المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بابُ الحَجْر مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، - بداية المحتاج في شرح المنهاج - جـ ٢

[بدر الدين ابن قاضي شهبة]

فهرس الكتاب

- ‌كتابُ البيع

- ‌بابُ الرِّبا

- ‌بابٌ [البيوع المنهي عنها]

- ‌فصلٌ [في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها]

- ‌فصلٌ [في تفريق الصفقة]

- ‌بابُ الخيار

- ‌فصلٌ [في خيار الشرط وما يتبعه]

- ‌فصلٌ [في خيار النقيصة]

- ‌فرعٌ [في عدم تفريق الصفقة بالعيب]

- ‌فصلٌ [في التصرية]

- ‌بابٌ [في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه]

- ‌فَرعٌ [في تتمة أحكام الباب]

- ‌فَرعٌ [في تتمة الباب أيضًا]

- ‌بابُ التّولية والإشراك والمراجعة

- ‌بابُ الأصول والثّمار

- ‌فَرعٌ [في دخول ما يتبع المبيع في البيع]

- ‌فصَلٌ [في بيان بيع الثمر والزرع وبدو صلاحهما]

- ‌بابُ اختلاف المتبايعين

- ‌بابٌ [معاملة الرّقيق)

- ‌كتابُ السَّلَم

- ‌فصَلٌ [في بقية الشروط السبعة]

- ‌فَرعٌ [في محل السلم وشروطه]

- ‌فصلٌ [في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه]

- ‌فصلٌ [في القرض]

- ‌كتابُ الرَّهْن

- ‌فصَلٌ [في شروط المرهون به ولزوم الرهن]

- ‌فصلٌ [فيما يترتب على لزوم الرهن]

- ‌فصلٌ [في جناية المرهون]

- ‌فصلٌ [في الاختلاف في الرهن وما يتعلق به]

- ‌فصلٌ [في تعلق الدين بالتركة]

- ‌كتاب التفليس

- ‌فصلٌ [فيما يفعل في مال المحجور عليه بالفلس من بيع وقسمة وغيرهما]

- ‌فَصْلٌ [في رجوع المعامل للمفلس عليه بما عامله به ولم يقبض عوضه]

- ‌بابُ الحَجْر

- ‌فَصْلٌ [فيمن يلي الصبي مع بيان كيفية تصرفه في ماله]

- ‌بابُ الصُّلْح

- ‌فَصْلٌ [في التزاحم على الحقوق المشتركة]

- ‌بابُ الحَوالة

- ‌بابُ الضَّمان

- ‌فصلٌ [في كفالة البدن]

- ‌فصلٌ [في صيغتي الضمان والكفالة]

- ‌كتابُ الشّركة

- ‌كتابُ الوكالة

- ‌فصَلٌ [في أحكام الوكالة بعد صحتها]

- ‌فصَلٌ [فيما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة]

- ‌فصَلٌ [في بيان جواز الوكالة وما تنفسخ به]

- ‌كتابُ الإقرار

- ‌فَصْلٌ [في الصيغة]

- ‌فَصْلٌ [في شروط المُقَرِّ به]

- ‌فَصْلٌ [في بيان أنواع من الإقرار وفي بيان الاستثناء]

- ‌فَصْلٌ [في الإقرار بالنسب]

- ‌كتابُ العاريَّة

- ‌فَصْلٌ [في رد العارية]

- ‌كتابُ الغَصْب

- ‌فَصلٌ [في بيان حكم الغصب]

- ‌فَصلٌ [في اختلاف المالك والغاصب]

- ‌فَصلٌ [فيما يطرأ على المغصوب من زيادة ووطء وانتقال]

- ‌كتابُ الشُّفْعة

- ‌فَصلٌ [في بيان بدل الشقص الذي يؤخذ به والاختلاف في قدر الثمن]

- ‌كتابُ القِراض

- ‌فَصْلٌ [في بيان الصيغة وما يشترط في العاقدين]

