المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع: هل حقق الأوربيون مطالبهم في الديمقراطية حقيقة - المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها - جـ ٢

[د. غالب بن علي عواجي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌المجلد الثاني

- ‌الباب العاشر: العلمانية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: حقيقة التسمية

- ‌الفصل الثاني: التعريف الصريح للعلمانية

- ‌الفصل الثالث: نشأة العلمانية وموقف دعاتها من الدين، وبيان الأدوار التي مرَّت بها

- ‌الفصل الرابع: الردّ على من زعم أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين

- ‌الفصل السادس: هل العالم الإسلامي في حاجة إلى العلمانية؟ وأسباب ذلك

- ‌الفصل السابع: انتشار العلمانية في ديار المسلمين، وبيان أسباب ذلك

- ‌الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين

- ‌مدخل

- ‌المسألة الاولى: العلمانية في الحكم

- ‌المسألة الثانية: هل يوجد فرق في الإسلام بين الدين والسياسة

- ‌المسألة الثالثة: العلمانية والاقتصاد

- ‌المسألة الرابعة: العلمانية والعلم والتعليم والاكتشافات والدين

- ‌المسألة الخامسة: العلمانية في السلوك

- ‌الفصل التاسع: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين

- ‌مدخل

- ‌العمل العام عند المسلمين بالعلمانية

- ‌ ظهور الولاءات المختلفة:

- ‌ ظهور أفكار العلمانية كحلول حتمية:

- ‌ الاختلاف في الدراسة والشهادة:

- ‌ ظهور التأثر في الأسماء:

- ‌ الهجوم على اللغة العربية:

- ‌ التأثر في التعليلات:

- ‌ التأثر في الأخلاق:

- ‌ العلمانية والآداب:

- ‌ علمنة الإعلام:

- ‌ تعقيب على ما سبق:

- ‌الباب الحادي عشر: الديمقراطية والشورى ونظرية السيادة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: منزلة الديمقراطية في الحضارة الغربية

- ‌الفصل الثاني: معنى الديمقراطية ونشأتها

- ‌الفصل الثالث: الوصول إلى الغاية

- ‌الفصل الرابع: هل حقق الأوربيون مطالبهم في الديمقراطية حقيقة

- ‌الفصل الخامس: الحكم على الديمقراطية

- ‌الفصل السادس: هل المسلمون في حاجة إلى الديمقراطية الغربية

- ‌الفصل السابع: الديمقراطية والشورى

- ‌الفصل الثامن: حكم من يتمسَّك بالديمقراطية الغربية

- ‌الفصل التاسع: نظرية السيادة

- ‌المبحث الأول: ما هي نظرية السيادة

- ‌المبحث الثاني: أساس قيام نظرية السيادة

- ‌المبحث الثالث: ما مدى صحة نظرية سيادة الشعب

- ‌المبحث الرابع: المسلمون ونظرية السيادة

- ‌المبحث الخامس: حكم السيادة في الإسلام

- ‌الباب الثاني عشر: الإنسانية أو العالمية أو الأممية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: بيان المقصود بالإنسانية أو العالمية أو الأممية

- ‌الفصل الثاني: سبب انتشار دعوى الإنسانية

- ‌الفصل الثالث: أماكن انتشارها

- ‌الفصل الرابع: هل يحقق مذهب الإنسانية السعادة

- ‌الفصل الخامس: هل تحققت دعاوَى الإنسانية بالفعل

- ‌الفصل السادس: هل تقبل الدعوى إلى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين

- ‌الفصل السابع: الإنسانية والمغريات

- ‌الفصل الثامن: الإنسانية والقومية والوطنية

- ‌الفصل التاسع: تناقض دعاة الإنسانية

- ‌الفصل العاشر: زعماء الدعوة الإنسانية

- ‌الفصل الحادي عشر: الإنسانية الحقيقية، والرحمة الصادقة هي في الإسلام

- ‌الباب الثالث عشر: الوجودية

- ‌الفصل الأول: التعريف بالوجودية

- ‌الفصل الثاني: أقسام الوجودية

- ‌الفصل الثالث: ظهور الوجودية وأبرز زعمائها

- ‌الفصل الرابع: من هو سارتر

- ‌الفصل الخامس: الوجودية هي الفوضى

- ‌الفصل السادس: أسباب انتشار الوجودية

- ‌الفصل السابع: الرد على الوجوديين

- ‌الباب الرابع عشر: الروحية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: تعريف الروح

