التي يجب أن تبقى بعد أن ينسلخ الداخلون في الإنسانية عن عقائدهم، ويتنازلون عنها لكي يتم دخولهم في مذهب الإنسانية.
ومنها أن دعاة الإنسانية يزعمون أنه يجب أن يكون الهدف الذي يصل إليه الإنسان ويضحي بفرديته من أجله هو خدمة الآخرين، وإخضاع نزعاته الفردية كلها لخدمة النوع الإنساني أجمع تحت شعار "الحياة لأجل الغير"، قد صاغه "كونيت"، وسماه الموجود الأعظم، وأحلَّه محل الإله في التقديس،
1 انظر "مذهب فكرية معاصرة"، ص589.
وجعل لمذهبه كهنة وطقوسًا تقدِّم للرجال الذين أسمهوا في خدمة الإنسانية في أعياد، وتخصص لهم تلك الأعياد ليشعرهم بأنهم على شيء.
ويجب التنبيه إلى أنَّ بعض الكُتَّاب يفسِّرون الإنسانية على أنها هي العطف والرحمة ومساعدة المحتاجين، والتمسُّك بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، ويذكرون على كل ذلك أدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة.
ودراستنا هنا لا تتعلق بهذا المفهوم للإنسانية، فهو حقٌّ مؤكَّد، ولكنَّا بصدد بحث الإنسانية التي تخفي وراءها مخطَّطات خطيرة لتدمير تراث الإنسانية، وبالأخص تراث المسلمين.
شعارات خادعة طالما نادى بها اليهود، وخدعوا بها الناس سرًّا وجهرًا، مثل: الحرية والإخاء والمساواة بين الأفراد والشعوب، ووحدة الأسرة البشرية ومجتمع الإنسان المتعاون، وحق الجميع في الحياة الكريمة، إلى آخر تلك الألفاظ البرَّاقة الخادعة التي هي للاستهلاك ولسد فراغ أذهان الفارغين، وقد قال أحد دعاتها وهو الفرلي:
"حينما يصبح الجميع أحرارًا في تفكيرهم، لهم من الشجاعة ما يجعلهم يتقبَّلون ما هو خير وعدل وجميل، عندئذ يكون من المحتمل أن يسود العالم دين واحد، وإني سأكون سعيدًا باتباع دين عالمي موحَّد تنبع مصادره من حقائق التاريخ، وتشمل مبادئه العدالة الاجتماعية، وتقوم بفضله مظاهر الحب والإخاء على أنقاض الكراهية والخصومة"1.
1 انظر الإسلام والحضارة العربية ص132، د. محمد محمد حسين.
ومما سبق يتبين بوضوح أن الدعوة إلى الإنسانية هي شرارة انشطرت عن جمرة الماسونية الحاقدة ودعاياتها الخادعة التي تجيد حبكها المؤامرات اليهودية، وأن ما يبدو للبعض من الفارق بين كلتا الدعوتين فإنما هو فارق لظفي، أو من باب التفنُّن في التقديم، فالماسونية ظاهرة قوية في الدعوة إلى الانسلاخ من كل دين أو طاعة إلّا دين اليهود وطاعتهم، بينما الإنسانية ظاهرها فيه الرحمة والترفع عن التجبُّر والبغض، وأن الدين لا يجب أن يكون حائلًا بين محبَّة البشر بعضهم البعض، وخدمة بعضهم بعضًا؛ لأن الدين أمر شخصي وحسب مزاج الشخص وتوجهه، إضافة إلى أنه يضيق الدائرة على أتباعه، ويمايز بين الناس حينما يلتزمونه، وبالتالي فالبديل الأنسب هو الإنسانية التي تعمّ الجميع دون تمييز أو تفريق بين الجميع.