- ‌فَصْلٌ [في بيان أن القراض جائز من الطرفين وحكم اختلاف العاقدين]

- ‌كتابُ المساقاة

- ‌فَصْلٌ [فيما يشترط في عقد المساقاة]

- ‌كتابُ الإِجَارة

- ‌فَصْلٌ [في بقية شروط المنفعة وما تقدر به]

- ‌فَصْلٌ [في منافع يمتنع الاستئجار لها ومنافع يخفى الجواز فيها وما يعتبر فيها]

- ‌فَصْلٌ [فيما يلزم المكري أو المكتري لعقار أو دابة]

- ‌فَصْلٌ [في بيان غاية المدة التي تقدر بها المنفعة تقريبًا]

- ‌فَصْلٌ [فيما يقتضي انفساخ الإجارة والتخيير في فسخها وما لا يقتضيهما]

- ‌كتابُ إحياء المَوات

- ‌فَصْلٌ [في حكم المنافع المشتركة]

- ‌فَصْلٌ [في بيان حكم الأعيان المشتركة المستفادة من الأرض]

- ‌كتابُ الوَقْف

- ‌فَصْلٌ [في أحكام الوقف اللفظية]

- ‌فَصْلٌ [في أحكام الوقف المعنوية]

- ‌فصلٌ [في بيان النظر على الوقف وشرطه ووظيفة الناظر]

- ‌كتابُ الهِبَة

- ‌كتابُ اللُّقَطة

- ‌فصلٌ [في بيان لقط الحيوان وغيره وتعريفها]

- ‌فصلٌ [في تملك اللقطة وغرمها وما يتبعها]

- ‌كتابُ اللَّقيط

- ‌فصلٌ [في الحكم بإسلام اللقيط]

- ‌فصلٌ [في بيان حرية اللقيط ورقه واستلحاقه وتوابع ذلك]

- ‌كتابُ الجعالة

- ‌كتابُ الفرائض

- ‌فصلٌ [في بيان الفروض التي في القرآن الكريم وذويها]

- ‌فصلٌ [في الحجب]

- ‌فصلٌ [في بيان إرث الأولاد وأولادهم انفرادًا واجتماعًا]

- ‌فصلٌ [في كيفية إرث الأصول]

- ‌فصلٌ [في إرث الحواشي]

- ‌فصلٌ [في الإرث بالولاء]

- ‌فصلٌ [في حكم الجد مع الإخوة]

- ‌فصلٌ [في موانع الإرث]

- ‌فصلٌ [في أصول المسائل وما يعول منها]

- ‌فَرْعٌ [في تصحيح المسائل]

- ‌فَرْعٌ [في المناسخات]

- ‌كتابُ الوصايا

- ‌فصَلٌ [في الوصية لغير الوارث وحكم التبرعات في المرض]

- ‌فصلٌ [في بيان المرض المخوف ونحوه]

- ‌فصلٌ [في أحكام الوصية الصحيحة ولفظها]

- ‌فصلٌ [في أحكام معنوية للموصى به]

- ‌فَصْلٌ [في الرجوع عن الوصية]

- ‌فَصْلٌ [في الإيصاء وما يتبعه]

- ‌كتابُ الوَدِيعة

- ‌كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة

- ‌فَصْلٌ [في الغنيمة وما يتبعها]

- ‌كتابُ قَسْم الصّدقات

- ‌فَصْلٌ [في بيان مستند الإعطاء وقدر المعطى]

- ‌فَصْلٌ [في القسمة بين الأصناف وما يتبعها]

- ‌فَصْلٌ [في صدقة التطوع]

الفصل: ‌ ‌بابُ الحَجْر مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ،

‌بابُ الحَجْر

مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَهَا أَبْوَابٌ. وَمَقْصُودُ الْبَابِ: حَجْرُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَذِّرِ،

===

(باب الحجر)

هو في اللغة: المنع، وفي الشرع: المنع من التصرف في المال.