- ‌الفصل الثاني: ظهور الروحية

- ‌الفصل الثالث: إنتشار هذا المذهب

- ‌الفصل الرابع: منزلة فكرة "تحضير الأرواح

- ‌الفصل الخامس: أدلة دعاة تحضير الأرواح

- ‌الفصل السادس: مجمل عقائد الروحيين

- ‌الفصل السابع: حقيقة الروحية وأشهر زعمائها

- ‌الفصل الثامن: الروحية والملاحدة

- ‌الفصل التاسع: قضية الإلهام

- ‌الباب الخامس عشر: القومية

- ‌الفصل الأول: المقصود بالقومية

- ‌الفصل الثاني: دراستنا للقومية

- ‌الفصل الثالث: كيف ظهرت القومية

- ‌الفصل الرابع: متى ظهرت القومية

- ‌الفصل الخامس: كيف تسربت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية

- ‌الفصل السادس: نتيجة ظهور القومية بين المسلمين

- ‌الفصل السابع: ماذا يراد من وراء دعوى القومية

- ‌الفصل الثامن: هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية

- ‌الفصل التاسع: هل تحققت السعادة المزعومة في ظل القومية

- ‌الفصل العاشر: خداع القوميون

- ‌الفصل الحادي عشر: إبطال فكرة القومية

- ‌الفصل الثاني عشر: نقض الأسس التي قامت عليها القومية

- ‌الفصل الثالث عشر: الإسلام والقومية

- ‌الفصل الرابع عشر: مصادر دعم القومية

- ‌الفصل الخامس عشر: أهم مشاهير دعاة القومية العربية

- ‌مصطفى الشهابي:

- ‌محمد معروف الدواليبي

- ‌ جمال عبد الناصر:

- ‌ الخاتمة:

- ‌الباب السادس عشر: الوطنية

- ‌الفصل الأول: بيان حقيقة الوطنية

- ‌الفصل الثاني: القومية والوطنية

- ‌الفصل الثالث: كيف نشأت دعوى الوطنية

- ‌الفصل الرابع: هل نجحت الوطنية في تأليف القلوب

- ‌الفصل الخامس: الإسلام والوطنية

- ‌الفصل السادس: نتائج تقديس الوطنية

- ‌ تعقيب على ما سبق:

- ‌الباب السابع عشر: المذهب الوضعي

- ‌الفصل الأول: حقيقة المذهب الوضعي

- ‌الفصل الثاني: زعماء المذهب الوضعي

- ‌الباب الثامن عشر: الإلحاد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: المراد بالإلحاد

- ‌الفصل الثاني: كما تدرجوا في إظهار الإلحاد

- ‌الفصل الثالث: أقسام الإلحاد

- ‌الفصل الرابع: أسباب ظهور الإلحاد

- ‌الفصل الخامس: هل يلتقي الإسلام مع الأنظمة الإلحادية

- ‌الباب التاسع عشر: الاشتراكية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: معنى الاشتراكية

- ‌الفصل الثاني: أقسام الاشتراكية

- ‌الفصل الثالث: متى ظهرت الاشتراكية

- ‌الفصل الرابع: هل الاشتراكية هي الشيوعية

- ‌الفصل الخامس: مزاعم الاشتراكيين ودعاياتهم

- ‌الفصل السادس: قوانين الاشتراكية

- ‌الفصل السابع: خداع الاشتراكيين في زعمهم أن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام

- ‌الفصل الثامن: كيف غزت الإشتراكية بلدان المسلمين

- ‌الفصل التاسع: دعاة على أبواب جهنم

- ‌الباب العشرون: الشيوعية

- ‌الفصل الأول: دراسة عن الشيوعية

- ‌مدخل

- ‌ تمهيد عام عن الشيوعية:

- ‌المبحث الأول: قيام الشيوعية الأولى بقيادة رجل يسمَّى "مزدك

- ‌المبحث الثاني: من أكاذيب الشيوعيين

- ‌المبحث الثالث: رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى

- ‌المبحث الرابع: زعامة الشيوعية الماركسية

- ‌المبحث الخامس: الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية

- ‌مدخل

- ‌ المادية:

- ‌ الجدلية "الديالكيتك

- ‌ تعقيب:

- ‌ التطور:

