الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ اللُّقَطة
يُسْتَحَبُّ الالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ - وَقِيلَ: يَجِبُ - وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ وَاتِقٍ، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ
===
(كتاب اللُّقَطة)
هي بضم اللام وفتح القاف على المشهور، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات: لُقَاطة، ولُقْطة بضم اللام وسكون القاف، ولُقَطة بضم اللام وفتح القاف ولقط بفتح اللام وسكون القاف (1).
قال الأزهري: وهي مختصة بغير الحيوان من الأموال، والحيوان يُسمَّى ضالة (2).
وهي مجمع على جوازها في الجملة.
(يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه) لما فيه من البرَّ، قال الله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ، وفي مسلم:"وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"(3).
(وقيل: يجب) لأن حرمة مال المسلم كدمه، فيجب صونه، وعلى هذا: لو تركه حتى تلفت العين .. أثم ولا ضمانَ، نصّ عليه في "الأم"، وجرى عليه الأئمة (4).
(ولا يستحب لغير واثق) قطعًا؛ خشيةَ التضييع، أو الخيانة، (ويجوز في الأصحِّ) لأن خيانته لم تتحقق، وعليه الاحتراز، والثاني: المنع؛ خشيةَ استهلاكها.
(ويكره لفاسق) كيلا تدعوَه نفسه إلى الخيانة، وهي كراهة تنزيه؛ كما عزاه الرافعي لإطلاق الجمهور، وزعم أن الغزالي تفرّد بالتحريم، واعترض: بأنه ظاهر
(1) قال الإمام النووي في "التهذيب"(3/ 571): (قال شيخنا أبو عبد الله ابن مالك: في اللقطة أربع لغات: لُقطة ولُقْطة ولقاطة بضم اللام، ولَقَط بفتح اللام والقاف).
(2)
الزاهر (24/ 174).
(3)
صحيح مسلم (2699) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
الأم (5/ 144).
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَى الالْتِقَاطِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلَامِ.
===
كلام كثير من العراقيين، وبه جزم الشيخ نصر المقدسي، وابن يونس (1).
(والمذهب: أنه لا يجب الإشهاد على الالتقاط) كالوديعة، والثاني: يجب؛ لحديث عِياض بن حِمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً .. فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوِي عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه ابن حبان (2).
والأول: حمله على الاستحباب.
والطريق الثاني: القطع بالأول.
وفي كيفية الإشهاد وجهان: أصحهما في "زيادة الروضة": أنه يشهد على أصلها، ويذكر بعض صفاتها ولا يستوعبها.
وفائدة الإشهاد: أنه ربما طَمِعَ فيها بعد ذلك، فإذا أشهد .. لم يقدر على ذلك، وأيضًا قد يموت قبل مجيء صاحبها فيأخذها الوارث، فإذا أشهد .. أمن.
(وأنه يصحُّ التقاط الفاسق) كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على أن المغلَّب في اللقطة الاكتسابُ فيصحُّ، أو الولايةُ والأمانةُ فلا يصحُّ.
قال الأَذْرَعي: والمراد بالفاسق: الذي لا يوجب فسفُه حَجْرًا عليه في ماله.
انتهى، وفيه نظر.
(والصبيِّ) لما ذكرناه في الفاسق، والمجنونُ في ذلك كالصبي، نصّ عليه، وجرى عليه العراقيون وغيرهم، وكذا السفيه.
(والذميِّ في دار الإسلام) ترجيحًا لمعنى الاكتساب، والثاني: لا؛ كما أنه لا يحيي فيها مواتًا.
(1) الشرح الكبير (6/ 342).
(2)
سنن أبي داوود (1709)، صحيح ابن حبان (4894)، وأخرجه النسائي في "الكبرى"(5776)، وابن ماجه (2505).
ثُمَّ الأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ، وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ، بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ رَقِيبٌ. وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقَطَةَ الصَّبِيِّ
===
والطريق الثاني: القطع بالأول، قال الرافعي: وربما شرط في التجويز: كونه عدلًا في دينه (1).
(ثم الأظهر: أنه ينزع من الفاسق، ويوضع عند عدل) لأن مال ولده لا يقر في يده، فكيف مال الأجانب؟ ! والثاني: لا؛ لحقّ المتملّك، والأصحُّ على هذا: أنه يضم إليه مشرف.
ومحلُّ الخلاف: إذا لم تكن العين معرّضةً للضَّياع، فإن كان ممن لا تؤمن غائلته وذهابه بالعين .. انتزعت منه قطعًا، قاله في "البسيط".
(وأنه لا يعتمد تعريفه، بل يضم إليه رقيب) عدل؛ خشيةً من التفريط في التعريف، والثاني: يعتمد؛ لأنه الملتقط.
وإذا تم التعريف .. فللملتقط التملك، قال الماوردي: ويشهد عليه الحاكم بغُرْمِها إذا جاء صاحبها (2)، فإن لم يتملكها .. كانت في يد الأمين، قال الماوردي: ولو كان الملتقط أمينًا، لكنه ضعيف لا يقدر على القيام بها .. لم تنزع منه، وعضّده الحاكم بأمين (3).
والذميّ في ذلك كالفاسق؛ كما قاله البغوي، وأقراه (4).
(ويَنزع الولي لقطة الصبي) والمجنون والسفيه وجوبًا؛ لحقه وحقِّ المالك، وتكون يدُه نائبةً عنه كما نابت في ماله، ويستقل بذلك اتفاقًا، لكن عبارة الشافعي: ضمها القاضي إلى وليّه، وفعل فيها ما يفعله الملتقط (5)، وأوّلت بما إذا رفعت إليه، وقال ابن الرفعة: إنه الأحوط، ولو قيل باشتراطه .. لم يبعد؛ لظاهر النصّ.