(منه حجر المفلس لحقِّ الغرماء) كما سبق بيانه، (والراهنِ للمرتهن) في العين المرهونة.

(والمريضِ للورثة) في ثلثي التركة إن لم يكن عليه دين، وفي جميعها إن كان عليه دين مستغرق، كذا في "العجالة"(1)، وتبعه الأَذْرَعي والزركشي، لكن ذكرا في (الوصايا) عند ذكر ما يعتبر من الثلث: أن المريض لو وفى دينَ بعض الغرماء. . فلا يزاحمه غيره إن وفى المال لجميع الديون، وكذا إن لم يف على المشهور.

(والعبدِ لسيده، والمرتدِّ للمسلمين، ولها أبواب) تقدم بعضها، وبعضها يأتي.

وقوله: (منه: كذا) فيه إشارة إلى عدم الحصر، وهو كذلك؛ فإنه نحو ثلاثين نوعًا.

(ومقصود الباب: حجر الصبي، والمجنون، والمبذِّر).

والأصل فيه: قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} الآية، وقد فسر الشافعي (السفيه) بالمبذر، و (الضعيف) بالصبي وبالكبير المختل، و (الذي لا يستطيع) بالمغلوب على عقله.

قال المتولي: ومن له أدنى تمييز، ولم يكمل عقله. . فهو كالصبي المميز، كذا نقله الشيخان، وأقراه (2).

(1) عجالة المحتاج (2/ 786).

(2)

الشرح الكبير (5/ 67)، روضة الطالبين (4/ 177).

ص: 182

فَبالْجُنُونِ تنسَلِبُ الْوِلَايَاتُ وَاعْتِبَارُ الأَقْوَالِ، وَيَرْتَفِعُ بِالإِفَاقَةِ. وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا. وَالْبُلوغُ: بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ. وَوَقْتُ إِمْكَانِهِ: اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ،

===

واعترض: بأنه إن زال عقله. . فمجنون، وإلا. . فهو مكلف، وتصرفاته صحيحة، فإن بذر. . فسفيه.

(فبالجنون تنسلب الولاياتُ) الثابتة بالشرع؛ كولاية النكاح، أو بالتفويض كالإيصاء والقضاء، لأنه إذا لم يل أمرَ نفسه. . فغيره أولى.

(واعتبارُ الأقوال) له وعليه، لعدم قصده، وأما أفعاله: فمنها: ما هو معتبر؛ كإحباله، وإتلافه مال الغير.

نعم؛ لو أحرم ثم جنَّ فقتل صيدًا. . فالأظهر في "الروضة" في بابه: عدم وجوب الجزاء (1)، ومنها: ما هو غير معتبر؛ كالصدقة.

(ويرتفع) حجر المجنون (بالإفاقة) بمجردها من غير فك.

(وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدًا)؛ لقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} الآية.

(والبلوغ: باستكمال خمس عشرة سنة) قمرية، كما صرح به في "المحرر"(2) تحديدًا، لحديث ابن عمر:(عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني ولم يرني قد بلغت، وعرضت عليه من قابل يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت) رواه ابن حبان كذلك، وأصله في "الصحيحين"(3).

(أو خروج المني) لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} ، وقوله عليه السلام:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ"(4).

(ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين) في الذكور والإناث؛ للاستقراء.

(1) روضة الطالبين (3/ 153 - 154).

(2)

المحرر (ص 179).

(3)

صحيح ابن حبان (4728)، صحيح البخاري (2664)، صحيح مسلم (1868).

(4)

أخرجه أبو داوود (4403) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ص: 183

وَنَبَاتُ الْعَانَةِ يَقْتَضي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ، لَا الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ حَيْضًا وَحَبَلًا.