- ‌المبحث السادس: التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها

- ‌مدخل

- ‌ مدى صحة الأطوار التي تزعمها الشيوعية:

- ‌ المشاعية البدائية:

- ‌ الرِّق:

- ‌ الإقطاع:

- ‌ الرأسمالية "البرجوازية

- ‌المبحث السابع: التفسير المادي للإنسان

- ‌المبحث الثامن: التفسير المادي للقيم الإنسانية

- ‌المبحث التاسع: حرب الأخلاق والقيم

- ‌المبحث العاشر: القضاء على الأسر

- ‌المبحث الحادي عشر: محاربة الدين

- ‌المبحث الثاني عشر: سبب قيام الحضارة الإلحادية على العداء للدين

- ‌المبحث الثالث عشر: هل يوجد بين الدين والعلم نزاع

- ‌المبحث الرابع عشر: إنكار وجود الله تعالى وتقدس

- ‌مدخل

- ‌ هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى

- ‌ شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى:

- ‌المبحث الخامس عشر: روافد أخرى

- ‌مدخل

- ‌ الإنسان التقدمي:

- ‌ الرجعية والجمود:

- ‌ الخرافة والتقاليد:

- ‌ الحرية والكبت:

- ‌ الإلحاد:

- ‌الفصل الثاني: الاقتصاد في الإسلام وفي المذاهب الوضعية

- ‌المبحث الأول: قضية الملكية الفردية والجماعية

- ‌المطلب الأول: الملكية في الإسلام

- ‌المطلب الثاني: الملكية في المذاهب الوضعية

- ‌المبحث الثاني: رد مزاعم الملاحدة الشيوعيين

- ‌المطلب الأول: رد مزاعمهم في الملكية الفردية

- ‌المطلب الثاني: رد مزاعمهم في نشأة الصراع الطبقي

- ‌تعقيب

- ‌المبحث الثالث: إيضاح بعض الجوانب الاقتصادية

- ‌المطلب الأول: التعريف بعلم الاقتصاد

- ‌المطلب الثاني: مدى أهمية العامل الاقتصادي في حياة الإنسان

- ‌المطلب الثالث: أهمية دراسة الأحوال الاقتصادية

- ‌المطلب الرابع: الغزو الفكري عن طريق الاقتصاد

- ‌المطلب الخامس: المال في الإسلام

- ‌المطلب السادس: وجود الموارد وندرتها

- ‌المطلب السابع: مدى صحة تعليل أصحاب النظام الوضعي للمشكلة الاقتصادية

- ‌المطلب الثامن: تنظيم الإسلام للشؤون المالية وطريقة معالجته لمشكلة الفقر

- ‌المبحث الرابع: التكافل في النظم البشرية

- ‌المطلب الأول: التكافل في الرأسمالية

- ‌المطلب الثاني: التكافل في النظام الشيوعي

- ‌المراجع:

- ‌قائمة بأسماء بعض المراجع:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌الفصل الرابع: هل حقق الأوربيون مطالبهم في الديمقراطية حقيقة

‌الفصل الرابع: هل حقق الأوربيون مطالبهم في الديمقراطية حقيقة

؟

لا شكَّ أن ما سبق ذكره يعتبر مكاسب هائلة وفي غاية الروعة -لو طبقت كما قيل عنها، ولكن الواقع أن المتسلِّطين من الجبابرة لم يكونوا ليسمحوا بتحقيق كل ذلك طواعيةً وعطفًا لو لم توجد الصحوة الأوربية على استبداد مظالم جبابرة الإقطاع والبابوات التي هزتهم هزًّا عنيفًا، على أنهم في الواقع وصلوا إلى خير مما كانوا عليه، مع أنهم لم يصلوا إلى المدى الذي كان يجب أن يقفوا عنده، فلازالت المظالم، ولا زال للجاه حكمه؛ لأن هذا الأمر لا بُدَّ من وقوعه حينما يعتقد المسيطرون القوة الذاتية التي تراقب الله تعالى، تعلم أنها ستحاسب أمامه عز وجل عن كل ما يصدر عنها من قول أو فعل؛ إذ أن قوة القانون لا تصل إلى الضمير ولا تحُدّ من الطغيان إلّا قليلًا ظاهرًا، وحسب المصالح ووجود القوة الرادعة، فإن طبيعة الإنسان -لو لم تهذب بالدين- دائمًا تجنح إلى الاستعلاء وجمع المال وإحاطة النفس بأقصى الحماية، حتى ولو تَمَّ ذلك على حساب الغير، وهو ما وقع فعلًا في الديمقراطية الغربية، رغم تلك المظاهر السابقة كلها أن الديمقراطية لم تستطع محاسبة الجشعين المنتفعين بالأموال الربوية على حساب الكادحين، ولم تستطع أن تجعل من الرأسمالي محسنًا كريمًا يبذل ما يبذله لوجه الله، لا يريد جزاءً ولا شكورًا، وهؤلاء المرابون يمثلون الإقطاعيين بكل المقاييس، فلا فرق بينهم إلّا في التسمية والأشخاص.

