الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصلٌ [في أحكام معنوية للموصى به]
تَصِحُّ بِمَنَافِعِ عَبْدٍ وَدَارٍ وَغَلَّةِ حَانُوتٍ، وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، وَأَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ، وَكَذَا مَهْرُهَا فِي الأَصَحِّ، لَا وَلَدٌ فِي الأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالأُمِّ؛ مَنْفَعَته لَهُ، وَرَقَبَته لِلْوَارِثِ،
===
(فصل) في الأحكام المعنوية: (تصحُّ بمنافع عبد ودار وغلّةِ حانوت) مؤبدة، ومؤقتة، ومطلقة؛ لأنها أموال مقابلة بالأعواض، فكانت كالأعيان، والإطلاق يقتضي التأبيد، وقد ذكر المصنف في أوائل الباب: الوصية بالمنافع (1)، وإنما أعادها؛ لأجل ترتيب الأحكام الآتية عليها.
(ويملك الموصى له منفعة العبد، وأكسابَه المعتادة) كاحتطاب، واصطياد، وأجرة حرفة ونحوها؛ لأنها أبدال المنافع الموصى بها، أما النادرة؛ كاتهابه والتقاطه .. فلا يملكها على الأصحِّ؛ لأنها لا تقصد بالوصية.
(وكذا مهرها في الأصحِّ) أي: مهر الموصى بمنفعتها إذا وجبت بنكاح أو وطء شبهة؛ لأنه من فوائد الرقبة؛ كالكسب، وتبع في هذا التصحيح "المحرر"، ولم يصرحا بتصحيح في "الروضة" و "أصلها" بل نسبا هذا لقطع العراقيين والبغوي، ومقابله -وهو كونه لورثة الموصي-: للمراوزة وقطع المتولي وتصحيح الغزالي، ثم قالا: وهو الأشبه، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر؛ لأنه بدل منفعة البضع، وهي لا يوصى بها، فلا تستحق بالوصية بدلها، قال في "المهمات": والراجح نقلًا: ما في "المحرر"، واختاره السبكي (2).
(لا ولد)(3) من نكاح أو زنا (في الأصحِّ، بل هو كالأم؛ منفعته له، ورقبته للوارث) لأنه جزء الأم، والثاني: يملكه الموصى له؛ كالموقوفة.
(1) منهاج الطالبين (ص 352).
(2)
المحرر (ص 274)، روضة الطالبين (6/ 187)، الشرح الكبير (7/ 111)، المهمات (6/ 368).
(3)
في (ز) و (و): (لا ولدها).
وَلَهُ إِعْتَاقُهُ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، وَكَذَا أَبَدًا فِي الأَصَحِّ، وَبَيْعُهُ إِنْ لَمْ يُؤَبِّدْ كَالْمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ أَبَّدَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ تُعْتبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا مِنَ الثُّلُثِ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا،
===
وفرق الأول: بأن الملك في الموقوفة أقوى؛ ولهذا يملك الرقبة على قول فقوي الاستتباع، بخلاف هنا.
(وله إعتاقه) أي: للوارث إعتاق العبد الموصى بمنفعته ولو مؤبدًا؛ لأن رقبته خالص ملكه، ومحل عتقه: في التبرع، فلو أعتقه عن الكفارة .. لم يجز عنها في الأصحِّ؛ لعجزه عن الكسب؛ كالزمن، وليس له كتابته على الأصحِّ؛ لاستحقاق أكسابه، وإذا أعتقه .. فالصحيح: بقاء الوصية بحالها؛ كالإجارة.
(وعليه) أي: على الوارث (نفقته إن أوصى بمنفعته مدة) لأنه مالك الرقبة؛ كما إذا أجر عبده.
(وكذا أبدًا في الأصحِّ) لما قلناه، فإن شق عليه .. فخلاصه: أن يعتقه، والثاني: أنها على الموصى له؛ كالزوج، والفطرةُ كالنفقة.
(وبيعُه إن لم يؤبِّد كالمستأجَر) أي: بيع الموصى بمنفعته مدة؛ كبيع العين المأجورة، فيصحُّ في الأظهر، والجامع: استحقاق المنفعة مؤقتة، قال في "المطلب": ويظهر تقييد الخلاف بما إذا كانت المدة معينة، فإن كانت مجهولة؛ كحياة زيد .. فيتعين القطع بالبطلان.
(وإن أبّد .. فالأصحُّ: أنه يصح بيعه للموصى له دون غيره) إذ لا فائدة له فيه، والثاني: يصحُّ مطلقًا؛ لكمال الملك فيه، والثالث: لا يصحُّ مطلقًا؛ لاستغراق المنفعة بحقِّ العين، ونقله القاضيان أبو الطيب والحسين عن الأكثرين، وقالا: إنه المذهب.