===

(ونبات العانة) الخشن (يقتضي الحكمَ ببلوغ ولد الكافر) لحديث عطية القرظي قال: (كنت في بني قريظة فكانوا ينظرون؛ من أَنبت الشعر. . قتل، ومن لم يُنبت. . لم يقتل، فكنت فيمن لم يُنبت فجعلوني في السبي)، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (1).

وخرج بـ (العانة): شعر الإبط والشارب واللحية فلا يدل، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" في الإبط، ويؤخذ منه الترجيح في الشارب واللحية من باب أولى؛ فإن البغوي ألحق الإبط بالعانة دون اللحية والشارب (2)، ولا ترجيح في "الروضة" و"أصلها"(3).

وأشار بقوله: (يقتضي الحكم) إلى أنه أمارة على البلوغ لا أنه بلوغ حقيقة، وهو الأظهر في "أصل الروضة"(4).

ووقت إمكان نبات العانة: وقت الاحتلام، ذكره الرافعي، وأسقطه من "الروضة"(5).

(لا المسلمِ في الأصحِّ) لأنه ربما استعجل الإنبات بالمعالجة؛ تشوقًا للولايات، ودفعًا للحجر، بخلاف الكافر؛ لأنه يفضي به إلى القتل، أو الحرية، والثاني: نعم؛ لأن المسلم قد يشكل علينا أمره فيحتاج إلى الأخذ به.

(وتزيد المرأة حيضًا) بالإجماع (وحَبَلًا) لأنه مسبوق بالإنزال؛ لأن الولد يخلق من الماءين، فإذا وضعت المرأة. . حكمنا بحصول البلوغ قبل الوضع بستة أشهر ولحظة.

(1) سنن الترمذي (1584)، المستدرك (2/ 123)، وأخرجه أبو داوود (4044)، والنسائي (6/ 155)، وابن ماجه (2541).

(2)

التهذيب (4/ 134).

(3)

الشرح الكبير (5/ 70 - 71)، روضة الطالبين (4/ 179).

(4)

روضة الطالبين (4/ 178).

(5)

الشرح الكبير (5/ 69).

ص: 184

وَالرُّشْدُ: صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمَالِ، فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ بِاحْتِمَالِ غبْنٍ فَاحِش فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ. وَيُخْتبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ.

===

وأشار بقوله: (وتزيد) إلى أن ما تقدم عام في الذكور والإناث.

(والرشد: صلاح الدِّين والمال) كذا فسر به ابن عباس وغيره قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} (1)(فلا يفعل مُحرَّمًا يُبطل العدالة) هذا تفسير صلاح الدين، والمبطل للعدالة: هو فعل الكبيرة، أو الإصرار على الصغيرة.

واحترز بالمحرم: عما يمنع قبول الشهادة؛ لإخلاله بالمروءة؛ كالأكل في السوق.

(ولا يُبذِّر بأن يضيع المال باحتمال غَبْنٍ فاحش في المعاملة) لأن ذلك يدل على قلة العقل، هذا إذا لم يُرد المحاباةَ، فإن أراد المحاباةَ والإحسان. . فلا، فإن كان الغبن يسيرًا. . لم يقدح، وستعرف الفاحشَ وغيره في (الوكالة).

(أو رميِه في بحر) لدلالته على قلة عقله ودينه، (أو إنفاقه في مُحرَّم) ولو في صغيرة؛ لما فيه من قلة الدين.

ولو قال: (أو ضياعه) بدل (إنفاقه). . لكان أولى؛ إذ يقال فيما أخرج في الطاعة: أنفق، وفي المكروه والمعصية: ضيع، وغرم، وخسر.

(والأصحُّ: أن صرفه في الصدقة، ووجوه الخير، والمطاعم، والملابس التي لا تليق بحاله. . ليس بتبذير) أما في الأولى. . فلأن له فيه غرضًا، وهو الثواب، ووجه مقابله: أنه يوقع في الاحتياج، وأما في الثانية. . فلأن المال يتخذ لينتفع به ويلتذ، ووجه مقابله: أن أهل العرف يَنفُون الرشد عنه.