ص: 774

كذلك لم تستطع الديمقراطية أن توجد نظامًا اقتصاديًّا يتكافل فيه جميع أفراد الشعب، فلا يبقى فيه حاسد أو محسود، وأن توجد عدلًا وإحسانًا لذاتهما لا لأجل المنافع كما في الديمقراطية الغربية، ولا أن توجد نظامًا يكفل للأخلاق بقاءها، وللطهارة رونقها، وللنفوس سعادتها الاقتصادية والنفسية.

كما أنَّ الشعب وهو الذي أوجد الديمقراطية في الظاهر، وألقى نظام الإقطاع والسيادة الإلهية التي مثَّلها البابوات، إلّا أنه من جانب آخر إنما تَمَّ له ما يشبه عملية الاستبدال فقط، فقد أصبحت الشعوب تحكم بإقطاعيين جُدُد، ليسوا هم طبقة الإقطاعيين ولا البابوات الذين كانوا في العصر السابق، وإنما جماعة أصحاب الثراء يمثِّلون الشعب في مجالسهم، لم يختلف أكثرهم عن الإقطاعيين والبابوات إلّا في التسمية الجديدة المغرية، أمَّا في السيطرة وفي حفظ مصالحهم الاقتصادية وثراءهم المتنامي دائمًا -هم حماة الشعب وحماة حريته واقتصاده، ولهذا فلا يجوز أن تتطرَّق إليهم الشبهة؛ لأن زمن الإقطاعيين والبابوات قد ولَّى وجاء حكم الشعب نفسه بنفسه بواسطة هؤلاء الجدد المنتخبين بكل نزاهة وحرية، الساهرين على مصالحه دائمًا؟!

ومن خدع الرأسمالية وأصحاب الجاه والسلطة في السيطرة على الشعوب باسم الديمقراطية وباسم الحرية التي منحتها لهم الديمقراطية في ظاهر الأمر، أنهم يوحون إلى شعوبهم أن الشعوب هم الذين يختارون ما يريدون، ويتركون ما يريدون، ويصوتوا لمن يريدون، ويسقطون من يريدون، دون أن تدخل من السلطة العليا التي بيدها الحكم النهائي.

ص: 775

هكذا صوروا الأمور لشعوبهم، ولكن يبقى السؤال الذي غاب جوابه، وخفي على عامَّة شعوبهم، وهو من أين تأتي هذه الأصوات، ومن أين تاتي هذه التوجيهات الفكرية التي تتلقَّفها الشعوب فتثور أو تهدأ بفعل تأثيرها، لقد غاب عن الكثيرين أنَّ الذين يوجِّهون الشعوب هم السلطة العليا التي تتظاهر ببعدها عن التدخل في إرادة الشعب واختياره، نعم، هم الذين يوجّهونهم كما يوجّه السائق سيارته إلى الجهة التي يريدها، وهذا التوجيه يتمُّ عبر الوسائل الكثيرة التي تملكها السلطة العليا من صحافة وإذاعة مرئية ومسموعة، ومن مفكرين يعملون لحسابها، ومن دعايات تصنع وتنشر بمعرفتها، ومعلوم أن تلك الوسائل كلها تقع تحت إشراف السلطة العليا، إمَّا بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر، فإذا كان القائمون على تلك الوسائل من موظفي الدولة فالأمر واضح، وإذا كانوا مستقلين فإنهم لا يستطيعون الاستقلال التامِّ بها إلّا بمساعدة الدولة لهم وحمايتها لهم، ومن السَّهل بعد هذا أن تتحكَّم الدولة في اتجاهاتهم، فإذا أرادت الدولة أن تنفذ أمرًا من الأمور مهَّدت له تلك الوسائل بعدة طرق رويدًا رويدًا، حتَّى يتمَّ لفت نظر الشعب لذلك، ثم يأخذ في متابعة الأمر حتى يتخيل الشعب أنهم هم أصحاب تلك الفكرة، وأن على الدولة أن تستجيب لهم وتحقق رغبتهم فقط، وقد لا يعلم إلّا النزر اليسير من الناس أنهم إنما يحققون رغبة أصحاب السلطة أو النفوذ، ولا يعلمون أن مصدر تلك الفكرة وذلك الهياج الشعبي إنما كان ممن بأيديهم الفكر والتوجيه، كما أن لوسائل الإعلام من الحيل والخداع ما لا يدركه الشخص العادي، فإنهم لا يأتون إلى ما