(وأنه تعتبر قيمة العبد كللُّها) رقبة ومنفعة (من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدًا) لأنه حال بينه وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف، الا ترى أن الغاصب يضمن بها؟
والثاني: يعتبر ما نقص من قيمته؛ إذ لا بدَّ أن تبقى له قيمة طمعًا في إعتاقه، وولائه، ولبقاء الرقبة للوارث، فلا معنى لاحتسابها على الموصى له، وصححه
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُدَّةً .. قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ مَسْلُوبَهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ. وَتصِحُّ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فِي الأَظْهَرِ، وَيُحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ أَوِ الْمِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَمِنَ الْمِيقَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَحَجَّةُ الإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَال أَوِ الثُّلُثِ .. عُمِلَ بِهِ،
===
الغزالي وطائفة، فعلى هذا: تحسب قيمة الرقبة على الوارث على الأصحِّ.
مثاله: أوصى بعبد قيمته بمنافعه مئة وبدونها عشرة؛ فعلى الأول .. تعتبر المئة من الثلث، ويشترط: أن يكون له مئتان سوى العبد، وعلى الثاني .. المعتبر تسعون فقط، فيشترط: أن يبقى للورثة ضعف التسعين مع العشرة على وجه، ودونها على وجه.
(وإن أوصى بها مدة .. قوِّم بمنفعته ثم مسلوبَها تلك المدة، ويحسب الناقص من الثلث) لأن الحيلولة بعرض الزوال؛ فإذا قوّم بالمنفعة بمئة ثم بدونها تلك المدة بثمانين .. فالوصية بعشرين هذا أصحُّ الطرق، وقيمة الرقبة هنا محسوبة من التركة قطعًا، والطريق الثاني: طرد الخلاف في الوصية المؤبدة، والئالث: أنا إن اعتبرنا هناك ما بين القيمتين .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أحدهما: التفاوت، والثاني: الرقبة.
والرابع: أن المعتبر من الثلث: أجرة مثل تلك المدة، وذكر العبد مثال؛ فإن منفعة الدار وثمرة البستان كذلك.
(وتصحُّ) الوصية (بحجِّ تطوُّع في الأظهر) الخلاف مبني على جواز النيابة فيه، والأظهر: الجواز؛ لأنه عادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها؛ كأداء الزكاة، وهو محسوب من الثلث؛ كسائر التبرعات، والعمرة في ذلك كالحج.
واحترز بالتطوع: عن الفرض؛ فيصحُّ قطعًا.
(ويُحجُّ من بلده أو الميقات كما قيَّد) عملًا بوصيته، (وإن أطلق .. فمن الميقات في الأصحِّ) حملًا على أقلِّ الدرجاتِ، والثاني: من بلده؛ لأنه العرف فيه.
(وحجة الإسلام من رأس المال) وإن لم يوص بها على المشهور؛ كسائر الديون، والحجة المنذورة كحجة الإسلام.
(فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث .. عُمل به) وهو في الأولى تأكيد؛ لأنه
وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا .. فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الثُّلُثِ، وَيُحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَلِلأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ
===
المفعول بدونها، وفي الثانية قصد الرفق بالورثة، وفائدة جعلها من الثلث: مزاحمة الوصايا، فيقسم الثلث بينها بالسوية، ويكمل الواجب من رأس المال؛ فإن لم يكن غير الوصية بالحج .. فلا فائدة في قولهم:(تعتبر من الثلث) لأنه يجب قضاؤه على كلِّ تقدير.
(وإن أطلق الوصية بها .. فمن رأس المال) كما لو لم يوص، وتحمل الوصية بها على التأكيد والتذكار بها، (وقيل: من الثلث) لأنها من رأس المال، فوصيته بها قرينة دالة على أنها من الثلث؛ إذ هو مصرف الوصايا، وهذا قول لا وجه، فكان الصواب أن يقول:(وفي قول).
(ويُحجُّ من الميقات) أي: ميقات بلده؛ لأنه لو كان حيًّا .. لم يلزمه سواه، ولا يخرج من ماله إلا ما كان مستحقًّا عليه.
(وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصحِّ) كقضاء دينه، والثاني: المنع؛ لافتقاره إلى النية فلا بدَّ من استنابة، وصححه المصنف في نظيره من الصوم في (كتاب الصيام) (1) لكن فرق: بأن للصوم بدلًا وهو الأمداد.
وقوله: (بغير إذنه): ظاهره: إذن الميت، ويشترط: كون إذنه في حال جواز الاستنابة، وقال ابن الملقن: أي: بغير إذن الوارث، وكذا صورها في "الروضة" و"أصلها"، وهو صحيح أيضًا؛ فإنه يصحُّ بإذن الوارث، قطعًا (2).
قال الأَذْرَعي: وحينئذ ينبغي أن يقال: (بغير إذن) ليشمل إذنه وإذن الوارث والحاكم حيث لا وارث.