وذكره وجوه الخير بعد الصدقة من ذكر العام بعد الخاص.

(ويُختبر رشدُ الصبي) في الدين والمال؛ لقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} أي:

(1) أخرجه الطبري في "تفسيره"(8585).

ص: 185

وَيَخْتَلِفُ بالْمَرَاتِبِ؛ فَيُخْتبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ: بِالْبَيع وَالشِّرَاءِ وَالْمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا. وَوَلَدُ الزَّرَّاعِ: بِالَزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقُوَّامِ بِهَا. وَالْمُحْتَرِفُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ. وَالْمَرْأَةُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالْقُطْنِ، وَصَوْنِ الأَطْعِمَةِ عَنِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا

===

اختبروهم، قال في "الكفاية": ويظهر الاختبار في الدين بمشاهدة حاله في العبادات، وتجنب المحظورات وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير، فإن ظهر قيامُه بالواجبات، واجتنابُه للمنهيات. . فرشيد، وإلا. . فلا (1).

(ويختلف) اختبار المال (بالمراتب، فيختبر ولد التاجر: بالبيع والشراء والمماكسة فيهما) أي: النقصان عما طلبه البائع، والزيادة على ما يبذله المشتري، وعبارته كـ "الشرحين"، و"الروضة" تقتضي صحَة البيع والشراء منه (2)، والأصح: خلافه كما سيأتي.

(وولد الزَّرَّاع: بالزراعة والنفقةِ على القُوَّام بها)(3) أي: إعطائهم الأجرة.

(والمحترف: بما يتعلق بحرفته) أي: صنعته.

واختبار ولد الأمير ونحوه: أن يعطى شيئًا من ماله لينفقه في مدة شهر في خبز ولحم وماء ونحوه، كذا قاله في "الكفاية"، ثم نقل عن الماوردي: أنه يدفع إليه نفقة يوم، ثم نفقة أسبوع، ثم نفقة شهر (4).

(والمرأة: بما يتعلق بالغزل والقطن) في بيتها إن كانت مُخدَّرة، وإن كانت بَرْزَة. . ففي بيع الغزل، وشراء القطن.

(وصونِ الأطعمة عن الهرة ونحوها) لأن بذلك يتبين الضبط، وحفظ المال، وعدم الانخداع، وذلك قوام الرشد.

وقوله: (ونحوها) أي: إما نحو الهرة؛ كالفأرة، والدجاجة، أو نحو هذه الأمور من مصالح البيت.

(1) كفاية النبيه (10/ 41).

(2)

الشرح الكبير (5/ 73)، روضة الطالبين (4/ 181).

(3)

في (ب) و (د): (وولد الزارع).

(4)

كفاية النبيه (10/ 41).

ص: 186

ويُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الاخْتِبَارِ مَرَّتينِ أَوْ أَكْثَرَ. وَوَقْتُهُ: قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ. فَعَلَى الأَوَّلِ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، بَلْ يُمْتَحَنُ فِي الْمُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ. . عَقَدَ الْوَليُّ. فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ. . دَامَ الْحَجْرُ. وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا. . أنْفَكَّ بِنَفْسِ الْبُلُوغِ وَأُعْطِيَ مَالَهُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فَكُّ الْقَاضِي، فَلَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ. . حُجِرَ عَلَيْهِ،

===

ويختبر الخنثى بما يختبر به الذكر والأنثى جميعًا؛ ليحصل العلمُ بالرشد؛ لأنه إذا اختبر بما يختبر به أحد النوعين. . جاز أن يكون من الآخر، قاله ابن المسلم.

(ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر) لأنه قد يصيب في المرة الواحدة اتفاقًا، فلا بدَّ من زيادة تُفيد غلبةَ الظنِّ برشده، وقيل: لا بدَّ من تكرره ثلاثًا.