ص: 776

يريدونه وينتزعونه من قلوب الناس انتزاعًا أو يثبتونه فورًا، وإنما يمهدون له بطرق كثيرة وفي خط مدروسة مبيَّتة، إلى أن تتبناه الجماهير من الناس، حتى أصبح وكأنَّه أمر فطري مسلَّم لا يجوز رده أو الشك فيه1.

ومن العجيب أن تتوّج تلك المكائد كلها بأنها نابعة عن إرادة الشعب واختياره، بينما يكون عامَّة الشعب -إلّا النزر اليسير- في بعد تامٍّ عن حقيقة ما يجري، وأنَّى لرجل يفكر بلقمة العيش فقط فلا يجدها إلّا بصعوبة بالغة، أو لرجل يفكر في ما حوله من الملهيات المتأثرة أمامه في كل اتجاه، أنَّى له أن يدرك الغايات البعيدة لأصحاب الخطط البارعة.

نعم، أنَّى لمثل هؤلاء أن يفكروا بعمقٍ ليصلوا إلى معرفة حقائق الأمور، ومعرفة مَنْ الذي يسيِّرُ هذه الجماهير الصاحبة، ومعرفة ما هي المكاسب التي ستعود عليهم من جرَّاء ذلك، وما هو دور أصحاب التوجيه من خلف الستار في تلك القضايا، إنهم بطبيعة الحال لا يجدون الوقت الكافي للتفكير حتى من كان منهم أهلًا لذلك، وذلك بسبب ملأ فراغ وقت الجميع في آنٍ واحد مَنْ كان مشتغلًا بالكدِّ والجد، ومن كان مشتغلًا باللهو والفجور، فكل شخص يمشي مكبًّا على وجهه لا يفكر إلّا في نفسه، وبالتالي يجد أصحاب الكواليس الفرص الكثيرة للتأثير في الشعوب وفي اتجاهاتهم وسهولة قيادتهم، وما دام هؤلاء المنتفعون قد فقدوا الرحمة والإحساس بالآخرين، ولا توجد مخافة الله ومراقبته الكافية فيهم، فأي مكاسب سيحصل عليها الغوغاء، وأيّ تفكير

1 وقد ضرب الأستاذ محمد قطب أمثلة بتوسّع تبيِّن ذلك في كتابه "مذاهب فكرية معاصرة" ص206.

ص: 777

سيستقلون به وبتنفيذه، اللهمَّ إلّا بقدر ما يسد رمقهم، ويلهيهم عن طغيان السلطات المتقنعة بالمديمقراطية التي تتظاهر بأن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه دون تدخُّل من أحد، وهو بالأصح يحكم من أصحاب النفوذ والجاه في كل صغيرة وكبيرة تحت ذلك الغطاء السميك الشرعية الشعبية المزعومة.

أما بالنسبة للبرلمانات المنتخبة عن طريق شعار الديمقراطية، فلا تسأل عن الحيل والخدع التي تجري سرًّا وجهرًا في أماكن الانتخابات، فمن المعروف أن النَّاس لا يذهبون إلّا إلى مَنْ عنده ذهب، كما قال أحد الشعراء:

رأيت الناس قد ذهبوا

إلى من عنده ذهب

ومن لا عنده ذهب

فعنه الناس قد ذهبوا

إذ يحتاج العضو الذي ينتخب إلى مال يتودَّد به إلى ناخبيه، وإلى إظهار بعض الإصلاحات التي سيفعلها في حال فوزه، ومتى لم يكن عنده مال انقشع الناس عنه وتناسوه؛ لأنَّ العامّة لا تنظر إلى الكفاءة الحقيقة من المعرفة والجرأة والنصح والإخلاص؛ لأنها غير منظورة، وإنما ينظرون إلى الإنجاز المادي المشاهد، فكم من شخص عنده من الكفاءة ولم ينتخب، بما لا يقارن به الكثير ممن تَمَّ انتخابهم.

