الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: كيف ظهرت القومية
؟
أساس ظهور القومية في شكل مذهب جماعي وله دعاته المتحمسون له، كان من البلد المضياف لكثير من الآراء والمذاهب المختلفة -أوروبا- كما عرفت، وكان سبب ظهورها هو نفس الأسباب التي أظهرت بقية المذاهب الفكرية فيها، متوخّية الرغبة الشيديدة في هدم سلطة الكنيسة الطاغية التي سامتهم سوء العذاب -كما تقدَّم، إضافة إلى ما كان يعيشه الأوربيون من شريعة الغاب والظلم والعدوان وسوء الأخلاق في معاملة بعضهم بعضًا، وعدم وجود الدين الصحيح الذي ينير لهم الحياة، فكان ظهور القومية هناك مظهرًا مشاركًا لبقية مظاهر الخروج والانفلات عن سلطة الكنيسة وقبضة رجالها، وكانت القومية هي إحدى معاول الهدم التي تكاثرت على الكنيسة بعد أن بدأت الكنيسة تترنَّح للسقوط النهائي إثر إفاقة الشعوب الغربية الأوربية على واقعهم الشنيع من الذل والخوف والتنكيل والقتل الجماعي والجهل المركَّب والأحكام الجائرة على أيدي فئة تزعم أنها تمثل الرغبة الإلهية في كل ما تأتي وتذر، فظهرت القومية كغيرها من الأفكار الأخرى وقفت من الدين وأهله نفس المواقف للنظريات الإلحادية الأخرى، ويظهر أنه لم يكن لديهم أيّ جامع أو رابط يقدّمونه لشعوبهم غير هذا الرابط الجديد الذي داروا حوله بكل جد، وقدسوه إلى أن أوصلوه قريب الأولهية؛ علَّهم يجدون فيه عزاءً عن الالتجاء إلى الإله الذي كان هو السبب
في إذلالهم على أيدي رجال الكنيسة الذين كانوا يمثلونه في الأرض كما قرره زعماء الكنيسة الرهبان لهم؛ لتحقيق شهواتهم وافتراءً على الله تعالى، وعلى هذا فإن ظهور القومية في أوروبا وعامة دول العالم المسيحي إنما كان لتلك الأسباب الظاهرة وغيرها، وكان لهم ما يبرر ذلك الخروج فيما ظهر من أحوالهم -وإن لم يكن مبررًا حقيقيًّا- وبعد خروجهم، ذلك الهوى كل ما راق لهم منها القومية التي قدسوها وزينوا أمرها لكل الشعوب؛ لتكون العزاء والبديل عن الدين النصراني ورجاله، يقول الندوي:
"ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية ويطرون أدبها ولسانها وثقافتها وتهذيبها، ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانه بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء وتدل بنفسها، وتظن أنها مانعتها حصونها، وما أعدت للحرب، وتنقطع عن العالم وتتحرّش أحيانًا بالدول الكبيرة غرورًا بنفسها، أو تهجم عليها الدول فلا تلبث إلّا عشية أو ضحاها، وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة، ولا يغني أولئك المسئولون عنها شيئًَا {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} 1.
1 سورة الحشر، الآية:16.
وما أصدق ما ذكره الندوي، وما أشدّ انطباقه على كثير من السوقة الذين تبوؤا الحكم في البلدان الإسلامية، وما حوادث العراق الدامية إلّا نموذج للتدليل على مصير أولئك الذين تركوا هدى الله وطلبوه في غيره، ولم يقبلوا على الله وركنوا إلى الذين ظلموا، وأسلموا شعوبهم للذل والهوان وخذلوهم في أحلك المواقف.
ومن الجدير بالذكر أن القومية كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلّا إلى الخلاص من قبضة رجال الدين وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم، ولكن ما أن تَمَّ لهم ذلك الخلاص المنشود حتى انتقلوا نقلة أخرى فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص، إنما تطلّعوا إلى ظلم الآخرين والبغي عليهم واستعمار الضعفاء من الناس واستعبادهم، وحصل من وراء ذلك شر عظيم وفتن عريضة وحروب، ثم انقلب السحر على الساحر فأصبحوا في دوامة القومية التي لا تعقل ولا ترحم، ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين، كلٌّ ينوح على ليلاه، وكل فتاة بأبيها معجبة، فانتعش بينهم فنّ المفاخرات لضرورة الحاجة إليه في ظل القومية التي لم يقم بناؤها في الأساس إلّا على هذا المسلك البغيض في بداية تكوينها في أوروبا.
وبعد أن سار ركب القومية في أوروبا يحطّم بعضه بعضًا كثرت الحروب بينهم نتيجة التعصبات القومية الشعوبية الهوجاء عاد الأسد إلى عرينه، فقام مفكروهم وقادتهم بالدعوة الجادة إلى نبذ القومية وأنها رجعية وليست تقدمية حضارية ويجب نبذها، وإنها تمثل أفكار "هتلر" النازي حين قسَّم العالم على أساس عرقي أفضلهم ألمانيا.
ولأن مسلك التقدم والحضارة لا يتماشى مع مسالك القومية الضيقة، فلفظتها أوروبا لتقبع في أيدي المخادعين والماكرين من النصارى العرب وغيرهم؛ ليتموا حاجة في نفس يعقوب بعد أن بيتوا النية لحرب الإسلام، كما سنذكر ذلك في موضعه.
يقول د. صلاح الدين المنجد: "تنبَّه العرب إلى فكرة القومية في أوائل هذا القرن بعد أن مضى على موتها في أوروبا فترة طويلة بتأثير الغرب"1.
ومما يذكره الباحثون عن القوميات الأوروبية وسبب ظهورها أنَّ البدايات الأولى لظهور القوميات هناك.
كان أثر النزعات التي احتدمت بين رجال الدين الكنسيّ والملوك حول الأحقية بالسيطرة والأمر والنهي، هل هم الملوك فقط، أم رجال الدين فقط، وكاد أن يتمّ الحل بينهم على أن تكون السلطة الأمنية للملوك، والسلطة الروحية للبابوات، إلّا أنَّ الأمور انحدرت إلى هاوية سحيقة كانت هي ثالثة الأثافي، وهو النزاع الشرس الذي نشب بين رجال الدين أنفسهم، وما وقع بين الكنائس من عداوات خرجت تبعاعًا عن الكنيسة الأمّ في روما، وتعصَّبت كل كنيسة لآرائها: كاثوليك، بروتوستانت، إصلاحيات
…
إلخ، وانفلت الأمر وصار الحبل على الغارب، فقام كل فريق بتكوين نفسه ومذهبه، فانتشرت المذاهب والأفكار ومنها قيام القوميات2 على ذلك النحو، وأخذ النزاع طابعًا قوميًّا.
1 تقديم الدكتور المنجد لكتاب "أركان عبادي" محنة القومية العربية" ص5.
انظر فكرة القومية العربية ص290، والمنجد متأثِّر بدعوى القومية العربية مع معرفته بها، ولكنه حجب كغيره ممن حجب عن التمعُّن في معرفة الفوارق الهائلة بين الإسلام والقومية.
2 انظر كتاب "مذاهب فكرية معاصرة" ص559 بتصرف.