الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصلٌ [في التصرية]
التَّصرِيَةُ حَرَامٌ تُثْبِتُ الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ .. رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي
===
(فصل: التصرية حرام) لقوله عليه السلام: "لَا تُصَرُّوا الإبِلَ وَالْغَنَمَ؛ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ .. فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَلَبَها: إِنْ رَضِيَهَا .. أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا .. رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" متفق عليه (1).
والتصرية: ربط أخلاف البهيمة وترك حلبها مدةً؛ ليجتمع اللبن، فيظن المشتري غزارة لبنها فيزيد في الثمن، وذلك غِشٌّ وتدليس.
(تُثبت الخيارَ) للحديث (على الفور) كالردِّ بالعيب، (وقيل: يمتد ثلاثة أيام) لقوله عليه الصلاة والسلام: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً .. فَهُوَ بالْخِيَار ثَلَاثةَ أَيَّامٍ" رواه مسلم (2).
وهذا ما نصَّ عليه في "الإملاء"، وصححه كثيرون، واختاره المتأخرون؛ منهم: السبكي.
ولو علم بالتصرية قبل الثلاث .. فخياره على الفور على الأول، وعلى الثاني: يمتد إلى آخر الثلاث، ولو علم بها في آخر الثلاث أو بعدها .. فعلى الثاني: لا خيار؛ لامتناع مجاوزة الثلاث، وعلى الأول: يثبت على الفور قطعًا.
[وهل ابتداء الثلاث من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط. قاله الشيخان، ومقتضاه: أن الأصح: أنها من العقد (3)، وقال البُلْقِيني: الصواب: اعتبارها من وقت ظهور التصرية](4).
(فإن رَدَّ بعد تلف اللبن .. رَدَّ معها صاع تمر) للحديث المارِّ، (وقيل: يكفي
(1) صحيح البخاري (2148)، صحيح مسلم (1515/ 11) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
صحيح مسلم (1524) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
الشرح الكبير (4/ 230)، روضة الطالبين (3/ 468).
(4)
ما بين المعقوفين زيادة من غير (أ).
صَاعُ قُوتٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالأَتَانَ،
===
صاع قوت) لأنه قد ورد في رواية: (التمر)، وفي رواية:(الطعام)، وفي رواية:(القمح)، فدلَّ على اعتبار القوت مطلقًا؛ كصدقة الفطر.
وقوله: (بعد تلف اللبن): قد يُفهم أن اللبن إذا كان باقيًا .. يجب ردُّه، وليس كذلك، بل إن طلب البائع رده .. لم يجبر المشتري عليه؛ لأن ما حدث منه بعد البيع ملك له.
وإن طلبه المشتري؛ فإن حمض .. لم يُكلَّف البائع قبوله، وكذا إن لم يتغير في الأصح؛ لذهاب طراوته.
فلو عبر بقوله: (بعد الحلب) .. لاستقام؛ فإنه إذا ردّ قبله .. لا شيء عليه، هذا عند عدم تراضيهما، فلو تراضيا على ردِّ اللبن .. جاز ذلك من غير صاع تمر، وكذا لو تراضيا على قوت أو غيره.
واستثنى صاحب "الخصال" من رد الصاع معها: ما إذا اشتراها بأقل من صاع مع اللبن .. فلا يردها مع صاع، ثم قال: وفيه نظر. انتهى، والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون اشتراها بصاع تمر أو دونه.
(والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن) لإطلاق الخبر وقطعًا للنزاع، والثاني: أن الواجب يتقدر بقدر اللبن، لما رواه أبو داوود عن ابن عمر:"فَإِنْ رَدَّهَا .. رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا"(1).
(وأن خيارها لا يختص بالنعم) وهي الإبل والبقر والغنم، (بل يعم كلَّ مأكول والجاريةَ والأتانَ) وهي الأنثى من الحمر الأهلية (2)، لأن في رواية أبي داوود:"مَنْ بَاعَ مُحَفَّلَةً"(3)، والثاني: يختص؛ لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلا على ندور.
(1) سنن أبي داوود (3446).
(2)
كذا قاله الإسنوي وغيره، لكن في "التحرير": هي الأنثى من جنس الحمر، ولعل كلام الإسنوي في تفسير الأتان المذكورة في كلام "الكتاب"، وكلامُ "التحرير" في تفسير الأتان في اللغة، وإنما خص الأتان في كلام "الكتاب" لعطفها على المأكول، والأتان الوحشية مأكولة. اهـ هامش (أ).
(3)
سنن أبي داوود (3446) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجْهٌ. وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَى الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ.
===
(ولا يرد معهما) أي: مع الجارية والأتان (شيئًا) لأن لبن الأتان نجس، فلا عوض له، ولبن الآدميات لا يُعتاض عنه غالبًا.
(وفي الجارية وجه) أنه يُردُّ معها صاع تمر؛ لأنه كلبن النعم في صحة أخذ العوض عنه، قال الإمام: ومحل الخلاف: إذا لم يكن للبنها قيمة، أما إذا كان له قيمة .. فلا بدّ من بدله (1).
(وحبس ماء القناة والرحى المرسلِ عند البيع) والإجارة، (وتحمير الوجه، وتسويد الشعو وتجعيده يُثبت الخيار) قياسًا على التصرية بجامع التدليس.
و(الشعر المجعد) هو: الذي فيه التواءٌ وانقباض لا المفلفل؛ كشعر السودان.
(لا لطخ ثوبه تخييلًا لكتابته في الأصح) لأن الاستدلال به على الكتابة ضعيف؛ فإنه ربما لبس ثوبَ غيره أو أصابه ذلك من حمل دواة، فكان المشتري مقصرًا بعدم السؤال عنه، والثاني: نعم؛ للتلبيس والتدليس.
* * *
(1) نهاية المطلب (5/ 216).