الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصلٌ [في الحكم بإسلام اللقيط]
إِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِدَارِ الإِسْلَامِ وَفِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، أَوْ بدَارٍ فَتَحُوهَا وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ كُفَّارٍ صُلْحًا أَو بَعْدَ مِلْكِهَا بِجِزْيَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ .. حُكِمَ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ. وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ كُفَّارٍ .. فَكَافرٌ إِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ،
===
وما ادعاه من القطع أشار إليه في "المحرر" تبعًا للإمام، لكن حكى الرافعي فيه خلافًا في (الدعاوى) في (مسألة الظفر) واستغربه، وصرح الماوردي بحكايته هنا (1).
والصورة: حيث أمكنه مراجعة الحاكم، وإلا .. أنفق بنفسه بشرط الإشهاد.
* * *
(فصل: إذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدار فتحوها) أي: المسلمون (وأقروها بيد كفار صلحًا أو بعد ملكها بجزية وفيها مسلم) يمكن أن يولد له ذلك اللقيط ( .. حكم بإسلام اللقيط) تغليبًا للدار والإسلام، وفي "مسند الإمام أحمد":"الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى"(2).
وقوله: (وفيها أهل ذمة): ليس بقيد، لكنه يفهم منه الحكم بإسلامه إذا لم يكن فيها من بابٍ أولى، ولو قال:(ولو كان فيها أهل ذمة) .. لكان أوضح.
واحترز بقوله: (وفيها مسلم): عما إذا لم يكن فيها مسلم؛ فإنه كافر على الأصحِّ.
(وإن وجد بدار كفار .. فكافر إن لم يسكنها مسلم) إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به.
(1) المحرر (ص 253)، نهاية المطلب (8/ 508)، الشرح الكبير (13/ 149)، الحاوي الكبير (9/ 473).
(2)
قال المحدث العجلوني في "كشف الخفاء"(1/ 127): (رواه الدارقطني، والضياء في "المختارة، والروياني عن عائذ بن عمرو المزني رفعه، والطبراني والبيهقي عن معاذ رفعه، وعلقه البخاري في "صحيحه" والمشهور على الألسنة زيادة "عليه" آخرًا، بل هي رواية أحمد)، ولم أهتد على الحديث في "المسند" بهذا اللفظ والذي وجدته فيه (5/ 230) بلفظ "الإسلام يزيد ولا ينقص" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وكأن المطبوع فيه نقص، والله تعالى أعلم.
وَإِنْ سَكَنَهَا مُسْلِمٌ كَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ .. فَمُسْلِمٌ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَةً بِنَسَبهِ .. لَحِقَهُ وَتبَعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى المدَّعْوَى .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِيَ الْكُفْرِ، وَيُحْكَمُ بإِسْلَامِ الصبِيِّ بِجِهَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَا تُفْرَضَانِ فِي لَقِيطٍ: إِحْدَاهُمَا: الْوِلَادَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ .. فَهُوَ مُسْلِمٌ،
===
واحترز بقوله: (يسكنها): عن المجتاز؛ فلا أثر له، وقال الفُوراني: إذا اجتاز بها مسلم .. فهو مسلم، فإن أنكره .. قبل في نسبه دون إسلامه.
(وإن سكنها مسلم؛ كأسير وتاجر .. فمسلم في الأصحِّ) تغليبًا للإسلام، والثاني: كافر؛ تغليبًا للدار.
قال الإمام: ويشبه أن يكون الخلاف فيمن ينتشر إلا أنه ممنوع من الخروج من البلدة، أما المحبوس في مطمورة .. فيتجه أنه لا أثر له؛ كما لا أثر للمجتاز (1).
وتعبيره بالسكنى هنا ولم يعتبر السكنى فيما سبق، بل كونه فيها .. ظاهره: أنه لا فرق بين أن يكون المسلم ساكنًا مستوطنًا، أو مقيمًا لم يرد الاستيطان، أو مجتازًا، قال شيخنا: وهو الظاهر؛ تغليبًا لحرمة دار الإسلام.