(1) الشرح الكبير (6/ 341).
(2)
الحاوي الكبير (9/ 451).
(3)
الحاوي الكبير (9/ 451).
(4)
التهذيب (4/ 563)، الشرح الكبير (6/ 341)، روضة الطالبين (5/ 392).
(5)
مختصر المزني (ص 135).
وَيُعَرِّفُ وَيَتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ الاقْتِرَاضُ لَهُ، وَيَضْمَنُ الْوَليُّ إِنْ قَصرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ. وَالأَظْهَرُ: بُطْلَانُ الْتِقَاطِ الْعَبْدِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ .. كَانَ الْتِقَاطًا.
===
(ويعرِّف) الولي، ولا يعطى مؤنة التعريف من مال الصبي، بل يراجع الحاكم ليبيع جزءًا من اللقطة.
وأفهم: أنه لا يصحُّ تعريف الصبي، وهو المذهب، وقال الدارمي: يصحُّ إذا كان معه الولي.
(ويتملكها للصبي) ونحوه (إن رأى ذلك؛ حيث يجوز الاقتراض له) لأن تملك اللقطة كالاستقراض، فإن لم ير التملك .. حفظه أمانةً أو دفعه إلى القاضي.
(ويَضمن الولي إن قصر في انتزاعه حتى تلف في يد الصبي) ونحوه؛ لتقصيره؛ كما لو احتطب فتركه حتى تلف أو أتلف.
وأشار بقوله: (قصّر) إلى أنه إذا لم يشعر بها وأتلفها الصبي .. فإن الصبي يضمنها، لا إن تلفت في يده في الأصحِّ.
(والأظهر: بطلان التقاط العبد) إذا لم يأذن له السيد فيه ولم ينهه عنه؛ لأن اللقطة أمانة وولاية ابتداءً، وتمليك انتهاءً، وليس هو أهلًا لذلك، والثاني: يصحُّ؛ كاحتطابه واحتشاشه.
فإن أذن له فيه .. فالأقوى في "الشرح الصغير" صحته قطعًا، وإن نهاه عنه .. فأقوى الطريقين في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة": أنه لا يصحُّ قطعًا (1).
ويستثنى من إطلاق المصنف: التقاطُ العبد نُثَارَ الوليمة؛ فإنه يصحُّ ويملكه سيده، ذكره في "الروضة" آخرَ (الوليمة)(2).
(ولا يُعَتدّ بتعريفه) إذا أبطلنا التقاطه؛ لأنه غير ملتقِط، وهي مضمونة عليه، فإن صححناه .. صحَّ ولو بغير إذن السيد في الأصحِّ؛ لأن له قولًا صحيحًا.
(فلو أخذه سيده منه .. كان التقاطًا) من السيد، فيعرّف ويتملك، ويسقط
(1) روضة الطالبين (5/ 397).
(2)
روضة الطالبين (7/ 343).
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَب كِتَابَةً صَحِيحَةً وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَهِيَ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً .. فَلِصَاحِبِ الَنَّوْبَةِ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الأَكْسَابِ
===
الضمان عن العبد على الأصحِّ؛ لأن يد العبد إذا لم تكن يدَ التقاط .. كان الحاصلُ في يده ضائعًا بعدُ، والأجنبيُّ في هذا كالسيد؛ كما نقله الرافعي عن أكثر الأصحاب (1).
ولو لم يأخذه السيد منه، بل أقره بيده واستحفظه ليعرّفَه؛ فإن كان أمينًا .. جاز ولا ضمانَ في الأصحِّ، وإلا .. فهو متعد بذلك.
(قلت: المذهب: صحة التقاط المكاتب كتابةً صحيحةً) كالحر؛ لأنه يملك ما بيده ويتصرّف فيه، وله ذمة صحيحة يمكن مطالبته متى شاء المالك، مع أن اللقطة اكتساب يستعين بها على أداء النجوم.
وفي قول: أنه لا يصحُّ التقاطه؛ لأنه يحتاج إلى الحفظ حولًا وإلى التعريف، وذلك تبرّع ناجز، والملك موهوم، وقيل: يصحُّ، وقيل: لا قطعًا، بخلاف القنّ؛ فإن السيد ينزعه منه، ولا ولاية للسيد على مال المكاتب مع نقصانه.
واحترز بالصحيحة: عن الفاسدة؛ فإنه كالقن.
وقيل: تطرد الطرق.
(ومَنْ بعضعه حر) أي: المذهب: صحة التقاطه؛ لأنه كالحر في الملك والتصرف في الذمة، وقيل: على القولين في القنّ، وقيل: يصحُّ في قدر الحرية قطعًا، وفي الباقي الطريقان.
(وهي له ولسيده) بحسب الحرية والرق؛ كحرين التقطا مالًا، فيعرف هو والسيد ويتملكانها.
(فإن كانت مهايأة) بالهمز، وهي: المناوبة ( .. فلصاحب النوبة في الأظهر) بناءً على دخول الكسب النادر في المهايأة، والثاني: بناءً على عدم دخوله فيها.
فعلى الأظهر: من وقعت في نوبته .. عرّفها وتملّكَها.
(وكذا حكمُ سائر النادر من الأكساب) كالهبة، والوصية، والصدقة، والرِّكاز،
(1) الشرح الكبير (6/ 344).