وإذا كان المنتخبون من ذوي الجاه والثراء، فما الذي يشغل قلوبهم على عامَّة الشعب الفقراء والمساكين، وقد فقدوا مراقبة الله تعالى أولًا وأحسوا

ص: 778

أنهم أصحاب سلطة وتوجيه يجب على الشعب السمع والطاعة لهم، وإلّا كانوا عصاة يجب تأديبهم وزجرهم عن التفكير في الوصول إلى مصالح السلطات الحقيقية، أو الامتيازات الممنوحة لهم بفضل القوانين التي دوَّنوها هم أيضًا، كما أنَّه على افتراض أنَّه وجد شخص مخلص لشعبه، وجرئ في محاجة أصحاب السلطة والجاه، فليس أمامه إلّا خيارين: إمَّا أن يمشي مع المجموعة العامَّة للنواب في الصحيح وفي الغلط، وإمَّا أن يعتزل ويذهب بنفسه، أو هم يذهبون به تحت أيّ مبرر من المبررات الكثيرة التي يجيدون طبخها في الظلام.

أما الحرية التي كفلتها الديمقراطية فإنها تظهر أكثر وضوحًا في حرية الإلحاد وإظهار الفجور، وحرية معارضة ما لا يتفق ورغبات أصحاب التوجيه، وبحيث لا يمس مصالحهم أبدًا، ولا تسأل بعد ذلك عن حرية الجنس وما ضمنته قوانين الديمقراطية الجديدة خليفة الإقطاع والبابوات بعد الإطاحة بهم ظاهرًا، وقد عبَّر المتظاهرون في الصين ضد الحكم الشيوعي الملعون بلافتات كتبوا عليها "ليس عندنا من الحرية إلّا حرية الجنس" كما سمعته من إذاعة لندن، ولأنَّ إغراق العامة في متاهاته وفي انتشار الخمور والمخدرات والملهيات بجميع أنواعها، هو أقوى ضمان لبقاء أصحاب الجاه والتوجيه المنحرف في الحكم واستعباد الشعوب التي لا تملك حولًا ولا قوة إزاء تلك الأوضاع البائسة.

ص: 779

تعقيب:

بغَضِّ النظر عن الدعاية الرنَّانة للديمقراطية نقول: نعم بكل وضوح أن الديمقراطية لم تحقق العدالة الاجتماعية، ولم تحقق كذلك الحيلولة دون استعباد الأغنياء للفقراء، ولم تلحقهم بالطبقة العليا أصحاب الجاه والنفوذ، بل إنها أصبحت الوجه الآخر للدكتاتورية القديمة، ولكنها تحت ثوب ناعم، أو كالنار تحت الرماد.

كما أنَّ طريقتهم للانتخابات تدل على أن الفقراء والضعفاء لا يزالون كما كانوا في عهود الإقطاع، فهم لا يستطيعون بذل تلك الأموال الضخمة لدعاية الانتخابات وشراء الضمائر بسبب فقرهم، فيبقى المجال مفتوحًا للأغنياء وأصحاب الجاه والمال وحدهم، وليس للفقير إلّا السير في ركاب رؤساء الحزب الذي يؤيده، وقد يغلب هذا الحزب أو ذلك لمجرد الهوى، أو الأغراض النبيلة أو الفاسقة، فالكل قابل لذلك، فيعود نظام الاحتكار والإقطاع في داخل الحزب الواحد، ولكنه لا يسمَّى بتلك التسمية في عهد فن الدعاية.