(ومن حكم بإسلامه بالدار فأقام ذمي بينةً بنسبه .. لحقه وتبعه في الكفر) وارتفع ما ظنناه من إسلامه، لأن الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة.
(وإن اقتصر على الدعوى) أي: استلحقه من غير بينة ( .. فالمذهب: أنه لا يتبعه في الكفر) ونسبه ثابت اتفاقًا؛ لأنا قد حكمنا بإسلامه، فلا يغير بمجرد دعوى كافر.
والطريق الثاني فيه: قولان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يتبعه فيه؛ تبعًا لنسبه.
(ويحكم بإسلام الصبي بجهتين أُخريين لا تفرضان في لقيط) وإنما ذُكرتا في (باب اللقيط) استطرادًا.
(إحداهما: الولادة، فإذا كان أحد أبويه مسلمًا وقتَ العُلوق .. فهو مسلم) بالإجماع؛ لأنه جزء من مسلم، وتغليب الإسلام واجب، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ
(1) نهاية المطلب (8/ 534).
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا .. فَمُرْتَدٌّ، وَلَوْ عَلِقَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا .. حُكِمَ بِإَسْلَامِه،
===
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ}، ولا يضر ما يطرأ بعد العلوق منهما من ردة، (فإن بلغ ووصف كفرًا .. فمرتد) لأنه كان مسلمًا ظاهرًا وباطنًا.
(ولو عَلِق بين كافرين ثم أسلم أحدهما) قبل بلوغه ( .. حكم بإسلامه) في الحال؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (1)، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
ومن بلغ مجنونًا كالطفل في التبعية، وكذا من جُنّ بعد بلوغه على الأصحِّ.
وذكر ابن حزم الظاهري: أن ولد الكافرة الحربية والذمية من زنا أو إكراه .. مسلم ولا بدّ؛ لأنه وُلِد على الإسلام وليس له أبوان يخرجانه منه (2)، ولم يذكر في ذلك خلافًا عن أحد.
وكلام المصنف قد يوهم قصره على الأبوين، وليس كذلك، بل إسلام أحد الأجداد والجدات كذلك، سواء الوارث وغيره؛ كأب الأم إن لم يكن الأب حيًّا، وكذا إن كان على الأقرب في "الرافعي" والأصحِّ في "الروضة"، وقال الشيخ أبو حامد: إنه الأشبه؛ لأن سبب التبعية القرابة، ولا يختلف بحياة الأب وموته كسقوط القصاص، وحد القذف (3)، ورجح ابن الرفعة والسبكي مقابله، وهو ما نقله القاضي الحسين عن المذهب وجزم به الحَليمي وغيره، وقال القاضي تقي الدين بن رَزِين: إنه الحق وإنّ كلام الرافعي خارج عن المذهب؛ لأن الجد لا ولاية له في حياة الأب (4).
(1) في (أ): (والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقناهم ذرياتهم)، وفي غير (أ):(والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم)، ما في (أ) هي قراءة أبي عمرو بن العلاء إلّا (ذرياتهم) الثانية فهي من قراءة غير الكوفيين وابنِ كثير وأبي عمرو، وانظر "النشر في القراءات العشر"(2/ 273، 377).
(2)
المحلّى (7/ 324).
(3)
الشرح الكبير (6/ 398)، روضة الطالبين (5/ 430).
(4)
كفاية النبيه (11/ 501)، المنهاج في شعب الإيمان (1/ 161).
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا .. فَمُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِر أَصْلِيٌّ. الثَّانِيَةُ: إِذَا سَبَى مُسْلِمٌ طِفْلًا .. تبَعَ السَّابِيَ فِي الإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ،
===
وهذا كله في ولد موجود قبل إسلام الجد، وكذا فيما انعقد بعد إسلامه؛ كما قاله القاضي الحسين، أما إذا مات الجد والأب حي ثم حدث له بعد ذلك ولد .. قال السبكي: لم أر في المسألة نقلًا، وقد يقال: بعدم الاستتباع؛ لأن الاستتباع يليق بالحي لا بالميت، وقد يقال: بالاستتباع، وتمكين من يحتمل إسلامه من الكفر صعب.