(ووقته) يعني: الاختبار (قبل البلوغ) لقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَ} واليتم إنما يقع على غير البالغ، ولأنه لو كان بعده. . لأدى إلى الحجر على البالغ الرشيد إلى أن يختبر، وهو باطل، (وقيل: بعده) لأن تصرف الصبي غيرُ نافذ.

(فعلى الأول: الأصحُّ: أنه لا يصحُّ عقده، بل يُمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد. . عقد الوليُّ) لما ذكرناه من بطلان تصرفه، والثاني: يصحُّ؛ للحاجة.

(فلو بلغ غيرَ رشيد) لاختلال صلاح الدين أو المال (. . دام الحجر) لمفهوم قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} والإيناس: العلم، وحينئذ، فيتصرف من كان يتصرف قبل البلوغ.

وقوله: (دام الحجر) أي: جنسُه، وإلا. . فحجر الصبي ينقطع بالبلوغ ويَخلُفه غيرُه.

(وإن بلغ رشيدًا. . انفك بنفس البلوغ، وأُعطي مالَه) لأنه حجر ثبت بغير حاكم، فلم يتوقف زوالُه على إزالة الحاكم، كحجر الجنون.

(وقيل: يشترط فكُّ القاضي) لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد، فأشبه حجرَ السفه الطارئ، وقائله لا يُعيِّن القاضيَ، بل هو أو الأب أو الجد، وفي الوصي والقيم وجهان، والخلاف جار أيضًا فيما إذا بلغ غيرَ رشيد ثم رشد.

(فلو بذَّر بعد ذلك. . حجر عليه) أي: أعيد الحجر عليه؛ لقوله تعالى: {وَلَا

ص: 187

وَقِيلَ: يَعُودُ الْحَجْرُ بِلَا إِعَادَةٍ، وَلَوْ فَسَقَ. . لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ طَرَأَ. . فَوَليُّهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ. . فَوَليُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَقِيلَ: الْقَاضِي. وَلَا يَصحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بَيع وَلَا شِرَاءٌ وَلَا إِعْتَاقٌ وَهِبَةٌ

===

تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} والمراد: أموالهم؛ لقوله تعالى بعد ذلك: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} والذي يعيده هو القاضي فقط على الأصحِّ، (وقيل: يعود الحجر بلا إعادة) كالجنون.

(ولو فسق. . لم يُحجر عليه في الأصحِّ) لأن الأولِين لم يَحجروا على الفسقة، بخلاف الاستدامة؛ فإن الحجر كان ثابتًا، والثاني: نعم؛ كما لو عاد التبذير.

وفرق الأول: بأن بالتبذير يتحقق تضييع المال، بخلاف الفسق؛ فإنه ربما لا ينفق المال إلا فيما يسوغ وإن كان فاسقًا.

(ومن حُجر عليه لسفه طرأ. . فوليه القاضي) لأن ولاية الأب ونحوه قد زالت، فينظر مَنْ له النظر العام، (وقيل: وليه في الصغر) كمن بلغ سفيهًا.

ومحل الخلاف: ما إذا قلنا: يعود الحجر بنفسه، وإلا. . لم ينظر إلا القاضي قطعًا.

(ولو طرأ جنون. . فوليه وليه في الصغر، وقيل: القاضي) تعليلهما ما سلف قبله، والفرق على الأصحِّ: أن السفه وزوالَه يُجتهد فيه، فاحتاج إلى نظر الحاكم، بخلاف الجنون.

(ولا يصحُّ من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراءٌ) لمكان الحجر، (ولا إعتاق) ولو بكتابة؛ لما قلناه، هذا في حال الحياة، أما بعد الموت؛ كالتدبير، والوصية. . فالمذهب: الصحة.