واحترز بقوله: (بغير إذنه): عما إذا أذن هو أو وارثه .. فإنه يجوز قطعًا.
وبالأجنبي: عن الوارث .. فإنه يجوز له جزمًا، هذا كلُّه في حجِّ الفرض، أما التطوع .. فقال العراقيون: إن لم يوص به .. لم يصحَّ عنه، ونقل المصنف في "شرح
(1) منهاج الطالبين (ص 184).
(2)
عجالة المحتاج (3/ 1102)، روضة الطالبين (6/ 200)، الشرح الكبير (7/ 127).
وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتّبَةٍ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتِقُ أَيْضًا، وَأَنَّ لَهُ الأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ،
===
المهذب" هناك الاتفاق عليه، مع حكايته هنا تبعًا للرافعي عن السَّرَخْسي: أن للوارث الاستنابة، وأن الأجنبي لا يستقل به على الأصحِّ (1).
(ويؤدي الوارث عنه) من التركة (الواجب المالي في كفارة مرتبة) ككفارة القتل والوقاع والظهار.
والمراد بـ (الواجب المالي): العتق أو غيره، ويكون الولاء للميت إذا أعتق.
واحترز بـ (المالي): عن البدني، كالصوم وهو بناء على الجديد، وسبق أن المختار: القديم في أنه يؤديه عنه أيضًا.
(ويطعم ويكسو) من التركة (في المخَيَّرة) ككفارة اليمين، [ونذر اللجاج، وتحريم عين الأمة](2). و (الواو) في (ويكسو) بمعنى (أو).
(والأصحُّ: أنه يعتق أيضًا) كالمرتبة، لأنه نائبه شرعًا، فإعتاقه كإعتاقه، والثاني: لا؛ لأن فيه إلحادتى الولاء بالميت، ولا ضرورة إليه.
(وأن له) أي: للوارث (الأداء من ماله إذا لم تكن تركةٌ) سواء العتق وغيره، كقضاء الدين، والثاني: المنع، لبعد العبادة عن النيابة، والثالث: يمتنع الإعتاق فقط، لبعد إثبات الولاء للميت.
وقوله: (إذا لم تكن تركة): يفهم منعه عند وجود تركة، وقال السبكي: إن الذي يظهر جواز الأداء من ماله مع وجود تركة، قال: ثم رأيت في "البيان" ما يوافقه، وفي كلام الرافعي ما يخالفه بحثًا، فإنه قال: يشبه أنه كالأجنبي، ونازعه السبكي فيه (3).
(وأنه يقع عنه لو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة) على الأصحِّ، كقضاء الدين،
(1) المجموع (7/ 81)، الشرح الكبير (7/ 127)، روضة الطالبين (6/ 200).
(2)
ما بين المعقوفين زيادة من (ز).
(3)
البيان (8/ 316)، الشرح الكبير (7/ 128 - 129).
لَا إِعْتَاقٍ فِي الأَصَحِّ. وَينْفَعُ الْمَيْتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ.
===
والثاني: لا؛ لبعد العبادة عن النيابة.
(لا إعتاق في الأصحِّ) لاجتماع عدم النيابة، وبعد إثبات الولاء للميت، والثاني: يقع عنه؛ كالوارث، وتابع "المحرر" في هذا الترجيح، وليس في "الشرحين" و"الروضة" هنا ترجيح بل قالا: قيل على الوجهين؛ أي: في تبرعه عنه لغيره (1).
وقيل: بالمنع قطعًا، لكن في "الروضة" و"أصلها" في (باب كفارة اليمين) تصحيح المنع في المخيرة، والجواز في المرتبة؛ بناء على إحدى العلتين في المخيرة، وهي سهولة التكفير بغير الإعتاق (2).
(وينفع الميتَ صدقةٌ ودعاء من وارث وأجنبي) بالإجماع؛ كما نقله المصنف وغيره؛ لقوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} فدل على أن هذا ينفعهم، وفي "الصحيح":"أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ"(3).
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الله يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ"(4).
وفي الصحيحِ: (أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؛ قال: "نعَمْ" قال: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "سَقْيُ الْمَاءِ")(5).
وشمل إطلاقه الصدقة: الوقف، وذكر صاحب "العدة": أنه لو أنبط عينًا، أو حفر نهرًا، أو غرس شجرًا، أو وقف مصحفًا في حياته، أو فعله عنه غيره بعد موته ..
(1) المحرر (275)، الشرح الكبير (7/ 128)، روضة الطالبين (6/ 201).
(2)
روضة الطالبين (11/ 26)، الشرح الكبير (12/ 279).
(3)
أخرجه مسلم (1631) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
المسند (2/ 509)، وأخرجه ابن ماجة (3660).
(5)
أخرجه النسائي (6/ 255)، وأحمد (6/ 7)، والشطر الأول من الحديث عند البخاري برقم (2760).