وإذا كان البرلمان وهو ممثِّل الشعب، فإنه يمكن الالتفاف عليه بكل بساطة، ثم انتخاب الشعب لبرلمان آخر، وبعد العناء المضني فإنه من السهل حلَّه من قبل رئيس الدولة بأيَّ سبب كان حقًّا أو باطلًا وأحيانًا يتمَّ حله إذا كان أعضاؤه من ذوي الطموح والرغبة في خدمة الشعب، دون النظر إلى خزينة الدولة أو توفير المال، فيحصل النزاع القوي بين وجهاء الدولة ومؤسساتها، وبين طموح البرلمان وبين وزارة الاقتصاد والمال، أو بين البرلمان والبلديات، أو بين البرلمان وأيَّة مؤسسة ولو كان دعاية، بل وأحيانًا يكون القصد الخلاف

ص: 780

التهريج وذرّ الرماد في العيون وفق خطط مدرسة سلفًا، فتعود السلطة في النهاية إلى حكم الفرد الإقطاعي الجديد، وهو رئيس الدولة أو البابا في الزمن القديم، وتحت عنوان "حصاد الديقراطية" في مقالة الشيخ "خالد فوزي آل حمزة" في كتيبه "الديمقراطية في العراء" يذكر أنه في عام 1700م كانت النسبة بين الدول الفقيرة والدول الغنية هي 1: 3، وهذه النتيجة كانت قبل أن يعرف الناس الديمقراطية ذات النفاق والخداع المشروع في وسائل الوجهاء والساسة، ولكنَّها بعد مجيء الديمقراطية كانت النسبة هي "1: 100" بفضل الديمقراطية، فيما ذكره أحد مفكري الغرب وهو "لستر براون"1.

وذكرت مجلة غربية عن ضابط شرطة في أمريكا اسمه فريد نيكسون في ولس أنجلوس إحصائية الجرائم لعشرة أشهر في عام 1990من وحتى أكتوبر منه، فإذا هي 805 جريمة قتل، 1633 جريمة اغتصاب بُلِّغَ عنها، والعادة أن أكثر النساء لا يبلغن عنها، 28115 اعتداء مسلح، 36065 اعتداء إشارة، 259883 سرقة سيارات وسرقات عامة ومخدارات، أي: إنها بمعدل 30 جريمة كل ساعة، وبمعدل 720 جريمة يوميًّا في مدينة واحدة أمريكية، والفضل للديمقراطية؟! بل وأصبح التخويف من اللصوص وقطّاع الطرق أمرًا معترفًا به رسميًّا؛ حيث أصبح من المألوف مشاهدة لوحات يكتب عليها في أول الطريق هذا التحذير "ننصحك ألّا تبتعد في هذا الطريق لئلَّا تعرض نفسك للخطر"2 أضف إلى هذا ما يئن منه المجتمع الغربي الديمقراطي من

1 انظر الديمقراطية في العراء، ص13.

2 المصدر السابق، ص12-13.

ص: 781

ظهور الناس على طبقات تسودها الأحقاد ومبادئ "مَنْ عَزَّ بَزَّ، ومن غلب استلب" لخواء ضمائرهم من مراقبة الله عز وجل، فأين المكاسب في هذا؟ كما أن الحرية التي كلفتها الديمقراطية إمَّا تظهر بوضوح كما تقدَّم في إشاعة الجنس والانحراف والخمور وكل ما من شأنه عدم المساس بالمصالح الحقيقية لأصحاب السلطة والتوجيه المنحرفين، كما اتضح أن الحرية التي يتباهى بها دعاة الديمقراطية ليست هي الحرية ذات الاتجاه السليم، التي ليس فيها ضرر ولا ضرار؛ لأن الحرية الحقيقية هي التي تضمن للإنسان كرامته وسعادته، وتجعل عمله كله صالحًا نافعًا، وهي الحرية التي فطر الله الناس عليها من الحياء والعفة والرحمة والعدل، فلا ضرر فيها ولا ضرار، يسلم فيها الإنسان من ظلم غيره، سواء أكان ظلمًا باللسان فلا غيبة ولا نميمة ولا شهادة زور ولا قذف.

أو كان ظلمًا باليد، فلا بطش بها بغير حق واضح، ولا كتابة فيها بظلم الآخرين، وهي الحرية التي تضمن لنفسك حقها عليك، وتضمن لأهلك حقوقهم عليك، وتضمن حقوق الجميع وصيانة أعراضهم وأنسابهم ونفوسهم وعقولهم وأموالهم، وليعلم كل من له عقل أن تلك الحرية لا وجود لها إلّا في ظل الإسلام، وأمَّا تلك الحرية التي تمنحها الديمقراطية فهي حرية البهائم الجامحة، لا حرية الإنسان الذي كرَّمه الله وشرَّفه على جميع موجودات الأرض.

ص: 782