(وهبة) أي: أن يهب شيئًا، أما قبوله للهبة. . ففيه وجهان، قضية كلام الرافعي: تصحيح البطلان، لكن الأصحَّ في "زيادة الروضة": الصحة (1).

(1) روضة الطالبين (4/ 184)، الشرح الكبير (5/ 78).

ص: 188

وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَوِ اشْتَرَى أَوِ اقْتَرَضَ وَقَبَضَ وَتَلِفَ الْمَأْخُوذُ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ. . فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ، سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَهُ مَنْ عَامَلَهُ أَوْ جَهِلَ. وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَليِّ نِكَاحُهُ، لَا التَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ فِي الأَصَحِّ

===

(ونكاح) يقبله لنفسه، أما لغيره. . فالأصحُّ: جواز توكيله في القبول دون الإيجاب، (بغير إذن وليه) لأن النكاح مظنة إتلاف المال (فلو اشترى أو اقترض، وقبض، وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه. . فلا ضمان في الحال، ولا بعد فكِّ الحجر، سواء علم حالَه مَنْ عامله أو جهل) لأن البائع سلطه على إتلافه بإقباضه إياه، وكان من حقه أن يبحث عنه قبل معاملته.

هذا إذا أقبضه البائع الرشيد، فإن قبضه السفيه بغير إذن البائع، أو أقبضه البائع، وهو محجور عليه. . فإنه يضمنه بالقبض مطلقًا، كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأصحاب (1).

(ويصحُّ بإذن الولي نكاحُه) هذه المسألة قد أعادها المصنف في (باب النكاح) بشروطها، وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله تعالى.

(لا التصرف المالي في الأصحِّ) كما لو أذن للصبي، وهذا ما نقله في "زيادة الروضة" عن الأكثرين، والثاني: يصحُّ؛ كالنكاح، وقال الإمام: إنه المذهب، والأول غير معدود منه، وصححه في "الكفاية"(2)، ولا تصريح في "الشرحين" بترجيح.

والفرق على الأول: أن المقصود بالحجر عليه حفظُ المال دون النكاح.

ومحل الوجهين: إذا عين له الولي قدرَ الثمن، وإلا. . بطل جزمًا، وألحق في "المطلب" تعيين البيع بتقدير الثمن، ويتقدر بثمن المثل.

وقضية كلام المصنف: طرد الخلاف في الهبة والعتق والكتابة، ولا خلاف في بطلانها مع الإذن.

وأجيب: بأنه إذا وكل فيها. . يجري الخلاف، وذاك كاف في تصحيح كلامه؛

(1) روضة الطالبين (4/ 184).

(2)

روضة الطالبين (4/ 184)، نهاية المطلب (12/ 57)، كفاية النبيه (10/ 44).

ص: 189

وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ -وَكَذَا بِإِتْلَافِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ- وَيَصِحُّ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَظِهَارُهُ وَنَفْيُهُ النَّسَبَ بِلِعَانٍ.

===

لأنه لم يفرض الكلام في مال السفيه.

ورُدَّ: بأنه شرط في جريان الخلاف وجودَ الإذن من الولي، والخلاف في مال غيره لا يتوقف عليه.

ويستثنى من إطلاق منع تصرفه في المال صور: منها: ما لو وجب عليه قصاص. . فصالح بغير إذن وليه على الدية، أو أكثر. . صحَّ، وليس للولي منعه، ومنها: ما لو وجب له قصاص. . فإن له العفو على مال، وكذا مجانًا على المذهب؛ كما ذكره في "الكتاب" قبيل (كتاب الديات)(1)، ومنها: ما لو ثبت له دين فقبضه بإذن وليه. . فإن الأرجح عند الحناطي: الاعتداد به، كذا حكياه في أوائل الباب الثاني: من أبواب (الخلع)، وأقرّاه (2).

