الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ القِراض
الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ: أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ وَالرِّبْحُ مُشْتَرَكٌ. وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ: كَوْنُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى تِبْرٍ وَحُلِيٍّ وَمَغْشُوشٍ وَعُرُوضٍ.
===
(كتاب القراض)
القراض لغة أهل الحجاز، مشتق من القرض وهو: القطع؛ لأنَّ المالك قطع للعامل قطعةً من ماله يتصرف فيها، أو قطعة من الربح، أو من المقارضة وهي: المساواة؛ لتساويهما في الربح.
وأهل العراق يسمونه مضاربة؛ لأنَّ كلًّا منهما يضرب بسهم في الربح، ولما فيه غالبًا من السفر، والسفر يُسمَّى ضربًا، وقد جمع المصنف بين اللفظين فقال:
(القراض والمضاربة: أن يدفع إليه مالًا ليتجر فيه والربح مشترك) هذا حدُّه شرعًا.
وهو مجمع عليه، وضارب عليه الصلاة والسلام لخديجة بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها مَيْسَرة (1).
ونبه المصنف بلفظ الدفع: على أنَّه لا يصحُّ على الدين، سواء أكان على العامل أم على غيره.
واحترز بقوله: (والربح مشترك) عن الوكيل والعبد المأذون.
(ويشترط لصحته: كون المال دراهم أو دنانير) خالصة، بإجماع الصحابة، قاله في "الروضة"(2)، ويجوز أن يكون دراهم ودنانير معًا.
(فلا يجوز على تبر وحلي ومغشوش وعروض) مثلية أو مُتقوِّمة، ولا على منافع؛ كسكنى الدار؛ لأنَّ القراض عقد مشتمل على إغرار؛ إذ العمل غير مضبوط، والربح غير موثوق به، وإنما جوز للحاجة، فيختصُّ بما يسهل التجارة عليه، ويروج غالبًا، وهو الأثمان.
(1) أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(1/ 130)، وانظر "سيرة ابن هشام"(1/ 188).
(2)
روضة الطالبين (5/ 117).
وَمَعْلُومًا مُعَيَّنًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى إِحْدَى الصُّرَّتَيْنِ. وَمُسَلَّمًا إِلَى الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ كَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَلَا عَمَلِهِ مَعَهُ،
===
وإنما منع في المغشوش؛ لأنَّ الغِشَّ لو ميز ثمَّ قارضه عليه وعلى الخالص. . لم يصحَّ، فكذلك إذا كانا مختلطين.
والمغشوش داخل في الدراهم والدنانير، فلا يصح عدُّه من جملة ما احترز عنه بهما، وإنما يحترز عنه بالخالص، ولم يذكره أولًا، وسواء راجت المغشوشة وعلم ما فيها من الخالص وجوزنا التعامل بها أم لا.
وقيل: يجوز إذا راجت؛ اعتبارًا برواجها، قال السبكي: وعليه عمل الناس، والحاجة داعية إليه، وقال الجرجاني: محلُّ المنع: إذا كان الغِشُّ ظاهرًا، فإن كان مستهلكًا. . جاز؛ لأنه كالمعدوم.
(ومعلومًا) قدرًا، وصفة، فلا يجوز على دراهم مجهولة القدر أو الصفة؛ للجهل بالربح، بخلاف رأس مال السلم؛ لأنه لم يوضع على الفسخ، بخلافه.
(معينًا) فلو قال: (علي ألف درهم)، ولم يعينه. . لم يصحَّ، فإن عينه في المجلس. . فقضية كلام الكتاب: عدم الصحة، لكن قضية كلام "الروضة" و"أصلها": الصحة (1)، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير".
(وقيل: يجوز على إحدى الصرتين) بأن أحضرهما وفي كلٍّ منهما ألف مثلًا، وقال:(قارضتك على إحداهما) لتساويهما، والأصحُّ: المنع؛ لعدم التعيين؛ كما في البيع.
وضبط المصنف بخطه الصرتين بتشديد الراء بعد الصاد المهملة.
(ومسلَّمًا إلى العامل) بحيث يستقلُّ باليد عليه والتصرف فيه.
(فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك) ويوفي الثمن إذا اشترى العامل شيئًا؛ لأنه قد لا يجده عند الحاجة.
(ولا عملِه) أي: عمل المالك (معه) لأنَّ وضع القراض: مالٌ من المالك
(1) روضة الطالبين (5/ 117)، والشرح الكبير (6/ 8).
وَيَجُوزُ شَرْطُ عَمَلِ غُلَامِ الْمَالِكِ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَوَظِيفَةُ الْعَامِلِ التِّجَارَةُ وَتَوَابِعُهَا؛ كَنَشْرِ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا، فَلَوْ قَارَضَهُ لِيَشْتَرِيَ حِنْطَةً فَيَطْحَنَ وَيَخْبِزَ، أَوْ غَزْلًا يَنْسُجُهُ وَيَبِيعُهُ. . فَسَدَ الْقِرَاضُ،
===
وعمل من العامل، فالجمع بينهما على ربِّ المال ينافي مقتضاه؛ لأنَّ بعض الربح يكون بعمله وماله.
(ويجوز شرط عمل غلام المالك معه على الصحيح) لأنَّ الغلام ماله، فجاز أن يجعل تابعًا لماله، بخلاف ما إذا شرط المالك أن يعمل بنفسه، فإنَّه لا وجه لجعله تابعًا، والثاني: لا يجوز؛ لأنَّ عمله كعمل سيده.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم يصرح بالحجر على العامل، فأما إذا قال:(على أن يعمل معك غلامي، ولا تتصرف دونه)، أو أن يكون بعض المال في يده. . فسد قطعًا.
وصورة المسألة - كما قاله في "الكفاية" -: أن يكون الغلام معلومًا بالمشاهدة أو الوصف، فإن لم يكن معلومًا. . فالعقد فاسد، وقاله الشيخان في (باب المساقاة)(1).
(ووظيفة العامل التجارة وتوابعها؛ كنشر الثياب وطيها) وذرعها، وإدراجها في السَّفَط -وهو: وعاء يُجعل فيه القماش- وإخراجها منه، وما سيأتي في أثناء الباب؛ لأنَّ الإطلاق يحمل على العرف، وهو قاض بذلك.
(فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحن ويخبز، أو غزلًا ينسجه ويبيعه. . فسد القراض) لأنَّ الطحن والخبز ونحوهما أعمال مضبوطة يمكن الاستئجار عليها، فلا ضرورة إلى ارتكاب جهالة مستغنى عنها.
وهذا التعليل يشعر بأن المراد: إذا شرط ذلك على العامل، فلو شرط أن يستأجر العامل من يفعل ذلك من مال القراض وحظ العامل التصرف فقط. . قال في "المطلب": فيظهر الجواز.
(1) كفاية النبيه (11/ 118)، والشرح الكبير (6/ 64)، وروضة الطالبين (5/ 155).
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ شِرَاءَ مَتَاعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ نَوْعٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ، أَوْ مُعَامَلَةَ شَخْصٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مُدَّةِ الْقِرَاضِ، فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً وَمَنَعَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَهَا .. فَسَدَ، وَإِنْ مَنَعَهُ الشِّرَاءَ بَعْدَهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ
===
(ولا يجوز أن يَشرِط عليه شراء متاع معين) كهذه السلعة (أو نوع يندو وجوده) كالياقوت الأحمر (أو معاملةَ شخص) كالبيع من زيد، أو الشراء منه؛ لإخلاله بالمقصود؛ لأن المعين قد لا يربح، والنادر قد لا يجده، والشخص المعين قد لا يعامله، وقد لا يجد عنده ما يظن أن فيه ربحًا، أو لا يبيع إلا بثمن غال.
وأفهم: أن النوع إذا لم يندر وجوده .. صحَّ وإن لم يدم؛ كالفواكه الرطبة، وهو الأصحُّ، ولو لم يعين نوعًا .. صحَّ في الأصحِّ، بخلاف الوكالة.
والفرق: أن للعامل حظًّا يحمله على بذل المجهود، بخلاف الوكيل.
(ولا يشترط بيان مدة القراض) بخلاف المساقاة؛ لأن مقصود القراض -وهو الربح- ليس له وقت معلوم، بخلاف الثمرة.