(فإن بلغ ووصف كفرًا .. فمرتد) لسبق الحكم بإسلامه، فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد، (وفي قول: كافر أصلي) لأنه كان محكومًا بكفره أوّلًا وأزيل ذلك بالتبعية، فإذا استقل .. انقطعت التبعية، ووجب اعتباره بنفسه.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم يصدر منه بعد البلوغ وصفُ الإسلام، فإن وصفه ثم وصف الكفر .. فمرتد قطعًا.
(الثانية: إذا سبى مسلم طفلًا) أو مجنونًا ( .. تبع السابي في الإسلام إن لم يكن معه أحد أبويه) لأنه صار تحت ولايته؛ كالأبوين، وسواء كان السابي بالغًا أم لا، عاقلًا أو مجنونًا؛ كما نقلاه في (باب قسم الغنيمة) عن البغوي، وجزم به القاضي في "فتاويه"(1).
واحترز بقوله: (إن لم يكن معه أحد أبويه): عما إذا كان أحدهما معه؛ فإنه لا يحكم بإسلامه قطعًا؛ فإن تبعيتهما أقوى من تبعية السابي، وصرح به في "المحرر"(2)، وعن المزني: أنه مسلم وإن سبي مع الأبوين.
وعلى الأصحِّ: لو مات أبواه بعد سبيه معهما .. استقر كفره ولم نحكم بإسلامه؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي.
ومعنى كونه معه أحدُ أبويه: أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد، فإن كانا في عسكرين .. تبع السابي.
(1) الشرح الكبير (7/ 354)، روضة الطالبين (6/ 371).
(2)
المحرر (ص 254).
وَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ .. لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ اسْتِقْلَالًا عَلَى الصَّحِيحِ.
===
وقوله: (إن لم يكن معه أحد أبويه): قد يقتضي: أن الأجداد ليسوا كذلك، لكن صرح ابن الرفعة بإلحاق الجد بالأب إذا قلنا: يتبعه في الإسلام (1).
(ولو سباه ذمي .. لم يحكم بإسلامه في الأصحِّ) لأن كونه من أهل الدار لم يؤثر فيه ولا في أولاده الإسلام، فغيره أولى، والثاني: يحكم بإسلامه تبعًا للدار.
وعلى الأول: لو سبي أبواه ثم أسلما .. لم يصر مسلمًا بإسلامهما، قاله الحليمي (2).
وينتظم منه لغز فيقال: طفل محكوم بكفره أسلم أبواه ولم يتبعهما في الإسلام.
(ولا يصحُّ إسلام صبي مميز استقلالًا على الصحيح) لأنه غير مكلف، فأشبه غير المميز والمجنون، والثاني: أنه يصحُّ إسلامه، حتى يرثُ من قريبه المسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دعا عليًّا إلى الإسلام قبل بلوغه فأجابه (3).
وأجاب الأول عن قصة إسلام علي رضي الله عنه: بأن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة؛ كما قاله البيهقي في "المعرفة"(4)، وقد روى القاضي أبو الطيب عن الإمام أحمد أن عليًّا كان بالغًا.
والثالث: أنه موقوف، فإن بلغ واستمر على كلمة الإسلام تبينَّا كونه مسلمًا من يومئذ، وإن وصف الكفر .. تبينَّا أنه كان لغوًا، وقد يعبر عن هذا بصحة إسلامه ظاهرًا لا باطنًا، والرابع: أنه لا يصحُّ ظاهرًا ويصحُّ باطنًا إذا أضمره.
وعلى الأول: الأصحِّ: يحال بينه وبين أبويه الكافرين؛ استحبابًا، وقيل: وجوبًا؛ لئلا يفتناه، فإن بلغ ووصف الكفر .. هدد وطولب بالإسلام، فإن أصر .. ردَّ إليهم.
(1) كفاية النبيه (16/ 426).
(2)
المنهاج في شعب الإيمان (1/ 163).
(3)
أخرجه الحاكم (3/ 111)، والترمذي (3734)، وأحمد (1/ 373) بمعناه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4)
معرفة السنن والآثار (9/ 95).