(ولا يصحُّ إقراره بدين) أي: بدين معاملةٍ أُسند وجوبُه إلى ما (قبل الحجر أو) إلى ما (بعده) كالصبي، (وكذا بإتلاف المال في الأظهر) كدين المعاملة، والثاني: أنه يقبل؛ لأنه إذا باشر الإتلاف. . يضمن، فإذا أقربه. . يقبل.

وأفهم تعبيره بعدم الصحة: أنه لا يطالب به بعد فكِّ الحجر، ومحله: في الظاهر، أما فيما بينه وبين الله تعالى. . فيجب عليه بعد فكِّ الحجر أداؤه إذا كان صادقًا قطعًا؛ كما قاله في "المطلب" في أوائل (الإقرار).

(ويصحُّ بالحدِّ والقصاص) لأنه لا تعلق لهما بالمال، ولبعد التُّهَمة، ولو عفا مستحق القصاص على مال. . ثبت على الصحيح.

(و) يصحُّ (طلاقُه، وخلعه، وظهاره) وإيلاؤه، (ونفيُه النسب بلعان) لأن هذه الأمور ما عدا الخلع لا تعلق لها بالمال، والحجر إنما كان لأجله، وأما الخلع. . فلأنه إذا صحَّ طلاقه مجانًا. . فبعوض أولى، إلا أنه لا يسلم إليه المال،

(1) منهاج الطالبين (ص 481).

(2)

الشرح الكبير (8/ 411)، روضة الطالبين (7/ 384).

ص: 190

وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالرَّشِيدِ، لكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجِّ فَرْضٍ. . أَعْطَى الْوَليُّ كِفَايَته لِثِقَةٍ يُنفِقُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بتَطَوُّعٍ وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ. . فَلِلْوَليِّ مَنْعُهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمُحْصَبر فَيَتَحَلَّلُ. قُلْتُ: وَيَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ إِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الإِحْصَارِ بَدَلٌ، لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ

===

وهو خاصٌّ بالرجل، وقد صرح به المصنف في بابه (1).

(وحكمُه في العبادة كالرشيد) لاجتماع الشرائط فيه.

نعم؛ تستثنى العبادة المالية غير الواجبة؛ كصدقة التطوع، فليس هو فيها كالرشيد.

(لكن لا يُفرِّق الزكاةَ بنفسه) لأنه تصرف مالي.

وقوله: (بنفسه) قد يقتضي: أنه إذا أذن له الولي. . جاز، وهو ظاهر، لأنه قد صرح القاضي والبغوي في "فتاويه" والروياني، وغيرهم في (كتاب الزكاة) بجواز توكيل الأجنبي له فيها، فإذا جاز ذلك في مال الأجنبي. . ففي مال نفسه أولى.

(وإذا أحرم بحجِّ فرض) أو بعمرته، أو أخرهما إلى الميقات (. . أعطى الوليُّ كفايته لثقةٍ يُنفق عليه في طريقه) ولو بأجرة؛ خوفًا من تفريطه فيه.

ويَرِد على مفهومه: ما لو أحرم بتطوع، ثم حجر عليه قبل إتمامه. . فإن حكمه كحكم الفرض، كما ذكره الرافعي في أوائل (الحج)(2).

وقوله: (لثقة) صوابه: حذف اللام؛ لأن (أعطى) يتعدى لاثنين بنفسه.

(وإن أحرم بتطوع وزادت مؤنةُ سفره على نفقته المعهودة. . فللولي منعه) صيانة لماله.

(والمذهب: أنه كمحصر فيتحلل) لأنه ممنوع، وقيل: وجهان، أحدهما: هذا، والثاني: لا يتحلل إلا بلقاء البيت؛ كمن فقد الزاد والراحلة؛ لاشتراكهما في امتناع الذهاب للعجز.

(قلت: ويتحلل بالصوم إن قلنا: لدم الإحصار بدلٌ) كما هو الأصح (لأنه ممنوع

(1) منهاج الطالبين (ص 407).

(2)

الشرح الكبير (3/ 293).

ص: 191