(فلو ذكر مدة ومنعه التصرف بعدها) مطلقًا، أو من البيع ( .. فسد) لإخلاله بالمقصود فإنه قد لا يجد راغبًا في المدة، فلا تحصل التجارة والربح.
وكلام المصنف قد يفهم: أنه لو قال: (قارضتك سنة) ولم يزد .. أنه يصحُّ، والأصحُّ: البطلان؛ لأن ظاهره انتهاء القراض، ولا يجوز تعليق القراض، فلو نجزه وعلق التصرف .. لم يصحَّ في الأصحِّ؛ كما لو قال:(بعتك ولا تملك إلا بعد شهر)، وقيل: يصحُّ؛ كالوكالة.
(وإن منعه الشراء بعدها) دون البيع ( .. فلا في الأصحِّ) لأن المالك متمكن من منعه من الشراء متى لثماء، فجاز أن يتعرض له في العقد، بخلاف المنع من البيع، والثاني: يفسد؛ لأن ما كان وضعه على الإطلاق - أي: يصحُّ من غير تأقيت - كان التأقيت منافيًا له؛ كالبيع والنكاح.
وصورة المسألة - كما قال الإمام -: أن تكون المدة يتأتى فيها الانبساط في الشراء على موافقة غرض الاسترباح، بخلاف الساعة ونحوها (1).
(1) نهاية المطلب (7/ 454).
وَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُمَا بالرِّبْحِ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، فَلَوْ قَالَ:(قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ الرِّبْحِ لَكَ) .. فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: قَرْضٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ قَالَ:(كُلُّهُ لِي) .. فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِبْضَاع. وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا بِالْجُزْئِيَّةِ، فَلَوْ قَالَ:(عَلَى أَنَّ لَكَ فِيهِ شَرِكَةً أَوْ نَصِيبًا) .. فَسَدَ،
===
وقضية إطلاق الكتاب: أنه لو منعه الشراء بعدها وسكت عن البيع .. عدم الفساد، وقضية ما في "الشرحين" و"الروضة": الجزم بالفساد؛ لأنهما قيدا محلَّ الخلاف بما إذا منعه من الشراء وصرح بجواز البيع، وجرى عليه في "الكفاية"(1)، وقال في "المطلب": الذي يظهر: جريان الوجهين أيضًا فيما إذا سكت عن البيع.
(ويشترط: اختصاصهما بالربح) فلا يجوز شرط شيء منه لثالث؛ لأنه ليس بمالك ولا عامل، إلا أن يشرط عليه العمل معه، فيكون قراضًا مع رجلين، قال الماوردي: إلا أن يتصادقا على أن ما سمي لغيرهما هو لربِّ المال، وذكر اسمه استعارة (2).
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو كان المشروط له عبدًا لأحدهما .. فإنه يصحُّ؛ لأن ذاك في الحقيقة شرطٌ لسيده.
(واشتراكهما فيه) ليأخذ المالك بملكه والعامل بعمله.
(فلو قال: "قارضتك على أن كلّ الربح لك" .. فقراض فاسد، وقيل: قرض صحيح، وإن قال: "كله لي" .. فقراض فاسد، وقيل: إبضاع) الخلاف في المسألتين ينبني على قاعدة وهي: أن النظر إلى صيغ العقود أو معانيها، وفيها وجهان، وفروعها مختلفة في التصحيح لقوة أحد المَدْرَكين، وإذا قلنا: قراض فاسد فيهما .. استحق أجرة المثل في الأولى لا الثانية في الأصحِّ.
والإبضاع: بعث المال مع من يتجر له به متبرعًا، والبضاعة: المال المبعوث.
(وكلونه معلومًا بالجزئية) كالنصف والثلث مثلًا، وهما شرطان، وسيأتي بيان ما احترز عنه بهما.
(فلو قال: "على أن لك فيه شركة أو نصيبًا" .. فسد) للجهل بالعوض،
(1) الشرح الكبير (6/ 14)، وروضة الطالبين (5/ 122)، كفاية النبيه (11/ 116).
(2)
الحاوي الكبير (9/ 109).