الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: أساس قيام نظرية السيادة
لقد تعدَّدت المسالك للوصول إلى إبعاد الدين ورجاله عن السلطة، ومنها مسلك الديمقراطية ونظرية السيادة وحركات أخرى كثيرة تختلف في الأسماء وتتحد في الهدف.
أما بالنسبة للفرق بين نظرية السيادة والديمقراطية فهي في نظر الدكتور صلاح الصاوي "فهما تعبيران عن فكرة واحدة على أساس أن السيادة هي التعبير القانوني، والديمقراطية هي التعبير السياسيي، وعلى هذا فنظرية سيادة الأمة هي التعبير القانوني عن الديمقراطية التي تعتبر نظام الحكم في الدول الرأسمالية"1، ولكن يلاحظ أن نظرية الديمقراطية لم تقف عن حد التعبير السياسي، بل أصبحت تزاحم الدين في كل شئون الحياة الاجتماعة، أمَّا نشأة هذه النظرية فهي كغيرها من النظريات الكثيرة قد نبعت من فرنسا في نهاية العصور الوسطى، وكان يراد بها في البداية الدفاع عن سلطة الملوك وغيرها من السلطات الأخرى، ثم استعملها البابوات في وجوه خصومهم الملوك الذين كانوا يطمحون إلى النيل من سيادة الكنيسة وإخضاعها لهم، ولكن لم يفلح البابوات ورجال الكنيسة، فقد تغلَّبت سلطة الملوك في النهاية على رجال الدين الكنسيّ، وقلبوا الأمر وحاربوهم بنفس سلاحهم، ونادوا بإخضاع الجميع لسيادة القانون أو لسيادة الشعب وحده
1 نظرية السيادة ص15، د. صلاح الصاوي.
لا شريك له، وكانت السيادة في أول نشأتها محدودة بجهة واحدة ممثَّلة في شخص رئيس الدولة، إلّا أنها تطوَّرت بعد ذلك على أيدي الكثير من الفلاسفة والمفكرين لتصبح السيادة هي القوة العليا المهيمنة على الدولة، والتي بيدها صلاحية التغيير والتبديل للقوانين على كل الأفراد المقيمين على إقليم الدولة، وهي لا تتقيد بقانون، بل القانون مصدره السيادة وإرادة أصحابها الذين يتألَّفون من الدولة بجميع أعضائها الذين لا حدَّ لتصرفاتهم، ولا يستطيع أحد أن يحكم عليهم، ولا يتقيدون برأي أحد وإلا لانتفت عنهم صفة السيادة المطلقة، وهذه صفة ثانية في السيادة، فهي تريد أن تكون صاحبة الأمر كله، الحائزة على التفوق المطلق دون أن يكون لها معارض، أو دون أن تكون لها حاجة إلى الخضوع لأحد؛ إذ لو خضعت لأحد لانتفت هذه السيادة، ولو وجد لها مشارك لانتفت أيضًا؛ كأن تكون السيادة مثلًا لجماعة على إقليم أو أكثر، فلو وجد على أحد الأقاليم سيادتان أو أكثر لانتفت السيادة ولحصل الفساد وعدم انتظام الأمور فيه؛ إذ لو تعارضت السيادتان على ذلك الأقليم؛ بحيث تريد أحداهما فعل أمر والأخرى لا تريده، أو تريد ضدَّه؛ فحينئذ إمَّا أن تنفَّذ إرادة السيادتان معًا وهذا محال، وإما أن يمتنع أمرهما معًا وهذا فيه إبطال لسيادتهما معًا، وإما إنفاذ سيادة أحداهما وترك الأخرى، فتكون النافذة هي صاحبة السيادة1، وعلى هذا، فالسيادة هي صاحبة الأمر والنهي والقوة والحكم النافذ، وفوق هذا فقد دعوا لها العصمة من الخطأ باعتبار أن إرادة الأمَّة أو ممثليها من الشعب حكمهم يكون هو الحق والعدل، الذي لا ينبغي أن يقف في طريقه أيّ اعتبار، وهذه حيلة كان الجميع يتظاهرون بها.
1 انظر نظرية السيادة ص12-13.
وهكذا يتلخَّص مفهوم السيادة في أنها هي السطلة العليا المطلقة التي تنفرد بالأمر والنهي والتكليف والإلغاء وما إلى ذلك، أيًّا كانت تلك السلطة دون أن يكون لها منازع في إرادتها أمرًا ونهيًا أو تكليفًا، ممثَّلة في القانون العام للدولة، أو في سلطة الشعب من خلال ممثليه، بينما كانت السيادة كلها قبل ظهور هذه النظرية في يد الملك، بل هو الدولة كلها كما قال لويس الرابع عشر عبارته المشهورة:"أنا الدولة"1، فلمَّا قامت الثورة الفرنسية انتقلت السيادة إلى الأمة وإلى القانون، فاعتبرت الأمة بأكملها كأنها شخص واحد يملك السيادة، والتي هي في النهاية تتمثَّل في شخض الحكومة كلها لا في شخص المسئول الأعلى، والحكومة هي الأخرى تتكوَّن عن انتخاب عام يشترك فيه جمهور الشعب بصفة عامة حسب إرادة الأمة، ثم يعقبه انتخاب السلطة التشريعة والتنفيذية التي تنحصر بعد ذلك كلَّ السيادة فيها، التي هي عبارة عن إرادة الشعب المطلقة كما يزعمون.
1 انظر نظرية السيادة ص17.